الشعب نيوز/ ضياء تقتق – نعود الى حوار خصنا به الأستاذ أيوب الغدامسي، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، نشر في الشعب الورقية بتاريخ 15 اكتوبر 2026 حيث نتطرق معه الى الاوضاع التي تتعرض لها العديد من المنظمات والجمعيات الناشطة في الساحة المدنية.
س: تشهد الساحة المدنية تضييقًا متزايدًا، من تعليق نشاط جمعيات ومنظمات إلى ملاحقات قضائية. كيف تقرؤون هذا المناخ؟ وإلى أي مدى بات انسداد باب الحوار يهدد بوصول المطالب الاجتماعية إلى طريق مسدود؟
ج. عدنا اليوم إلى مربع المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية و نتيجة تضرّر بقية الحقوق، حيث تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي ، ولذلك فنحن نطالب اليوم بالحريات العامة والفردية، لأن المعنيين بالحركات الاحتجاجية باتوا عرضة للملاحقات القضائية، وأحيانًا للمنع من دخول العاصمة أو للطرد منها. فعدنا إلى الحقوق المدنية والسياسية.
والجهات التي يُفترض أن تشارك في إيجاد الحلول معزولة ومهمّشة، فكثير من قياداتها في السجن، وجمعيات أخرى تعاني من تتبعات قضائية. وقرارات تعليق النشاط عطّلت العمل اليومي العادي للجمعيات وهدّدت وجودها، لأن التعليق يعقبه المرور إلى إجراءات الغلق، وقد مسّت هذه الإجراءات جمعيتين أو ثلاثًا وقد تمتد إلى بقية الجمعيات. وحين تُضرب حرية التعبير والإعلام الحر تتضرر بقية النضالات، إذ لا صحافة توصل صوت المحتجين، وبالتالي لا رأي عام ولا سلطة يصل إليهما.
ونلاحظ أيضًا تراجع الإعلام عن متابعة التحركات، فبقينا في دائرة مغلقة حدودها صفحاتنا ووسائل إعلامنا الخاصة. ونضرب مثالًا لذلك بالفروع النشطة للمنتدى في الرديف والمنستير والقيروان، التي لا يتجاوز صداها صفحات “فيسبوك”. وهو ما يجرّنا إلى القول بأن هذا الظرف يوصف بأنه قمعي واستبدادي، ومقاربته أمنية قضائية صرفة، ولا منطق له غير ذلك.
منذ مؤتمر ماي 2026، ما هي أبرز ملامح العمل الذي ينتظر المنتدى؟ وما أهم ما قرره المؤتمر؟
عُرف المنتدى باصذاره العديد من الدراسات الاقتصادية والاجتماعية العميقة وذلك بالتوازي مع النضال إلى جانب أصحاب الحقوق. فقد بنينا تحركاتنا على الدراسات، وأنجزنا مثلًا دراسة حول الفصول القانونية التي تُستعمل لضرب الحركات الاحتجاجية، ونظّمنا بناءً عليها دورات تكوينية للمحتجين حول كيفية التصرف مع النيابة العمومية والأمن أثناء البحث وأثناء المحاكمة.
غير أن المجلس العلمي، الذي يضم باحثين وأساتذة من مختلف الاختصاصات، تراجع دوره في السنوات الأخيرة حتى خلا من أعضائه عند انعقاد المؤتمر. فكان من أولى مهامنا إعادة تشكيله ووضع برنامج عمل واضح له على مدى ثلاث سنوات، هي المدة النيابية.
في هذا الإطار سيعمل المنتدى على مزيد تثمين إصداراته المعرفية، من دراسات وبحوث، وجعلها متاحة لجمهور أوسع، من خلال تحويلها إلى مواد صحفية واتصالية أكثر جاذبية. وسيتم ذلك في إطار خطة عمل تشمل المواقع الإلكترونية للمنتدى وصفحاته الرسمية على شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل ما نشهده من تراجع لحرية العمل الصحفي وضعف التغطية الإعلامية لأنشطة المنظمات المناضلة.
وقرر المؤتمر كذلك أن تصبح التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية قسماً من أقسام المنتدى.مثل بقية الأقسام كقسم الطفولة وقسم المرصد الاجتماعي. فقد كانت مجرد تنسيقية دون ضبط لمهامها ولا تحديد للمسؤولين عنها. وسيكون لهذا القسم منسّق يشرف عليه وينظّم التحركات ويرفعها إلى الهيئة المديرة.
أكد المؤتمر كذلك المحافظة على قسم الهجرة، الذي يُعنى بالأشخاص في حالة تنقّل، سواء المهاجرين الأجانب في تونس أو مواطنينا في المهجر، وذلك رغم حساسية هذه المسألة لدى النظام..
نعود الى 17 أكتوبر. فماذا بعده؟ هل هو محطة عابرة أم بداية مسار؟ وكيف تتصورون امتداده إلى الجهات، وتوسيع الإطار التنسيقي ليضم حركات شبابية وثقافية جديدة؟
إن تاريخ 17 أكتوبر يمثل الحلقة الأولى. فهو تحرك وطني مركزي في العاصمة، ومنه ستنبني تحركات جهوية، وأكيد أن كل المدن والولايات ستشهد تحركات بعده. وستتسع دائرة المنظمات والجمعيات والحركات، فنحن اليوم في إطار تنسيقي من تسع منظمات، لكن هناك حركات شبابية وثقافية ستنضم وإن لم يكن ذلك بشكل رسمي، وسنعمل على توسيع هذا الإطار.
ولن تبقى العاصمة وحدها، فستحظى التحركات بمساندة جدية من القيروان وسيدي بوزيد ومدنين، حيث الوضعيات حارقة في الفلاحة والتشغيل الهش. ونذكر مثالًا صادمًا عايناه في الحوض المنجمي، وتحديدًا في جهة قفصة، حيث وجدنا كميات هائلة من الفسفاط، قادرة على تحريك اقتصاد بلد بأكمله، مرمية وقد نبتت فيها الأعشاب الطفيلية حتى كادت تصبح غير قابلة للاستعمال، وهي تلوّث محيط السكان وتتسبب لهم في عديد الأمراض.
كل هذه الملفات جعلت من 17 أكتوبر انطلاقة جدية لتوسيع حركة الاحتجاج وتوسيع النضالات وتوسيع دائرة المنسّقين حولها.
تتحدثون عن تحرك مشترك تلتقي فيه حركات اجتماعية عدة. من هي هذه الحركات؟ وكيف تجمعت المطالب تحت سقف واحد؟
هذه الحركات شعرت من تلقاء نفسها بضرورة التوحد، وتبلور لديها وعي بأن مطالب كل واحدة منها مرتبطة بمطالب البقية. فالعاملات الفلاحيات، رغم كل ما قمنا به نحن وبقية مكونات المجتمع المدني، شعرن بأنهن غير مسنودات، فطالبن بتحسين وضعهن في ظل الهشاشة والخطورة، إذ تموت نساء في وسائل النقل وهن في طريقهن إلى الحقول، وتموت أخريات بضربات الشمس في الحقول. أما المعطلون عن العمل فيعيشون حالة فقر وجوع، ولديهم مؤهلات تتيح لهم أن يطالبوا بالكرامة عبر التشغيل، من خلال سياسات عادلة وديمقراطية تضمن المساواة على الأقل في الانتداب.
ومن جهة أخرى، لأمهات المفقودين ملف حارق ذو بعد اقتصادي أيضًا، إذ فقدت العائلات من كان يعيلها، واضطرت بعض الأمهات إلى النزول إلى سوق الشغل في ظروف غير لائقة، وهن يطالبن اليوم بكشف الحقيقة. فالمفقودون فرضت عليهم ظروفهم الاقتصادية الهجرة، فماتوا في البحر أو فُقدوا في دول أخرى، وفي مقدمتها إيطاليا. وقد حصل تعتيم من السلطتين الإيطالية والتونسية على حد السواء، وكأن لهما غاية مشتركة هي طمس الحقيقة. وما زالت الأسباب مجهولة، لكن الأكيد أن السلطة التونسية محمولة على كشفها.
والأطباء بدورهم يعانون من نقص في التجهيزات وتدهور في البنية التحتية بالمستشفيات، وقد اختاروا الانضمام إلى هذه الحركات، فالطبيب يداوي العاملة الفلاحية وأم المفقود والمعطل، ويقف على ظروف لا تليق بكرامة الإنسان.
ونحن في المنتدى وفي الإطار التنسيقي المشترك خلصنا إلى أن لبّ المشكل واحد: خيارات السلطة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية هي التي تقود إلى نتائج كارثية، تجعل ناسًا يموتون وآخرين يُهجَّرون وفئات تزداد تهميشًا.
