الشعب نيوز/ رأي – لا يكفي أن يرصد مشروع قانون المالية أموالًا لدعم المؤسسات أو التكوين. المطلوب أن تخلق هذه الإجراءات شغلًا لائقًا ومصرّحًا به، وأن تصون حقوق الأجراء، وأن تُعدّ عبر حوار فعلي مع الأطراف الاجتماعية.
لم تقع استشارة المجلس الوطني للحوار الاجتماعي في الفصول 14 و52 إلى 54 و59، بما أن المجلس مجمّد منذ 2022. وينص الفصل 3 من القانون عدد 54 لسنة 2017 على وجوب استشارته في المسائل المتعلقة بالشغل والتكوين المهني والحماية الاجتماعية، وإرفاق رأيه بمشاريع القوانين المعروضة على البرلمان.
رأي المجلس استشاري، لكن استشارته تتيح للأطراف الاجتماعية مناقشة القرارات وآثارها قبل إقرارها.
الفصل 14: دعم المؤسسات الناشئة يجب أن يقترن بشروط تحمي الأجراء
لست ضد دعم المؤسسات الناشئة أو تخفيف أعبائها في سنواتها الأولى؛ فقد يساعد ذلك على بعث المشاريع وخلق فرص عمل. لكن الدعم من المال العام يجب أن يقابله أثر واضح في التشغيل، وأن يضمن احترام حقوق العاملين.
ينص الفصل على تحمّل الدولة للمساهمة الاجتماعية لباعثي المشاريع والمؤسسات الصغرى المحدثة سنة 2027، بنسب تتراجع من 100% إلى 75% ثم 50%، على موارد الصندوق الوطني للتشغيل وبسقف قدره 5 ملايين دينار. لكن النص لا يربط الانتفاع بالدعم بخلق مواطن شغل جديدة أو الحفاظ عليها، ولا يشترط التصريح بالأجراء بأجورهم الفعلية. كما يحيل شروط الانتفاع على اتفاقية بين الوزارات، من دون التنصيص على نشرها أو إشراك الأطراف الاجتماعية في إعدادها.

هنا تبرز أهمية الحوار الاجتماعي: فمشاركة الشريك الاجتماعي تساعد على وضع معايير واضحة تضمن وصول الدعم إلى المؤسسات التي تخلق شغلًا مصرّحًا به وتحافظ عليه، وتحول دون أن يصبح الامتياز المالي منفصلًا عن أي التزام اجتماعي. لذلك ينبغي نشر شروط الانتفاع، وربط الدعم باحترام الحقوق الاجتماعية والتصريح الكامل بالأجور، ومتابعة النتائج، مع استرجاعه عند الإخلال بالشروط.
الفصول 52 إلى 54: تسويات تمسّ صندوق التقاعد من دون كشف تفاصيلها
تتناول هذه الفصول خطايا وديونًا مستحقة للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية وتسويات مع منشآت عمومية، لكنها لا تعرض مبالغ الخطايا والديون ولا تفاصيل المقاصة والتسوية.
هذه الموارد ترتبط بالتزامات الصندوق تجاه المتقاعدين ومنظوريه. لذلك يجب نشر المبالغ وشرح الأثر المالي للتسويات، بما في ذلك أثر المقاصة على موارد الصندوق، ومناقشتها مع الأطراف الاجتماعية قبل إقرارها. فالشفافية والحوار ضروريان في قرارات تمسّ حقوق المتقاعدين واستدامة الصناديق الاجتماعية.
الفصل 59: التكوين المهني يجب أن يعود بالنفع على الأجراء
يتيح الفصل للمؤسسات خصم مصاريف التكوين المستمر وتأطير المتربصين، ويحيل شروط تطبيق الآليتين على أمر يبدأ العمل به سنة 2028. لكنه لا يوضح كيف ستُحدد التكوينات المقبولة، ولا كيف ستُضمن استفادة الأجراء منها فعليًا. وبما أن التكوين المهني من المجالات التي يوجب القانون استشارة المجلس بشأنها، ينبغي تشريك الأطراف الاجتماعية في مناقشة الفصل وإعداد الأمر قبل صدوره.
التكوين ليس مجرد مصاريف تخصمها المؤسسة؛ بل ينبغي أن يطوّر مهارات الأجراء ويحسن فرصهم المهنية، وأن تكون معاييره معلنة ونتائجه قابلة للمتابعة.
الفصل 24: توضيح وجهة الموارد ضروري
يرفع الفصل بعض المعاليم، ويخصص صراحة للحساب المعني بتنويع موارد الضمان الاجتماعي الزيادة في معلوم الاستهلاك الواردة في الفقرة الأولى. أما بقية الزيادات فترد ضمن أحكام وإحالات منفصلة؛ لذلك ينبغي توضيح وجهة كل مورد وحصة الضمان الاجتماعي منه، وإتاحة مناقشة أثر هذه الخيارات على تمويل الحماية الاجتماعية.
لا دعم بلا شروط واضحة، ولا قرارات اجتماعية بلا حوار
المطلوب استشارة المجلس الوطني للحوار الاجتماعي وإرفاق رأيه بالفصول المعنية، ونشر شروط الانتفاع بدعم الفصل 14 وربطها بخلق شغل مصرّح به واحترام حقوق الأجراء، وكشف تفاصيل ديون الصندوق وتسويتها، وضمان مشاركة الأطراف الاجتماعية في تحديد معايير التكوين ومتابعة أثره.
دعم المؤسسات الناشئة والتكوين المهني مهمّان، لكن نجاحهما يُقاس بفرص العمل اللائقة التي يخلقانها، وبما يضمنانه للأجراء من حقوق. وهذا يتطلب حوارًا اجتماعيًا حقيقيًا قبل اتخاذ القرار، لا بعده.
