بقلم ناجي الرمادي *
في تناغم حيّ يتدفق عطاء المبدعين ليثري مسيرة الإعلام السمعي البصري في تونس.. ولأني أعشق النجاح لحد إشباع القلوب حماسا والأرواح تفاؤلا، حرصت أن أقدّم لمحة من تجربة التميّز التي طبعت أداء الزميل الإذاعي الحبيب جغام، الرجل المثقف الذي عرفته يتكلم بهدوء الحكماء وثقة المبدعين، والذي يبغض التحجّر، ويرفض الانغلاق، ويجيد الاستماع ولا يخاف النقد.. وإن هو توجه به ، فبثبات واتزان..
(1)
هو واحد من الإعلاميين الذين برزوا بعد الجيل الذهبي لصالح جغام ونجيب الخطاب والبشير رجب، وهو راض تمام الرضا ـ بحسب علمي ـ عن مسيرته الإعلامية خاصة في إذاعة المنستير التي تم ترشيحيه للانضمام إليها في سنة 1981 ضمن فريقي الإنتاج والتنشيط، من قبل المرحومين توفيق بوغدير ومحمد عبد الكافي، لما كانت عليه برامج هذه الإذاعة من طرافة وابتكار وحيوية، ولما توفر لديها من فضاء حرّ للتعبير جعلها سابقة لعصرها، ما مكن الزميل الحبيب جغام من تقديم مادة إعلامية وتنشيطية قريبة من المستمع، سرعان ما اندرجت في عمق “إعلام القرب” الممتع للمبدع وللمتلقي على حدّ سواء.
(2)
أقام الحبيب جغام من خلال بعض البرامج الإذاعية المستنبطة شراكة حوارية مع المستمعين سمحت لهم بالتعبير عن مشاغلهم في زمن كانت فيه الإذاعة مكبّلة بضوابط رقابية مسقطة، حتى أن شقيقه صالح جغام رحمه الله كان يقول له في أكثر من مناسبة: “صحّ ليك.. قول آش تحب.. وأعد آش تحب.. حد ما يكلمك”، على اعتبار أن السلطة الحاكمة، والزعيم الراحل الحبيب بورقيبة تحديدا، كان يولي عناية خاصة لإذاعة المنستير ويترك لها مجالا أوسع للتعبير، وهذا طبيعي ، فبورقيبة كان يدرك بخبرته السياسية أن ما يمكن أن يبثّ من نقد وتعبير حرّ في إذاعة المنستير لا يقبل في الإذاعة الوطنية، كما كان يعرف ويدرك تماما أنها إذاعة محدودة..
(3)
والزميل الحبيب جغام لم يكن يعنيه في شيء أن يلبّي كل الرغبات، لاعتقاده الراسخ أن الإذاعة يجب أن تحافظ على مستوى معيّن من الصدق والوضوح والقناعة، بل كان يجمعه في ضوء التنافس المشروع بين البرامج الإذاعية والمنوعات شيء من الحدّة والرغبة في التجاوز حتى يعانق الفوز برضا المستمعين، ولذلك كان مقياسه الوحيد في اختيار مواضيع برامجه الإذاعية والتنشيطية التي يبثها، هو اعتماد التنوّع في اختيار الضيوف والأغاني وبخاصة الأغنية السياسية التي بدأت تنتشر بفضل أصوات فرضت وجودها في مجال الغناء الملتزم على غرار مارسال خليفة ـ الشيخ إمام عيسى ـ مصطفى الكرد ـ فرقة العاشقين الفلسطينية ـ فرقة جيل جلالة المغربية وغيرهم.. والهادي قلّة ـ محمد بحرـ حمادي العجيمي ـ الزين الصافي ـ توفيق المساوي ـ فرقة عشاق الوطن ـ فرقة البحث الموسيقي بقابس وعيرهم..
(4)
بهذا النفس الشبابي الحيّ وبهذه الروح الطموحة وبإرادة توّاقة إلى الأحسن والأفضل، قدم المنشط الإذاعي الحبيب جغام في إذاعة المنستير برامج ومنوعات ثقافية راقية خاطب فيها المستمعين بلغة قريبة منهم دون السقوط في الابتذال والشعبوية، وحرص شخصيا على دعوة جيل كامل من المبدعين في شتّى المجالات وكان اختياره لهم على أساس “الجودة” لتقريبهم من المستمعين الذين قد لا تهمهم مسائل ومواضيع تعنى بالأدب مثلا، ولا تشدّهم بطريقة مباشرة أسماء كبيرة على غرار محمود المسعدي ـ المنجي الشملي ـ العروسي المطوي ـ الميداني بن صالح ـ محمد الفيتوري ـ جعفر ماجد ـ نور الدين صمود ـ أحمد اللغماني ـ أحمد فؤاد نجم ـ مرسال خليفة ـ عبد الرحمان الأبنودي، وكل هؤلاء حاول الزميل الحبيب جعام تقديمهم بطريقة سلسة بعيدا عن أي تكلّف، حتى يكونوا في وجدان المستمعين وفي وجدان نسبة عريضة من العامة الذين لا يتوفرون على رصيد تعليمي كبير..
(5)
كان الزميل الحبيب جغام متابعا جيدا لعدد مهم من البرامج التي تقه ودمها الإذاعة الوطنية أو بعض ما يمكن التقاطه من إذاعة صفاقس أو الإذاعات الدولية وما كان يبثّ فيها من موسيقى وأغاني محظورة، حيث ينتقي أفضلها ويبثه في برامجه بإذاعة المنستير وفي ذلك متعة ما بعدها متعة..
هكذا إذن فرضت إذاعة المنستير لونها وتنوّعها قبل أن يداهمها ـ مع بداية الألفية الثانية ـ الكمّ الهائل الموجود الآن من الإذاعات والتلفازات التي حوّلت المشهد السمعي البصري إلى دكاكين وأوكار لترويج أيّ شيء وبأيّ شكل من الأشكال وبأيّة طريقة كانت، وهو ما سمح ” للحابل بأن يختلط بالنابل” لنفقد جميعا متعة الاستماع إلى الأشياء الراقية التي تهذّب الإحساس، كتلك التي عشناها في فترات (من منتصف السبعينات إلى بدايات التسعينات) حين كانت الحركة الفنية والثقافية تشهد زخما كبيرا من كتاب وشعراء وتشكيليين وسينمائيين ومسرحيين وممثلين مقتدرين ومذيعين ومنشطين وصحافيين أكسبوا بإبداعاتهم حياتنا بهجة وانشراحا.
* صحفي سابق في جريدة الشعب
