26.7 C
تونس
19 أكتوبر، 2026 19:29
جريدة الشعب نيوز
ثقافيدولي

في ذكرى “طوفان الأقصى”: تراجع دعم الحركة النقابيّة الأمريكية للكيان الصّهيوني من خلال كتاب المؤرّخ جيف شوركه

  ينهي جيف شوركه  Jeff Schuhrke   المؤرّخ الأمريكي المهتم بتاريخ الحركة العمّالية وبعلاقاتها الدّوليّة في أمريكا اللاتينيّة وآسيا وافريقيا عمله المتعلق بفلسطين والصّهيونية بقوله :” ليس من المستغرب أن يكون النشطاء المتضامنون مع فلسطين في الولايات المتّحدة ومختلف أنحاء العالم قد تبنّوا شعار : فلسطين حرّرتنا جميعا”.

وقد جاء هذا العمل الذي غطى سبعة عقود تحت عنوان ” لا حياد ، الحركة العمّالية الأمريكيّة ،الصّهيونية والنّضال من أجل فلسطين”   No neutrals there US labors,Zionism,and the struggle for Palestine  في 305 صفحة وصدر سنة 2025 . وانقسم العمل إلى ستة فصول وتناول علاقة الحركة النقابيّة الأمريكيّة بالصّهيونية مند بداية القرن العشرين وصولا لحرب الإبادة في غزة.

إنّ أهميّة هذا العمل تكمن في متابعته الدّقيقة للتّحوّلات التي حصلت داخل الحركة النقابيّة الأمريكيّة من داعمة بصفة تكاد تكون مطلقة للكيان المغتصب إلى تخليها عن هذا النّهج بصفة متدرّجة لتصبح قوّة متضامنة مع نضال الشعب الفلسطيني ومعادية لسياسة الحكومة الأمريكيّة الدّاعمة للكيان بالمال والعتاد . فلقد حرّرت المواجهة في غزة التي قابلتها وحشيّة صهيونيّة وقتل ودمار لامثيل له العديد من الطاقات النّاشطة في النقابات والجمعيّات والأحزاب والبرلمانات وفي الأوساط الفنيّة والثقافيّة في العالم من ضغوطات الصّهيونية العالميّة المتاجرة بما يدعى معاداة السّامية لتغطية جرائمها في حقّ الشعب العربي في فلسطين.

من الدّعم المطلق للكيان إلى تباين واضح معه

ولم تشذ الحركة النقابيّة الأمريكيّة عن القاعدة فانتقلت تدريجيّا على مدى عقود من الدّعم المطلق للكيان معنويّا وماديّا إلى تباين واضح معه وتوجّهت نحو تطوير طرق وأساليب مساندة القضايا العربيّة والإنسانيّة. فكانت البداية مع الوقوف ضد حرب الفيتنام في السّتينات وصولا لدعم الانتفاضة الأولى والثانية والتّنديد بالحرب ضدّ العراق سنة 2003 والاعتداءات المتكرّرة ضدّ غزة والضّفة الغربيّة فضمّت حركة التّضامن هذه سنة 2024 نصف منخرطي النقاّبات الأمريكيّة التي تمرّدت على القيادات الموالية للحكومة والعدوّ.

تأسّست “الجامعة الأمريكيّة للعمل”  A F L  سنة 1886 وتلاها بعد سنتين فقط نشأة “اتّحاد النقابات العبريّة”  في نيويورك ارتباطا بتصاعد عدد اليهود الهاربين من روسيا وأوروبا والمتجهين للولايات المتّحدة ليبلغ عددهم بين 1900 و 1914  1،4 مليون مهاجرا. ومنذ سنة التأسيس دعا صمويل غمبرس رئيس “جامعة العمل الأمريكية” إلى “الأخذ بعين الاعتبار مطالب الشعب اليهودي في إقامة وطن قومي في فلسطين”. وتكرّر التّعبير عن هذا الموقف خلال انعقاد المؤتمر الوطني للنقابات الأمريكيّة في بوفالو Buffalo أسبوعا بعد صدور وعد بلفور مما دفع بالمؤرّخة الأمريكيّة شايلا ستارن إلى القول ” أنّ مؤتمر بوفالو يؤرّخ لبداية التزام طويل للحركة النقابيّة الأمريكيّة مع الصّهيونيّة”.

” لجنة العمل الوطني من أجل فلسطين”

ونشأ في الأثناء سنة 1920 الاتّحاد العام للعمال اليهود ( الهستدروت) الذي كان في حاجة لتجميع الأموال لتنفيذ برامجه الاجتماعيّة وتشجيع الهجرة نحو فلسطين. فتوجّهت قيادات الهستدروت للولايات المتحدة واتّصلت بالنقابات التي سيطر عليها اليهود خاصّة في قطاع النّسيج وبعثت من أجل تحقيق أهدافها ” لجنة العمل الوطني من أجل فلسطين” التي تزعّمها القيادي النقّابي الأمريكي ماكس باين Max Pine . وتمكّن هذا الأخير بعد حملة أطلقها في كندا وأمريكا من تجميع 564000 دولارا بين 1923 و1928 .

وقرّرت القيادات النقابيّة الأمريكيّة بدورها بعث “اللجنة النقابيّة الأمريكيّة ” لتلتحق “باللجنة الوطنيّة للعمل من أجل فلسطين” وشكلا معا لاحقا “المجلس النقّابي الأمريكي لأجل الهستدروت” الذي تمكن من تجميع مليون دولارا لصالح النقابات الصّهيونية ومارس ضغوطات على الدبلوماسيين الأجانب حتى يصوّتوا لصالح قرار التقسيم سنة 1947 . بل إنّ الهستدروت طالبت القيادات النقابيّة الأمريكيّة خلال حرب 1948 بدعوة حكومتها وكذلك الحكومة البريطانيّة السّماح بشحن الأسلحة للعصابات الصّهيونية ونظمت قيادة “جامعة العمل الأمريكية” لنفس الغرض تجمّعا احتجاجيّا أمام السّفارة البريطانيّة.وقد عبّر دافيد بن غوريون عن إعجابه الشديد بحملة النقابات الأمريكيّة المساندة لقيام الكيان الصّهيوني بقوله “إنّ تعاون الحركة العماليّة الأمريكيّة كانت في الواقع أكثر أهميّة من الانتصار الديبلوماسي لوعد بلفور”.

ما يجب الإشارة إليه أنّ حملة دعم المشروع الصّهيوني ومعاداة النّضال الوطني العربي في فلسطين من قبل النقابات الأمريكيّة اقترن بعداء مفضوح وشرس للحركة الشّيوعية وملاحقة شديدة لهم في النقابات توّجت بطرد أكثر من مليون عضوا من “مؤتمر المنظمات الصّناعية”  CIO الذي توحّد سنة 1955 مع “الجامعة الأمريكية للعمل” ليتشكل التنظيم النقابي  AFL-CIO.وصدر أيضا قانون تافت هارتلي سنة 1947 الذي فرض على عضو النقابة إمضاء التزام يعلن من خلاله تنصّله من الشّيوعيّة وقد جاء القانون كردّ فعل على تنامي تأثير الشّيوعيّين في النقابات إذ كان ثلث أعضاء مؤتمر المنظمات الصّناعية CIO متعاطفين مع الحزب الشّيوعي الأمريكي.

سندات بقيمة 5 مليار دولار

بعد قيام الكيان الصّهيوني وتوحّد النقابات الأمريكية التي ترأسها جورج ميني طالبت القيادة الحكومة الأمريكية برفع الدّعم المالي للكيان وتزويده بالأسلحة وانطلقت في حملة تجميع ثلاثة ملايين دولار ثم توجّهت نحو شراء سندات للاستثمار في الكيان مسخرة لأجل ذلك أموال المنخرطين المودعة في صناديق الإضراب والتقاعد والتأمين على المرض.

وكانت الأموال المسخّرة لشراء سندات استثمرت في مشاريع بنية تحتيّة  في الكيان (موانئ وطرقات) وأخرى تديرها الهستدروت ( مصحّات ومؤسّسات اجتماعيّة) بلغت ما قيمته 19،8 مليون دولار لتصل سنة 2005 إلى 5 مليار دولار.

لن يطول هذا الانحياز الكلي للمشروع الصّهيوني والتلاعب بأموال منخرطي النقابات فقد بدأت تبرز أصوات معارضة لشراء السّندات الصّهيونية ولدعم الكيان بالأسلحة ولخط القيادات البيروقراطيّة النقابيّة. وتزامن هذا التّململ مع الدّعم الذي قدمته القيادات النقابيّة للحكومة الأمريكيّة في حربها على فيتنام  وإعلان مساندتها للعدوان الثلاثي على مصر ورفع دعمها المالي للكيان خلال حرب جوان 1967 منوّهة “بدفاع إسرائيل الشّجاع عن نفسها”.

تابع جيف شوركه صاحب المؤلف الذي نحن بصدد عرضه هذه التّطورات فأشار إلى تأسيس ” اللجنة النقابية للشرق الأوسط” من قبل ناشط في اتحاد المهندسين سنة 1988 بتأثير من أحداث الانتفاضة الفلسطينية. وأصدرت هذه اللجنة “النّشرة العمّالية للشرق الأوسط” التي اهتمّت بقضايا العمال الفلسطينيين وبالتضامن العمّالي الأمريكي مع فلسطين.

“شبكة العمل العمّالي من أجل فلسطين”

ودعّمت ماليّا خمسون نقابة النشرية ثم أصبحت اللجنة سنة 1990 تنشط تحت تسمية “شبكة العمل العمّالي من أجل فلسطين” وقد اقترن ذلك بقطع “اتّحاد عمّال صناعة السّيارات” أكبر المنظمات النقابيّة علاقاته مع “الهستدروت” مطالبا الحكومة الاعتراف بمنظمة التّحرير الفلسطينيّة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني وسار على نفس النّهج كل من مؤتمر “نقابة عمّال الموانئ “و”اتحاد عمّال الكهرباء” .

لقد تواصل نهج مقاومة خط القيادة التي رحّبت باتفاقيّة أسلو ودفاعها المزعوم عن “السّلام” وأعلنت العديد من القواعد النقابية في عدة قطاعات عن قرارها الحازم بالتّصدّي لعمليّة شراء السّندات الصّهيونية مطالبة أيضا بقطع العلاقات مع “الهستدروت”. وكانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000 – 2005 قد دفعت بدورها في اتجاه مزيد تجذير هذه المواقف التي ناهضت الدّعم الرّسمي للكيان ووقفت أيضا ضدّ الحرب على أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وضدّ احتلال العراق سنة 2003 .

تعدّدت الجمعيّات واللجان المناهضة للحروب الإمبريالية والمتضامنة مع فلسطين. فبرزت للوجود جمعيّة “العودة” و”عمّال من أجل فلسطين” و”التّضامن الدّولي” التي نظمت حملة مقاطعة الشركات المتعاملة مع الكيان مثلما حصل ضد مؤسّسة كا تربيار  Caterpillard التي كانت تزوّد العدو بالكاسحات ولعلنا نذكر الدّهس الذي تعرّضت له الأمريكيّة راشال كوري حين اعترضت على هدم منزل فلسطيني وقد نتج عن ذلك استشهادها وكانت أيضا مناضلة نقابية في “الاتّحاد الدّولي لموظفي الخدمات”.

9 مليون منخرط لمساندة فلسطين

ومع تطوّر واتساع مظاهر التّضامن مع فلسطين تكوّنت سنة 2024 بعد اندلاع معركة “طوفان الأقصى” تنسيقيّة وطنية مثلت سبع نقابات وطنيّة كبرى و200 نقابة محلية تمثل جميعها تسعة ملايين منخرطا وهو ما يعادل نصف منخرطي النقابات الأمريكية.

وقد طالبت التنسيقية في المظاهرات والاعتصامات وحركات الاحتجاج بإنهاء حرب الإبادة في غزة والسّماح بمرور المعونات الإنسانيّة وإيقاف اعتداءات المستوطنين في الضّفة الغربيّة وجعل حدا لأي شكل من أشكال التّعامل مع العدوّ الصّهيوني.

كما اتسعت جبهة أصدقاء فلسطين في صفوف المثقفين والفنانين فانخرطت جمعيّة الأساتذة الجامعيين ونقابة الطلبة الباحثين في هذا المدّ التضامني وطالبت بقطع العلاقات مع الجامعات ومراكز البحث الصّهيونية في حين نظم العديد من الفنانين تظاهرات مساندة رفعت خلالها شعارات داعمة لفلسطين ورفرف خلالها العلم الفلسطيني عاليا معلنا عن تعزيز مسار مقاومة الصّهيونية ونهاية عصر “الحياد”.

شكلت هذه التّراكمات الإيجابيّة التي حصلت في صفوف الحركة النقابيّة الأمريكيّة والتي توسّعت لتشمل المثقفين والفنانين وحركة الشبيبة محطة مهمة في سلسلة المحطات التّاريخية المشرقة في دعم النّضال الوطني الفلسطيني والعربي ضدّ الكيان الصّهيوني. وتزداد أهمية هذه التّراكمات حين نعلم أنّ نفس الظاهرة شملت أيضا  أوروبا واكتسحت عدّة بلدان عرفت بدعمها القوي للكيان مثل هولاندا ودول الشمال وهو ما يدعونا للقول أنّ نهاية الصّهيونية قريبة إذا عرفنا كيف نحافظ على هذا الدّعم ونعزّزه ونساهم في تطويره. فتحرير فلسطين ليس فقط مهمّة قوميّة فقط بل هو أيضا مهمة إنسانيّة وأمميّة من أجل إسقاط النّظام الإمبريالي الصّهيوني وفك القيود المسلطة على شعوب وأمم العالم لتتأكد في الختام مقولة المؤرّخ ديف شوركه التي ذكرها في خاتمة كتابه وكنّا أشرنا إليها في مقدمة المقال: “فلسطين حرّرتنا جميعا”.

—-

  • العناوين الفرعية من اقتراح فريق النشر.

مقالات مشابهة

برنامج الأغذية العالمي يوقف مساعداته لنحو 500 ألف فلسطيني في غزة بسبب نقص التمويل

فريق النشر Echaab News

فرنسا : “السترات الصفراء” تدعو إلى تحركات جديدة يوم 24 أكتوبر

فريق النشر Echaab News

فرنسا : احتجاجات المزارعين تقطع الطريق السريع A47 جنوب ليون

فريق النشر Echaab News