23.1 C
تونس
22 أكتوبر، 2026 12:00
جريدة الشعب نيوز
وطني

إصلاح الجامعة التونسية بين التمويل والسيادة

 بقلم : أحمد الأخضر جلالي أستاذ بالجامعة التونسية 

أُسدل الستار يوم السادس من جويلية 2026 على برنامج تأهيل الإجازات، بندوة ختاميّة احتفاليّة تحت إشراف السيّد وزير التّعليم العالي والبحث العلمي وبحضور سعادة سفيرة فرنسا بتونس. وقد عُرضت فيها أرقام رسميّة عن اعتماد المقرّرات الجديدة في نحو 1191 مسارًا جامعيًا، وتكوين 1363 أستاذًا في مرحلة أولى، بهدف تأهيل أكثر من ثمانين ألف طالب مرسَّم بالسنة الأولى إجازة لسوق الشغل. لكنّ الأرقام، بعيدًا عن لغة البلاغات، لا تجيب عن أسئلة مهمّة: على أي تشخيص تقرر اعتماد هذا الاصلاح؟ وما هي آليّات المتابعة والتقييم؟ وما مصادر التّمويل لإصلاح جامعي مستدام؟

انطلق البرنامج الإصلاحي سنة 2023 بإشراف الإدارة العامّة للتّجديد الجامعي، وبشراكة مع المعهد الفرنسي بتونس، وبتمويل معلن من السفارة الفرنسية قدره مليونا أورو. ويقوم على أربع وحدات إلزامية تشمل مهارات الدّراسة والمهارات الناعمة وتعزيز المهارات اللّغوية في الفرنسية والإنجليزية.

يؤكّد المشرفون أن مقرّرات البرنامج أعدّها خبراء وأكاديميّون تونسيّون. وهذا أمر مطمئن لو اقترن بشفافيّة حول تقييم المنظومة الحالية، وعرض الوثائق المرجعيّة، وبيان طبيعة الشراكة وحدود أدوار المموّلين وآليّات اتخاذ القرار. فالجامعة التونسية لا يمكن أن تتطوّر إلا في عالم منفتح نؤثّر فيه ونتأثّر به. والسيادة لا تعني رفض الاستفادة من تجارب الآخرين، بل مقصدها أن نحدّد نحن مشكلات مناهج تعليمنا وأدوات معالجتها، ثم نتابع مؤشّرات نجاح إصلاحها. وإن احتجنا إلى الاستعانة بالخبرات الأجنبيّة، فإننا نملك حق اختيار ما يناسب واقعنا.

وهنا لا بدّ من التوقف عند تجربة إمد ( اجازة- ماجستير- دكتوراه) التي سبقت هذا الإصلاح بنحو عشرين سنة، وجاءت في إطار اعتماد مسار بولونيا بصيغته الفرنسية وسياقه السّياسي. فرغم استمرار العمل بها وتراكم آثارها، لا يزال التّقييم العلمي الشّامل لنتائجها غائبًا. وهذه ليست مسألة ثانويّة، لأنّ الإصلاح الذي لا يقيس نتائج التّجربة السّابقة يغامر بإعادة إنتاج أخطائها. إذ لا يمكن أن تتوالى برامج الإصلاح باعتبار كل واحد منها نقطة بداية جديدة، بينما تبقى حصيلة الإصلاح السابق خارج التّقييم.

وتظهر نقطة ضعف هذا البرنامج، الذي اعتُمد دون إطار قانوني مرجعي، جليةًّ في تقليص أهميّة مهارات اللّغة الإنجليزيّة والمهارات الرقمية. فإذا كانت الأمّيّة في القرن الماضي تعني أساسًا عدم القدرة على القراءة والكتابة، فإن عالم اليوم أضاف أشكالًا أخرى من العجز. فالأمّيّة الرقمية تحرم الطالب من الوصول إلى التكنولوجيا وتوظيفها، والأميّة اللّغوية تحدّ من قدرته على التواصل بالإنجليزية في البيئة العلميّة والاقتصاديّة الدوليّة، على اعتبار أنّ هذه اللّغة أصبحت أداة رئيسة للنّفاذ إلى المعرفة والتواصل العالمي، وجزءًا من الكفاءة الأساسيّة لخرّيجي الجامعة. ودليلنا على ذلك حذف تدريس الإنجليزيّة في ثلاثة سداسيّات جامعيّة، وتغييب برنامج تأهيل تكنولوجيا المعلومات، وتقليص عدد ساعات تدريسها. وقد سبق لمدرّسي اللغة الإنجليزية بالمؤسسات الجامعية أن وجّهوا بتاريخ 23 أفريل 2026 عريضة مطلبية إلى السيد مدير الإدارة العامة للتجديد الجامعي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بشأن وضعية تدريس هذه اللغة في البرنامج، غير أنها لم تلقَ أي ردّ وتم تجاهلها. في المقابل، أُضيفت طبقة من المهارات دُرّب الأساتذة عليها بالفرنسيّة ولزم تدريسها بهذه اللّغة.

لا يعني ذلك إلغاء الفرنسيّة أو التّقليل من قيمتها، فهي جزء من تاريخ تونس وثقافتها، وهي الى حدّ الآن لغة التدريس في جامعاتنا، وتعلّمها وإتقانها مكسب وإضافة. ولكن الجامعة التي تريد إعداد طالب للقرن الحادي والعشرين لا تستطيع أن تجعل الإنجليزيّة والمهارات الرقميّة هامشًا في تكوينها.

أمّا المهارات الناعمة، مثل التواصل والعمل الجماعي والقيادة وإدارة الوقت والإبداع وحل المشكلات، فعلى أهميتها، تظهر قيمتها الحقيقية عندما تتحول من وحدات دراسيّة نظريّة إلى تطبيق وممارسة في بيئة العمل الحقيقيّة. وإذا كان الهدف تحسين قابليّة التشغيل، فإنّ الجامعة تحتاج إلى شراكة فعليّة مع المؤسّسات الاقتصاديّة، لأنّ سوق الشغل هو المكان الطبيعي لاختبار هذه المهارات. وكان الأحرى والأجدى أن ينكبّ الخبراء على إيجاد آليّات أكثر قدرة على ربط مخرجات جامعاتنا بسوق الشغل والدورة الاقتصادية.

ذلك أن ربط البطالة بقابليّة تشغيل الخريّج وحدها قد يقود إلى تشخيص ناقص. فإذا كان الاقتصاد لا ينتج العدد والنوعيّة الكافيين من مواطن الشغل، فإن المشكلة تتّصل أيضًا بالسّياسات التنمويّة وبقدرة المؤسّسات الاقتصاديّة على استيعاب الكفاءات. لذلك لا ينبغي أن تتحول قابليّة التشغيل إلى وسيلة لتحميل الجامعة وحدها مسؤوليذة اختلالات سوق الشغل.

وتطرح طريقة توزيع تدريس الوحدات الجديدة تساؤلًا بيداغوجيًّا مهمًّا. فإذا كُلّف الأستاذ بتدريس مهارات لا تدخل في تكوينه الأصلي، فإن المشكلة ليست في مؤهلاته، وإنما في بنية الإصلاح. إنّ التّدريس يحتاج إلى كفاءة علميّة وبيداغوجية مناسبة، والإصلاح لا يعني إعادة توزيع ساعات التدريس على حساب الاختصاصات القائمة. فنجد، على سبيل المثال، أستاذ اللغة الإنجليزية يدرّس المهارات الناعمة بالفرنسية، وأستاذ المالية يؤمّن حصص مهارات التعلّم، في تناقض تام مع ما قُدّم خلال الدّورات التّدريبيّة. وقد أدّى ذلك إلى اضطراب في توزيع الحصص الدّراسيّة، وإلى فائض في عدد أساتذة الإنجليزية وتكنولوجيا المعلومات، الذين أصبحوا مضطرّين إلى قبول تدريس مواد خارج اختصاصهم، أو العمل في أكثر من مؤسسة لاستكمال الساعات المطالبين بتأمينها.

ونصل في تحليلنا لمدى جدوى البرنامج الإصلاحي إلى سؤال أهم من سؤال التّمويل نفسه: كيف نضمن استدامة هذه الإصلاحات بعد نفاد التمويل الأجنبي؟ فالاستدامة لا تعني بالضّرورة استمرار الوحدات التي طرحها البرنامج فحسب، بل القدرة على تدريب الأساتذة، وتحيين المقرّرات، وتطوير المنصّات الرقميّة وقياس النتائج. فإذا كانت الوزارة ستتولّى هذه المهام، فينبغي أن يكون ذلك واضحًا في السّياسات والميزانيّة. أمّا إذا ظل استمرار الإصلاح مرتبطًا بتمويل خارجي جديد، فإن سؤال الاستقلاليّة سيظل قائمًا. كما أن إصلاحا بهذا الحجم  يحتاج إلى تحديد من يملك صلاحيّة تعديل التجربة أو إيقافها إذا أثبت التّقييم العلمي عدم نجاعتها؟

وإيمانًا منا بأنّ السّيادة المعرفيّة أداة للانفتاح على العالم من حولنا، نتفاعل معه ونختار منه ما يناسبنا لبناء مواردنا البشريّة، فإنّ القضيّة ليست في قبول التّعاون الدولي أو رفضه، ولا في المفاضلة بين الفرنسية والإنجليزية، بل في سؤال أعمق: هل ينطلق إصلاح الجامعة من تشخيص علمي لحاجات تونس في الموارد البشرية، أم من نموذج جاهز فرضه المموّل يبحث عن بيئة لتطبيقه؟ وهل نملك الإرادة والآليّات لقياس النّتائج وتصحيح المسار؟

وحتى لا يبقى النقد معلّقًا دون بديل، نقترح نشر الوثائق المرجعيّة للبرنامج وحدود أدوار المموّلين. كما نطلب تقييم مستقل لمنظومة إمد ليُبنى عليه قرار التعميم أو التعديل. كما نؤكّد إعادة الاعتبار للّغة الإنجليزيّة والمهارات الرقميّة، وإسناد تدريس كل وحدة إلى من يملك تكوينها الأصلي، وضمان حقوق الأساتذة المتضرّرين من إعادة توزيع الساعات. وإلى حين مراجعة هذه المقترحات يمكن اعتماد التجريب على نطاق محدود قبل أيّ تعميم جديد.

في الختام، تُقاس جديّة إصلاح الجامعة بمدى استجابته لحاجات تونس. ويمكن للتّعاون الدولي أن يكون شريكًا في الإصلاح، لكنه لا ينبغي أن يتحوّل إلى مرجعيّة تحدّد خياراتنا. وفي هذا المعنى تكتسب كلمة رئيس الجمهورية بمناسبة يوم العلم دلالتها حين أكّد أنّ «لا نقبل بأيّ إملاء من الخارج، وتعليمنا نختاره كما يختاره الشعب التونسي». فإذا كان التمويل الخارجي قادرًا على تمويل الإصلاح، فإنّ امتلاك القرار وحده هو الضامن لأن يكون الإصلاح تونسيًا.

مقالات مشابهة

قضية الذهب بصفاقس : ارتفاع عدد الموقوفين إلى نحو 20 شخصا

فريق النشر Echaab News

رابطة حقوق الإنسان بالحمامات تتضامن مع أهالي منزل بوزلفة إثر وفاة أحد المعتصمين

فريق النشر Echaab News

الاخضر لالة مناضل كل الساحات: مسيرة لا يمكن اختصارها في مقال

فريق النشر