الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش
تضمّن مشروع قانون المالية 2027 حوافز لفائدة المؤسسات الجديدة والصغرى والناشئة، ودعماً لباعثي المشاريع من الطلبة والفئات محدودة الإمكانيات، إلى جانب التمديد في بعض الامتيازات الجبائية إلى سنة 2030. غير أن نجاعة هذه التدابير تظلّ رهينة ما تحقّقه من أثر فعلي في المؤسسات، ومدى استفادتها الملموسة من الاعتمادات والامتيازات المعلنة. فكثيراً ما تُدرج خطوط التمويل في قوانين المالية، ثم يتأخر تفعيلها في انتظار صدور نصوصها الترتيبية، حينها تبقى الأموال المرصودة في مكانها تراوحه حتى ابتلاعها من طرف النفقات اليومية.
لذلك، يكون من الأجدى تقييم هذه الآليات بحصر خطوط التمويل التي أُحدثت خلال السنوات الماضية، وتحديد ما صُرف منها فعلياً وما ظلّ معطلاً، وأسباب التعطيل. فقبل الإعلان عن آليات جديدة، ينبغي التثبت من مدى استغلال الآليات القائمة، بالتوازي مع معالجة الصعوبات التي تواجه المؤسسات الناشطة، من تعقيدات إدارية وتأخر خلاص مستحقاتها وارتفاع كلفة التمويل والطاقة.
95 مليون د. للشركات الاهلية
لكن الحصيلة المعلنة محتشمة
وتطرح الشركات الأهلية، بدورها سؤالاً حول جدوى مواصلة ضخّ الأموال العمومية في هذا النموذج المُحدَث قبل تقييم نتائجه. فقد رُصدت اعتمادات تناهز 95 مليون دينار للفترة 2023-2026، لكن الحصيلة المعلنة تظل محتشمة: في نوفمبر 2025، لم يتجاوز عدد الشركات التي دخلت طور النشاط الفعلي 60 شركة، خالقة لـ 380 موطن شغل. ورغم أن التجربة لا تزال في بداياتها، فإن غياب معطيات شاملة حول رقم المعاملات والأرباح واستدامة مواطن الشغل يجعل مردوديتها الاقتصادية موضع تساؤل. ومع ذلك، يقترح مشروع ميزانية 2027 ضخّ 40 مليون دينار إضافية. فبدلاً من تجديد الدعم سنة بعد أخرى، أليس من الأجدى تقييم ما صُرف فعلياً، وقياس النتائج الاقتصادية والاجتماعية المحققة، قبل توسيع الاعتمادات لنموذج لم تثبت بعد قدرته على خلق الثروة ومواطن الشغل المستدامة؟
وفي مجال الانتقال الطاقي، أثار التخفيض في المعاليم الديوانية على بطاريات التخزين إشكاليات جوهرية تتجاوز هدف تقليص كلفة التجهيزات. إذ بدأت تتشكل نواة لصناعة محلية يمكن أن تستفيد من التحول نحو الطاقات المتجددة، عبر إعادة توجيه مصانع البطاريات التقليدية نحو إنتاج بطاريات التخزين الكهروضوئي. بالتالي، فإن إزالة الحواجز الديوانية دون رؤية صناعية موازية قد تضعف تنافسية هذه المصانع وتسرّع انكماشها ومن ثَمّ أفولها، بدل استثمار التحول الطاقي لبناء سلسلة قيمة محلية.
التعامل مع أزمة الطاقة بذهنية الماراطون
والإصلاح البطيء طويل المدى
من جهة أخرى، لا يبدو أن مشروع ميزانية 2027 يعكس بما يكفي استعجالية الاستعداد لصيف قد يكون أشد صعوبة من صيف 2026، مع مخاطر تزايد الضغط على الشبكة واللجوء إلى القطع الدوري أو التخفيف الاضطراري للأحمال. فـ”الستاغ” تخوض سباقاً مع الزمن لتأمين التوازن بين الإنتاج والطلب، بينما توحي التدابير المعلنة في الوثيقتين بأن التعامل مع أزمة الطاقة يجري بذهنية الماراطون والإصلاح البطيء طويل المدى، لا بالاستنفار المطلوب لتفادي أزمة وشيكة. ولا تعارض بين المسارين، لكن نجاح الانتقال الطاقي على المدى البعيد لا يعفي من خطة طوارئ واضحة للصيف المقبل، تحدد الاستثمارات والإجراءات العاجلة، وقدرات الإنتاج المتاحة، وحلول إدارة ذروة الاستهلاك.
ويشمل المشروع كذلك إجراءات تتعلق بالتصريح بالمعاملات في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، في اتجاه تحسين التتبع الجبائي وإدماج الأنشطة غير المنظمة في الدورة الاقتصادية الرسمية. لكن نجاح هذا التوجه يقتضي وضوح الالتزامات، وتناسب الإجراءات مع حجم النشاط، وضمان حماية المعطيات الشخصية، وإتاحة آليات للتصحيح والاعتراض. وإلا فقد تتحول الرقابة (أو الوشاية هنا تحديدا) إلى أعباء إدارية إضافية على شركات التوصيل والتجار الصغار، من دون معالجة الأسباب التي تدفع عدداً من الأنشطة إلى البقاء خارج المنظومة الرسمية.
التعامل المختلف مع إخلالات متشابهة
يضعف الثقة في عدالة القواعد، ويشوّه المنافسة
أمّا بخصوص المؤسسات العمومية، تبدو بعض التدابير أقرب إلى تسوية المتخلدات والالتزامات المالية والاجتماعية منها إلى إطلاق إصلاح شامل للحوكمة والنجاعة. وهنا تبرز مفارقة تطرح مسألة المساواة أمام القانون: إذ إن المؤسسة الخاصة التي تتخلّف عن خلاص مستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو الأداءات الجبائية قد تواجه التتبعات والعقوبات ويُسَلَّط عليها سيف التدقيق الشامل، وصولاً إلى تهديد استمرارية نشاطها، في حين قد تحظى مؤسسات عمومية متعثرة، بل وحتى عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها، بتسويات وتدخلات مالية من الدولة. وقد تكون هذه التدخلات ضرورية لحماية الخدمات الحياتية (مثلما هو الحال بالنسبة لشركات النقل) ومواطن الشغل، لكنها تصبح إشكالية حين لا تقترن بشروط وخطط واضحة للإصلاح والمساءلة. وهنا يتضح أن التعامل بفلسفتين مختلفتين مع مؤسسات تواجه إخلالات متشابهة يضعف الثقة في عدالة القواعد، ويشوّه المنافسة، ويعاقب المؤسسات الخاصة الأكثر التزاماً، فيما قد يكافئ استمرار العجز لدى غيرها. ولا يتعلق الأمر برفض إنقاذ المؤسسات العمومية، بل بضرورة إخضاع الجميع لمبادئ متسقة من الشفافية والمحاسبة، حتى لا يتحول الإسناد المالي العمومي إلى”قانون سكسونيا” جديد.
حتى لا تتحوّل الجباية من أداة للتمويل والتنمية
إلى ما يشبه الاستنزاف المنظّم و”المكس”
وبين الإعفاءات الممنوحة لأجهزة الدفع الإلكتروني والهواتف الذكية، والترفيع في معاليم السفر والأداءات على بعض المشروبات الكحولية وتسجيل الهواتف المورّدة، تبدو التدابير أقرب إلى تجميع موارد متفرقة من مختلف الأنشطة والاستهلاكات منها إلى إصلاح جبائي متكامل. وهو ما يعزز الانطباع بأن الدولة، تحت ضغط حاجياتها المالية، تبحث عن حلول أينما وُجدت، دون رؤية واضحة لتوزيع الأعباء بعدالة أو تحفيز النشاط الاقتصادي. فالإحساس بأن كل معاملة تمثّل فرصة لاستخلاص معلوم جديد قد يحوّل الجباية من أداة للتمويل والتنمية إلى ما يشبه الاستنزاف المنظّم و”المكس”، على حساب الثقة بين الدولة والمواطن.
في المحصلة، يظل التحدي في الانتقال من إدارة الصعوبات الظرفية إلى إصلاح اقتصادي هيكلي. لكن المعيار الملموس لنجاح هذه الخيارات يظلّ مدى انعكاسها على حياة المواطنين واستجابتها لمشاغلهم اليومية.
(يتبع)
* من مقال مطول نشر في الشعب الورقية بتاريخ 29 اكتوبر 2026.
