20.9 C
تونس
19 أكتوبر، 2026 06:12
جريدة الشعب نيوز
نقابيوطني

مسيرة الإطار التنسيقي: حين يعجز البعض عن مواجهة الرسالة، ينشغلون بتصغير الصورة!

 الشعب نيوز/ رأي – يا للعجب من قومٍ لا يرون في الشارع إلا ما يريدون رؤيته، ولا يعترفون بوزن التحركات إلا إذا كانت في صفّهم، ولا يملكون من أدوات التقييم سوى عدسة تبحث عن الفراغات، وخطاب يفتش عن الثغرات، ومخيّلة سياسية تحوّل كل حشد لا يعجبها إلى هزيمة، وكل تحرك يزعجها إلى فضيحة!
خرجت مسيرة الإطار التنسيقي لتقول إن الشارع التونسي لم يُغلق، وإن إرادة الاحتجاج لم تُكسر، وإن القوى النقابية والمدنية والسياسية قادرة على الالتقاء رغم الاختلافات والتباينات. لكن بعضهم، بدل أن يتوقف عند دلالات هذا الالتقاء وما يحمله من رسائل، اختار أن يحوّل الحدث إلى مسابقة في عدّ الرؤوس، وكأن قيمة المظاهرات تُقاس بعدد الأشخاص الظاهرين في صورة، لا بما تحمله من مطالب وما تفتحه من آفاق.
ان المضحك أن بعضهم حسم النتيجة قبل انطلاق المسيرة، وأعلن الهزيمة قبل أن يسمع الشعارات، ثم انتظر انتهاء التحرك ليحتفل بانتصار لم يخض معركته إلا أمام شاشة هاتفه! فإذا كانت المسيرة، كما يزعمون، بلا أهمية، فلماذا كل هذا الاستنفار؟ ولماذا هذا الانشغال بتفاصيلها وصورها وشعاراتها؟ ولماذا تتحول مظاهرة يُراد إقناع الناس بأنها لا تعني شيئًا إلى موضوع يستحق كل هذا الجهد في التشكيك والتأويل والردود؟
الالتقاء حول قضايا مشتركة
أليس في هذا الارتباك ما يكشف أن المسألة تتجاوز حجم الحشود إلى ما تمثله من دلالات سياسية واجتماعية؟
لقد حملت المسيرة رسالة واضحة: أن الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الوطنية والقوى السياسية والمدنية المشاركة فيها ما زالت قادرة على النزول إلى الشارع، وعلى إعادة طرح قضايا الحرية والكرامة والشغل والعدالة الاجتماعية في الفضاء
وحملت درسًا آخر لا يقل أهمية: أن الاختلافات السياسية، مهما اتسعت، لا تمنع الالتقاء حول قضايا مشتركة، وأن تعدد المرجعيات لا يلغي إمكانية بناء أرضية نضالية تجمع أطرافًا مختلفة على الدفاع عن الحقوق والحريات والمطالب الاجتماعية.
انه هنا تحديدًا تكمن أهمية المسيرة؛ لا في الأرقام التي يتنازعها المتجادلون، بل في قدرتها على كسر منطق العزلة، وإعادة وصل العمل النقابي بالتحرك المدني والسياسي، والتأكيد أن الشارع فضاء للمواطنين جميعًا، وليس امتيازًا حصريًا لمن يصفقون للسلطة أو ينسجمون مع خياراتها،أما أولئك الذين اختاروا مواجهة المسيرة بالتشكيك في صورها، والطعن في دلالاتها، والبحث عن كل ما يمكن أن يصرف الأنظار عن رسائلها، فقد وقعوا في مفارقة تستحق التأمل: يريدون إقناع الناس بأن الحدث بلا قيمة، لكنهم يمنحونه من وقتهم وجهدهم وخصومتهم ما لا يمنحونه، عادةً، إلا للأحداث التي يخشون أثرها.
مسيرة تكسر الصمت
يا سادة، ليست كل معركة سياسية تُحسم بعدد المتظاهرين، لكن كل مسيرة تكسر الصمت، وتجمع المختلفين، وتعيد المطالب العامة إلى قلب النقاش الوطني، تترك أثرًا لا تستطيع الصور المقتطعة ولا حملات التشويه محوه.
ثم إن من دروس هذه المسيرة أن التعبئة ليست مجرد حشد عابر، بل اختبار للقدرة على بناء الثقة بين القوى الاجتماعية والسياسية، وأن وحدة الصف لا تُقاس بتطابق المواقف، بل بالقدرة على إدارة الاختلاف والالتقاء حول الأهداف المشتركة.
ومن دروس المظاهرة أيضًا أن الدفاع عن الحريات لا يستقيم بمنطق الانتقائية؛ فلا معنى للاحتفاء بحق التظاهر عندما يخدمنا، ثم السخرية منه عندما يمارسه المختلفون معنا. ولا معنى للحديث عن الإرادة الشعبية مع إنكار حق المواطنين في التعبير عن إرادتهم خارج الصناديق، وفي إطار القانون والعمل السلمي.
أما الذين نصبوا أنفسهم خبراء في قياس المسيرات، فليطمئنوا: يمكنهم مواصلة تكبير الفراغات في الصور وتصغير الحشود في التعليقات، ويمكنهم إعلان الانتصارات الوهمية وتوزيع شهادات الفشل على خصومكم، لكنهم لن يستطيعوا إلغاء حقيقة أن الشارع التونسي استعاد جزءً من حضوره، وأن قضايا الشغل والحرية والكرامة الوطنية عادت لتفرض نفسها في قلب المشهد العام.
إمكانات جديدة للفعل المشترك
ان المسيرة ليست نهاية المعركة، بل بداية اختبار سياسي ونقابي ومدني لما يمكن أن ينتج عنها، وقيمتها الحقيقية أنها فتحت الباب أمام إمكانات جديدة للفعل المشترك، وأعادت التذكير بأن القضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم بمنشور على فيسبوك، ولا بصورة منتقاة، ولا بحملة شماتة، بل بمدى القدرة على تحويل المطالب إلى قوة اجتماعية منظمة ومستمرة.
فليحتفل كل طرف بما يشاء، وليفسر المشهد وفق قناعاته، لكن لا أحد يستطيع أن يحتكر الشارع، أو أن يصادر حق الآخرين في الاحتجاج، أو أن يحوّل اختلافه السياسي إلى سلطة تمنحه حق تحديد ما إذا كان تحرك وطني يستحق الاهتمام أم لا ولمن لا يزال منشغلًا بعدّ الرؤوس: قد تنجح في تصغير صورة، لكنك لن تصغّر قضية، وقد تربح جولة من السخرية، لكنك لن تهزم رسالة بمجرد التشكيك فيها.
أما الدرس الأهم، فهو أن قوة المسيرة لا تكمن فقط فيمن نزلوا إلى الشارع، بل أيضًا في السؤال الذي تركته وراءها: هل تستطيع القوى التي التقت اليوم أن تحوّل هذا الالتقاء إلى مسار مستمر للدفاع عن الشغل والحرية والكرامة الوطنية؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي المعركة التي تستحق الاهتمام.
انتهى الدرس… ولتبدأ معركة الأفكار، بدل الاكتفاء بمعارك الصور.

مقالات مشابهة

اجراس الصمت: على أرض البطحاء ما يستحق الحياة

فريق النشر

إتحاد بن عروس يؤكد تنفيذ إضراب بمؤسسة “ALVA TUNISIA” أيام 19 و20 و21 أكتوبر

فريق النشر Echaab News

السالمي: أزمة تونس ليست أزمة أرقام أو موارد أو كفاءات، بل هي أساساً أزمة التفرّد بكل السلط

فريق النشر