25.3 C
تونس
28 أكتوبر، 2026 18:19
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

قراءة في خطاب 17 أكتوبر : لسنا تجمّعًا عابرًا أو ظرفيّا.. و إنقاذ البلاد مسؤولية لا يمكن لأي طرف أن ينهض بها منفردًا 

بقلم خليفة شوشان – حظيت مسيرة 17 أكتوبر 2026 التي دعا إليها الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكوّنات المجتمع المدني بالاهتمام والمتابعة والتقييم والتحليل، وشكّلت الحدث السياسي الأبرز منذ سنوات، رغم كلّ ما رافقها من جدل حول عدد المشاركين وانتماءاتهم واختلاف شعاراتهم.

في المقابل، لم يحظَ الخطاب المشترك لمكوّنات الإطار التنسيقي الذي تلاه الأخ الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي في ختام المسيرة، بما يستحقه من القراءة والتحليل، رغم كونه يعتبر بمثابة الوثيقة المرجعية الفكرية والسياسية والتنظيمية، سواء على مستوى التحول في نوعية الخطاب والجمهور الذي يستهدفه أو في ما تضمنه من تقييم وتشخيص وطرح لحلول بديلة وإعلان للتموقع الواضح المستقل لكن المنحاز لمشاغل وهموم عموم التونسيات والتونسيين.

وهو ما يستدعي في نظري مزيد التعمق فيه لفهم الأفكار والتصورات التي تضمنها والتعرف على المواقف التي عبر عنها واستشراف خطواته القادمة.

فاتحة التحركات النضالية

لا يمكن قراءة خطاب 17 أكتوبر إلا باعتباره امتدادًا مفصّلا لما تم إعلانه وجاء مكثّفًا في بيان الإطار التنسيقي الأول الصادر في 29 سبتمبر، والذي تضمّن في عناوينه الرئيسية مواقف عامة أكدت على تحميل السلطة القائمة المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعن تراجع الحقوق والحريات وانسداد الآفاق العامة في البلاد. إلى جانب الإدانة الواضحة والصريحة لنهج السّلطة في التّفرّد بالقرار ورفض التفاوض وإغلاق أبواب الحوار وتجاهل مطالب التونسيين. واختتم البيان بالتزام المنظمات والهيئات الوطنية الموقّعة بضبط برنامج مشترك للتحركات والمبادرات النضالية، كانت فاتحته الدعوة إلى مسيرة شعبية وطنية تحت شعار «تونس أولًا… والشعب فوق كل اعتبار» للتعبير عن رفض السياسات الحالية التي تنتهجها السلطة والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعن الحريات العامة والفردية. وكان البيان التنسيقي قد أكد على انفتاحه على كل القوى الوطنية المؤمنة بدولة القانون والمؤسسات ودعاها إلى المشاركة في مسيرة 17 أكتوبر.

لأن الوطن لا يُدار بالإقصاء

يجيب خطاب 17 أكتوبر منذ البداية عن مجموعة من الأسئلة المحورية المهمة في كلّ عملية اتصاليّة وخاصة في سياق الأزمات السياسية: لمن يتوجّه؟ بمعنى من هو جمهوره المستهدف؟ وبماذا تتوجه طبيعة الخطاب؟ ولماذا يتوجه الهدف والغاية من المخاطبة؟ لا يتأخّر البيان في الإجابة بلغة وأسلوب مباشرين، وفي أولى عباراته أن المخاطَب هم عموم التونسيات والتونسيين من كلّ الجهات و«من مختلف المواقع النقابية والمهنية والطلابية والاجتماعية والسياسية والفكرية ومن مختلف المواقع الحقوقية والثقافية والبيئية».

وهو ما يعني أن الإطار التنسيقي لا يتوجّه فقط إلى منظوري المنظمات الوطنية ومكوّنات المجتمع المدني المكوّنة له، بل إلى كل التونسيات والتونسيين الذين يجمعهم الإيمان بجملة من المبادئ المتمثلة في «أن تونس أكبر من أن تُختزل في حكم فرد» و«أغلى من أن تُترك لمصير تصنعه قرارات فردية، ولسلطة لا تستمع لغيرها بل لا تستمع إلا لنفسها». أما سبب الالتقاء وغايته فجوابهما «لأن الصمت لم يعد مقبولًا» و«لأن الترهيب لا يمكن أن يكون سياسة حكم» و«لأن الوطن لا يُدار بالإقصاء» و«الدولة لا تُبنى بتجميع السلطات في يد فرد واحد» و«لأن السيادة لا تُصان بإغلاق الأبواب أمام الشعب وقواه الحيّة وبإلغاء حقّه في المشاركة والتقييم والمساءلة». وغايته ليست مجرد ضغط مجموعة من المنظمات والقطاعات على السلطة لدفعها للاستجابة لمطالب قطاعية وفئوية لم تنجح في تحقيقها منفردة، وإنما الاستجابة لواجب استدعته المسؤولية الوطنية رفضًا لحالة الصمت والترهيب والإقصاء والحكم الفردي والانغلاق السياسي وإنهاء كل ممكنات الشراكة والتقييم والمساءلة. وهو التقاء يؤكد الإطار التنسيقي أنه يتأسّس على لحظة وعي استدعت تجاوز الحسابات السياسية الضيقة والانتصار لكرامة الإنسان. هو التقاء الضرورة وأكثر من ضروري يلخّصه البيان في عبارة «الانتظار لم يعد ممكنًا، والمعاناة لا يمكن أن تستمر، فلا الصمت حلّ ولا اليأس سياسة دائمة».

 أزمة خيارات سياسية خاطئة

يمرّ خطاب الإطار التنسيقي إلى تشخيص طبيعة الأزمة التي تعصف بالبلاد، من خلال قراءة تقييميّة لخمس سنوات من الحكم منذ إعلان قرارات 25 جويلية، ويتساءل عن مدى نجاح هذا المسار في تحقيق شعاراته التي رفعها ووعد بتحقيقها حول إنهاء الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومقاومة الفساد واستعادة استقلالية القرار الوطني.

ليخلُص الخطاب إلى تقييم واضح وحاسم دون تردّد يعتبر أن حصيلة الحكم هي الفشل ومزيد تعمّق الأزمات التي لم تعد تتعلق «بأزمة أرقام وموارد» أو «مجرد أزمة ظرفية وإرث ثقيل» ولا «أزمة طاقات وكفاءات»، بل يعتبرها أساسًا وفي المقدمة من ذلك «أزمة التفرّد بكل السلط» و«أزمة خيارات سياسية خاطئة وشعبوية رعناء». يحملها المسؤولية ويعتبرها السبب الرئيسي في تقسيم الشعب، وانتشار خطاب الحقد والكراهية، والتشويه والتشكيك وإفقاد الشعب ثقته في قدرته على الفعل، ونشر الإحباط واليأس في صفوفه.

انحراف المرفق القضائي يهدّد حقوق المتقاضين

بعد التشخيص الواضح وتوصيف مآلات الأزمة وطبيعتها وأسبابها المباشرة، ينتقل الخطاب إلى استعراض تمظهراتها في عديد القطاعات والمجالات، وفي مقدمتها ما يشهده المرفق القضائي من «انحراف بالإجراءات وتوظيفها لتصفية الحسابات وقبر قرينة البراءة». وهو ما أدّى إلى التوسّع في الإيقاف التحفّظي كأداة للتعسّف. واعتبر أن من أسباب ذلك الفراغ الذي خلّفه غياب المجلس الأعلى للقضاء واستئثار وزارة العدل بمهامه، إلى جانب عدم إرساء المحكمة الدستورية مما زاد من مخاوف شطب ضمانات المحاكمة العادلة وتأبيد الحكم الفردي. كما تطرّق الخطاب إلى التضييقات التي يتعرّض لها قطاع المحاماة من خلال محاولات المساس باستقلاليته وبدوره في حماية الحقوق والحريات، وحذّر من تحويل الخلافات داخل منظومة العدالة إلى صراع يهدّد حقوق المتقاضين.

السيادة الوطنية ليست شعارًا يُرفع

توقّف الخطاب عند أهم مفهوم تأسّس عليه مسار 25 جويلية وهو مفهوم «السيادة الوطنية واستقلاليّة القرار الوطني» وذكّر بأنها امتداد «للمبادئ الوطنية الخالصة» ووديعة الأجيال من التونسيات والتونسيين الذين ناضلوا وضحّت «بعرقهم وبدمائهم» من أجلها. ليخلُص الخطاب إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة من خلال تنزيلها من مجرّد شعار قانوني إلى ممارسة سياسية واقعية قابلة للتجسيد الفعلي، مؤكدًا في عبارات مكثفة أن «السيادة ليست شعارًا يُرفع، وليست صكًا يُمنح للسلطة كي تتصرّف باسم الشعب دون رقابة». وإن من معاني السيادة «أن يكون الشعب شريكًا في تقرير مصيره».

وعرّج الخطاب على الاتفاقيات الموقّعة مؤخرًا وخاصة منها المتعلقة بالهجرة وما أثارته من تساؤلات حول مدى شفافيتها واحترام شروطها والتزاماتها بالسيادة الوطنية وعدم «تحويل تونس إلى حارس لحدود الآخرين في ترتيبات لا يعرف شعبنا تفاصيلها».

استهداف العمل النقابي ومحاصرة المنظّمات لا يحلّ أزمات القطاعات

في إعادة لتجذير خطابه في واقعه الاقتصادي والاجتماعي وملامسة مشاغل وهموم عموم التونسيات والتونسيين اليومية، وفي مقدمتهم الأجراء والشغالون الذين يرزحون تحت واقع معيشي يومي لا يترك لهم مجالًا للاكتفاء بالخطاب الحقوقي المتعالي والسياسي السجالي، كان للأزمات الاقتصادية والاجتماعية حضورها المركزي في خطاب الإطار التنسيقي من خلال لغة مباشرة تضع المخاطَب أمام مرآة الحقيقة الواقعية وتدعوه إلى النظر في «حياة التونسيين اليومية التي تئنّ من وطأة الشطط في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وتفاقم البطالة»، في مواجهة التلوث الصناعي وما يسبّبه من أمراض مزمنة، وفي ظل قطاع صحة غارق في الصعوبات أمام «النقص الفادح في الأدوية وتراكم ديون المستشفيات وإفلاس الصناديق الاجتماعية». وواقع المؤسسات العمومية والمخاطر التي تهدّدها مع اهتراء التجهيزات وضعف الإمكانيات ونقص الموارد البشرية، لا فرق بينها في الوقوع ضحية للأزمات من المدارس إلى الجامعات إلى مؤسسات القطاع العام باختلاف خدماتها سواء في النقل والكهرباء والماء والتطهير والطاقة والمناجم والإسمنت والفولاذ والأراضي الفلاحية.

وهي أزمات يخلُص الخطاب إلى أنه لا يمكن حلّها بانتهاج سياسة المرْكزة المطلقة للسلطة ومزيد التضييق على الحريات واستهداف العمل النقابي ومحاصرة المنظمات والجمعيات بسبب نشاطها المستقل، ولا بملاحقة الصحافيين.

لا نقبل أن يُخيَّر شعبنا بين منظومة حكم قديمة وأخرى جديدة

في رسالة سياسية واضحة وحاسمة «لا تدع مجالًا للالتباس» ينهي خطاب الإطار التنسيقي كل إمكانية للتأويل والتوظيف والتصنيف السياسي، بالتأكيد في عبارات مكثفة وقاطعة أنه «لا يريد العودة إلى الماضي، ولا تبرئة أي طرف من مسؤوليته، ولا إعادة إنتاج الأخطاء نفسها، بأسماء وشعارات مختلفة»، ويضيف في إطار مزيد توضيح تموقعه داخل ساحة يعرف مدى تعقيداتها وألغامها وحساباتها «كما لا نقبل أن يُخيَّر شعبنا بين منظومة حكم قديمة، وبين منظومة حكم جديدة، لأن شعبنا يستحق أفضل من ذلك بكثير». ويختار بذلك التموقع المستقل لا المحايد في خيار يقطع مع منظومتي الاستقطاب الثنائي القديمة والجديدة.
خيار يراهن على أن «مستقبل تونس لا يُبنى باستعادة صراع الماضي ولا بإدامة انغلاق الحاضر» بل من خلال «فتح أفق وطني جديد يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام إرادة المواطنين».

لسنا تجمّعًا عابرًا، ومنفتحون على التوسيع والتطوير

يختتم الإطار التنسيقي خطابه المرجعي بتأطير المحطة النضالية المتمثلة في مسيرة 17 أكتوبر التي حملت شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» في سياقها النضالي والتاريخي، لا باعتبارها مجرد «تجمّع عابر» ومناسبة للتحشيد و«استعراض أعداد المشاركين» أو المزايدة السياسية و«تسجيل نقاط لهذا الطرف أو ذاك»، بل باعتبارها تعبيرًا عن حقيقة أن القوى الوطنية المختلفة تستطيع الالتقاء عندما تضع مصلحة تونس فوق كل حساباتها الضيقة، وحين «يصبح إنقاذ البلاد مسؤولية لا يمكن لأي طرف أن ينهض بها منفردًا». كما أكد الخطاب على أن الإطار التنسيقي لن يكون إطارًا ظرفيًا «ينتهي بانتهاء المسيرة»، بل هو منفتح على التطوير والتوسيع ليشمل كل القوى الوطنية الحية المؤمنة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.

مقالات مشابهة

ما بعد المسيرة الوطنية… نحو ديناميكية نضالية مكثفة ودائمة

فريق النشر Echaab News

الهجرة النظامية في تونس : برنامج THAMM+ بين فرص التنقل المهني وتحديات الحوكمة وحماية الحقوق

فريق النشر Echaab News

​حماية الطفولة في العصر الرقمي : بين أخطار البيئة السيبرنية و إستراتيجيات التمكين البيداغوجي

فريق النشر Echaab News