21.8 C
تونس
30 أكتوبر، 2026 16:07
جريدة الشعب نيوز
وطني

ق.م.م 2027 : عدم الترفيع، في الضريبة على دخل الأشخاص والشركات و القيمة المضافة.

الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش.
تكشف التدابير الاقتصادية الواردة في مشروعي قانون المالية والميزان الاقتصادي عن تعدّد مجالات التدخل وتنوّع الفئات المستهدفة، من المؤسسات الناشئة والصغرى إلى الشركات الأهلية، ومن الاستثمار في الطاقات المتجددة إلى تنظيم التجارة الإلكترونية وإعادة هيكلة توازنات بعض المؤسسات العمومية. لكن قبل الخوض في هذه الإجراءات، تجدر الإشارة إلى نقطة إيجابية بالغة الأهمية، وهي عدم الترفيع، مبدئياً، في الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين (IRPP)، أو الضريبة على الشركات (IS)، أو الأداء على القيمة المضافة (TVA). وهو ما يمثل خبراً ساراً للأجراء والمؤسسات وأصحاب المهن الحرة والمستهلكين، ويُعدّ في تقديرنا أفضل ما في المشروعين، في سياق تتزايد فيه الضغوط على القدرة الشرائية وكلفة النشاط الاقتصادي وضبابية المفاوضات حول الزيادة الثلاثية للأجور.
تراجع طفيف منتظر
في التضخم والبطالة
تقوم الفرضيات الاقتصادية لسنة 2027 على نموّ في حدود 3.1%، مقابل تقديرات بـ2.7% لسنة 2026، وعلى ارتفاع نسبة الاستثمار إلى الناتج الداخلي الخام إلى 16.4%، مقابل 15.5%، مع تراجع طفيف منتظر في التضخم والبطالة. غير أنّ هذه التوقعات تستحقّ قراءة نقدية في ضوء الفجوة التي سُجّلت خلال السنوات الأخيرة بين النموّ المبرمج والمتحقق؛ فلم تتجاوز نسبة النموّ 0.4% سنة 2023، مقابل 1.8% متوقعة، ثم بلغت 1.6% سنة 2024، مقابل 2.1% مبرمجة، و2.8% سنة 2025، مقابل 3.2% مقدّرة.
ويتواصل هذا التباين مع مراجعة تقديرات سنة 2026 من 3.3% في قانون المالية الأصلي إلى 2.7% في الميزان الاقتصادي لسنة 2027، في حين يقدّر البنك الدولي النموّ بـ2.3% وصندوق النقد الدولي بـ2.4%. ولا تعني هذه الفوارق بالضرورة خللًا في التقدير، إذ تظلّ التوقعات عرضة لتغير الظروف الداخلية والخارجية، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى واقعية الفرضيات المعتمدة ودقة أدوات التوقّع، ومدى أخذها مواطنَ الضعف الهيكلية في الحسبان، وهي مواطن ما زالت تحدّ من الاستثمار المنتج ونسق خلق الثروة. فوارق نسب النمو تطرح سؤالا مشروعا حول دقة أدوات التوقع
ارتفاع الأسعار لا يقتصر أثره
على فاتورة التوريد
ويبرز سعر النفط مثالاً واضحاً على حساسية هذه الفرضيات للصدمات الخارجية. إذ بُنيت تقديرات الميزانية على سعر مرجعي لبرميل النفط في حدود 75 إلى 80 دولاراً، في حين أن تقلبات السوق العالمية والتوترات الجيوسياسية في الخليج قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. وبالنسبة إلى تونس، باعتبارها بلداً مستورداً صافياً للطاقة، فإن ارتفاع الأسعار لا يقتصر أثره على فاتورة التوريد، وإنما ينعكس أيضاً على كلفة الإنتاج والنقل، والتوازنات التجارية والمالية، وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة، فضلًا عن احتمال انتقال جزء من هذه الزيادة إلى الأسعار والتضخّم. وتشير التقديرات إلى أنّ الأثر الإجمالي لكل دولار إضافي فوق الفرضية المعتمدة يناهز 164 مليون دينار في الميزانية.
وبذلك، فإن ارتفاع السعر المرجعي بعشرين دولاراً قد يعني ضغطاً إجمالياً في حدود 3.3 مليارات دينار، قبل احتساب التعديلات الممكنة والعوامل الأخرى. ولا تمثل هذه الحصيلة بالضرورة خسارة صافية نهائية بالمقدار نفسه، لكنها تكشف حجم المخاطر التي ينبغي الاستعداد لها. وكان من الأجدى عرض سيناريوهات بديلة لأسعار النفط، وتحديد انعكاساتها المحتملة على الدعم والعجز والتمويل، بدل الاكتفاء بفرضية مركزية قد تتغير سريعاً بفعل أحداث لا تتحكم فيها تونس.
وتتأكد هذه الهشاشة في ظل حاجيات تمويل تُقدّر بنحو 28.1 مليار دينار، مع اللجوء للمرة الرابعة على التوالي إلى التمويل الاستثنائي من البنك المركزي: 7 مليارات سنتي 24 و25، 11 مليار في 26. فما كان إجراءً ظرفياً أضحى آلية متكررة لتغطية عجز الدولة وتأجيل معالجة اختلالاتها الهيكلية.
الدولة تنافس القطاع الخاص
على نفس الموارد المالية
يثير هذا التوجه مخاوف أثر المزاحمة (Effet d’éviction) ، إذ إن تزايد حاجيات الخزينة واللجوء إلى الاقتراض الداخلي قد يدفعان الدولة إلى استقطاب حصة متنامية من التمويلات البنكية وشفط السيولة، على حساب المؤسسات الخاصة والاستثمار المنتج بفعل النزعة التحفّظية للبنوك المحلية، التي تفضّل توظيف أموالها في سندات الخزينة، الأقلّ مخاطرة والأكثر ضماناً، على تمويل المشاريع الخاصة بما تنطوي عليه من مخاطر التعثّر والإفلاس وتقلبات السوق والتضخّم. وهكذا، تتنافس الدولة والقطاع الخاص على الموارد المالية نفسها، فتتقلّص حصة المؤسسات من التمويل المتاح، وتتراجع قدرتها على الاستثمار والتوسع وخلق الثروة ومواطن الشغل. فكيف يمكن انتظار انتعاش الاستثمار الخاص، إذا ظلّ التمويل موجّهاً أساساً إلى تغطية عجز الميزانية، بدل توجيهه نحو الإنتاج والنشاط الاقتصادي؟
 (يتبع)
* من مقال مطول نشر في الشعب الورقية بتاريخ 29 اكتوبر 2026.

مقالات مشابهة

حزب القطب يدين الحكم 20 سنة سجنا على منسقه العام رياض بن فضل

فريق النشر

الحماية المدنية : 475 تدخلا خلال الـ24 ساعة الماضية

فريق النشر Echaab News

قانون المالية وميزانية 2027: أرقام على أوراق السياسات و سلالم المؤشرات

فريق النشر