من تشديد الرقابة على الحدود الأوروبية إلى إنشاء مراكز للإعادة خارجها، تثير السياسة الأوروبية الجديدة تساؤلات بشأن التمويل، وتوازن المصالح، وتوزيع المسؤوليات بين الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة.
لم يعد الرهان الأوروبي في ملف الهجرة مقتصرا على تشديد الرقابة على الحدود وتسريع إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة.
فمنذ 16 أكتوبر 2026، دخلت حيز التطبيق الأحكام المتعلقة بإبرام ترتيبات مع دول من خارج الاتحاد الأوروبي لاستقبال أشخاص صدرت بحقهم قرارات إعادة، وفق شروط قانونية محددة. ويفتح هذا الإطار المجال أمام إنشاء ما يعرف بمراكز الإعادة خارج الأراضي الأوروبية، من دون أن يعني ذلك أن هذه المراكز قد أنشئت بالفعل أو أن دولا بعينها وافقت على استقبال المهاجرين.
وبذلك، يتجاوز النقاش مسألة كيفية إعادة المهاجرين من أوروبا إلى سؤال آخر أكثر تعقيدا: أين سيُستقبلون إذا تعذرت إعادتهم مباشرة إلى بلدانهم الأصلية؟ ومن سيتحمل كلفة إقامتهم وإدارة أوضاعهم؟ وما الحوافز التي قد تستخدمها بروكسل لإقناع الدول الشريكة بالانخراط في هذه الترتيبات؟
الإغراءات الأوروبية : المال والتجارة والتأشيرات
في استراتيجيتها للهجرة واللجوء الصادرة في 29 جانفي 2026، أعلنت المفوضية الأوروبية توجها نحو تعزيز الدبلوماسية في مجال الهجرة، مع توظيف أدوات النفوذ والحوافز في مجالات متعددة، من بينها الدعم المالي والتجارة وسياسة التأشيرات.
ويعكس هذا التوجه إدماج ملف الهجرة ضمن شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الدول الشريكة.
وقد تشمل الحوافز المحتملة دعم الميزانيات، وتمويل مراقبة الحدود، وتوفير التجهيزات الأمنية، وإنجاز المشاريع التنموية، فضلا عن ترتيبات تتعلق بالتعاون التجاري والتنقل.
غير أنه من الضروري التمييز بين الأدوات التي أعلنت المؤسسات الأوروبية اعتمادها ضمن استراتيجيتها العامة، والعروض المحددة التي قد تقدمها إلى دولة بعينها مقابل استقبال الأشخاص الخاضعين لإجراءات الإعادة.
فمجرد الإعلان عن هذه الاستراتيجية لا يعني أن كل دولة ستحصل على حزمة مالية جديدة، أو أن تسهيلات في مجال التأشيرات والتجارة ستُمنح مقابل قبول إقامة مراكز الإعادة على أراضيها.
غير أن إدراج هذه الأدوات ضمن تصور أوروبي موحد للتعاون في مجال الهجرة يفتح الباب أمام التساؤل عن كيفية توظيفها في المفاوضات المقبلة.
و تبرز هنا مسألة تفاوت موازين التفاوض. فالدولة التي تحتاج إلى تمويل خارجي أو إلى توسيع علاقاتها التجارية قد تجد نفسها أمام حسابات تختلف عن حسابات دولة تتمتع بهامش اقتصادي ودبلوماسي أوسع. ولا يعني ذلك أن قبول الشروط الأوروبية أمر حتمي، بل إن تقييم أي اتفاق يقتضي النظر في البدائل المتاحة لكل طرف، وقدرته على التفاوض بشأن التزاماته والمنافع التي يمكن أن يجنيها.
مذكرة تونس والاتحاد الأوروبي : ماذا تكشف الأرقام ؟
تقدم مذكرة التفاهم الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي في 16 جويلية 2023 مثالا على تداخل الملفات الاقتصادية والهجرة ضمن إطار شراكة واحدة. فقد شملت المذكرة خمسة محاور، هي الاستقرار الاقتصادي الكلي، والاقتصاد والتجارة، والطاقة الخضراء، والتواصل بين الشعوب، والهجرة والتنقل.
وفي 22 سبتمبر 2023، أعلنت المفوضية الأوروبية تخصيص 60 مليون يورو دعما للميزانية التونسية، ونحو 67 مليون يورو للمساعدة التشغيلية في مجال الهجرة.
وأوضحت المفوضية أن حزمة المساعدة المتعلقة بالهجرة تجمع بين برامج قائمة ومساعدة جديدة.
ولا تثبت هذه الأرقام، كما وردت في الإعلان الأوروبي، في حد ذاتها أن مبلغا محددا دُفع مقابل التزام بعينه، كما لا تسمح باعتبار كامل التمويل مساعدة جديدة.
لكنها تتيح طرح سؤال مشروع بشأن أولويات الشراكة وتوزيع مواردها: ما حجم التمويل الموجه إلى الاستقرار الاقتصادي والتنمية، وما حجم الموارد المخصصة للتعاون الأمني وإدارة الهجرة؟
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد جمع الأرقام أو مقارنتها بصورة آلية، بل يتطلب الأمر تفكيك طبيعة كل تمويل، وشروطه، والجهات المستفيدة منه، وتوقيت صرفه، والنتائج المنتظرة منه.
فالقيمة المعلنة للمساعدات لا تكفي وحدها لقياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي، مثلما لا تثبت بمفردها وجود مقايضة سياسية.
كما أن مذكرة سنة 2023 لا تعني أن تونس وافقت تلقائيا على استضافة مراكز للإعادة بموجب النظام الأوروبي الجديد.
فهذه مسألة مستقلة تستوجب اتفاقا أو ترتيبا محددا، ولا يجوز استنتاج الموافقة عليها من مجرد وجود شراكة سابقة في مجال الهجرة.
من سيتحمل الكلفة الحقيقية ؟
تتيح القواعد الأوروبية الجديدة إبرام اتفاقات أو ترتيبات مع دول من خارج الاتحاد لاستقبال أشخاص صدرت بحقهم قرارات إعادة، حتى عندما لا تكون تلك الدول بلدانهم الأصلية. وتخضع هذه الآلية لشروط تتعلق باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
لكن وجود إطار قانوني لا يعني أن الاتفاقات قد أُبرمت بالفعل، ولا أن تونس أو المغرب أو مصر أو غيرها من الدول وافقت على استقبال هؤلاء الأشخاص. إذ تظل المسألة رهينة المفاوضات والاتفاقات الفعلية التي قد تُبرم مستقبلا.
ومن هنا، لا يتعلق السؤال بما يمكن أن تعرضه أوروبا فحسب، بل أيضا بما ستلتزم به الدولة المستقبلة في المقابل. فاستقبال أشخاص لا تربطهم بالضرورة صلة ببلد الاستقبال قد يستوجب توفير ترتيبات للإقامة، وإدارة الملفات القانونية، وتأمين الخدمات الأساسية، وضمان احترام حقوق الأشخاص المعنيين، فضلا عن توفير آليات للتظلم والحماية والرقابة على ظروف الإقامة أو الاحتجاز، بحسب طبيعة الترتيبات المعتمدة.
وقد تزداد هذه الالتزامات تعقيدا إذا تعذرت إعادة الأشخاص إلى بلدانهم الأصلية. ففي هذه الحالة، قد تطول مدة بقائهم في الدولة المستقبلة، في حين تكون بعض الموارد المخصصة للتعاون محدودة المدة أو مرتبطة بمشاريع معينة.
وهنا تبرز أسئلة عملية لا يمكن تجاهلها: هل سيغطي التمويل كامل مدة الإقامة الفعلية؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا تعذرت الإعادة لاحقا؟ وما الضمانات المتعلقة بالرعاية والخدمات والإجراءات القانونية؟ ومن سيتولى الرقابة المستقلة على ظروف الاستقبال؟
إن أي تقييم جدي لهذه السياسة يقتضي الإجابة عن هذه الأسئلة بالاستناد إلى نصوص الاتفاقات وشروطها الفعلية، لا إلى التوقعات وحدها.
شراكة متكافئة أم إعادة توزيع للأعباء ؟
تقدم المؤسسات الأوروبية هذه السياسة باعتبارها وسيلة لتحسين فاعلية عمليات العودة، مع التأكيد على ضرورة احترام الحقوق الأساسية. غير أن تقييمها لا ينبغي أن يقتصر على الأهداف المعلنة، بل يجب أن يشمل توزيع المسؤوليات، وآليات الرقابة، ومدة الالتزامات، والضمانات المتاحة للأشخاص المعنيين.
فإذا احتفظ الاتحاد الأوروبي بتحديد أهداف سياسة العودة، في حين تولت الدولة الشريكة جانبا من أعباء الاستقبال والإدارة، فإن السؤال يصبح متعلقا بكيفية توزيع الكلفة والمسؤولية بين الطرفين.
ولا يمكن حسم هذا التقييم مسبقا، إذ يتوقف على مضمون كل اتفاق، وحجم الموارد المخصصة لتنفيذه، والجهات التي تتحمل المسؤولية القانونية والعملية عن تطبيقه.
كما لا ينبغي اختزال مصلحة الدول الشريكة في المبالغ المالية التي قد تحصل عليها، إذ تترتب عن هذه الترتيبات كلفة إدارية واجتماعية محتملة، فضلا عن انعكاساتها على الخدمات والمؤسسات، وما تثيره من اعتبارات حقوقية وسيادية.
ومن ثم، فإن التفاوض المتوازن يقتضي تقدير هذه العناصر مجتمعة، وعدم الاكتفاء بقيمة الحوافز المعلنة.
ومن منظور أوسع، يطرح هذا التحول سؤالا بشأن مستقبل التعاون بين أوروبا ودول جنوب المتوسط وإفريقيا : هل سيقوم على تقاسم فعلي للمسؤوليات والمنافع، أم ستظل الأولوية لتخفيف الضغط على الحدود الأوروبية، مع نقل جانب من الأعباء التشغيلية إلى دول من خارج الاتحاد؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بصورة عامة أو مسبقة، لكن من الممكن تقييم طبيعة الشراكة من خلال مدى شفافية الاتفاقات، ووضوح مصادر التمويل، وتحديد التزامات كل طرف، وإمكانية مساءلته، ومدى احترام حقوق الأشخاص المشمولين بترتيبات الإعادة .
الهجرة خارج الحدود الأوروبية : من يدفع ثمن السياسة ؟
لا تتحدد نتائج النظام الأوروبي الجديد بحجم الأموال التي قد تُعرض على الدول الشريكة وحده، بل تتوقف أيضا على شروط التفاوض، ومدة الالتزامات، وتوزيع المسؤوليات، والقدرة على ضمان احترام الحقوق.
فعندما تنتقل إدارة الهجرة من دولة إلى أخرى، لا تختفي الكلفة، بل يتغير مكان تحملها، وقد تتغير معها موازين المصالح والمسؤوليات.
لذلك، لا يقتصر السؤال الأساسي على مقدار ما ستدفعه أوروبا لإدارة الهجرة خارج حدودها، بل يشمل أيضا ما ستطلبه في المقابل، وما ستلتزم به الدول المستقبلة، وكيف ستوزع الأعباء والمنافع بين الطرفين.
وفي الحالة التونسية، لا يتمثل الرهان في افتراض قبول ترتيبات لم يثبت إبرامها أو رفضها مسبقا، بل في تحديد الشروط التي ينبغي أن تحكم أي مفاوضات مستقبلية، بما يضمن وضوح الالتزامات، وشفافية التمويل، واحترام السيادة الوطنية وحقوق الإنسان.
