الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش.
نختم بالمقال الماثل أمامكم سلسلة المقالات التي خصصناها لقانون المالية والميزان الاقتصادي 2027 والتي استخرجناها من المقال المطول الذي نشر في جريدة الشعب الورقية بعددها الصادر يوم 29 اكتوبر 2026 والتي يمكن اعادة الاطلاع عليها من خلال الروابط الموجودة آخر المقال.
فعلى ضوء مختلف الارقام والتحاليل، تكشف ميزانية 2027 عن أزمة تتجاوز محدودية الموارد إلى غياب الرؤية السياسية والخيال التنموي. فالحكومة تبدو أسيرة المقاربة الإدارية والحسابات التقنية، عاجزة عن تحويل الأهداف الاقتصادية إلى مشروع مجتمعي متكامل، وعن تقديم خطاب يقنع التونسيين بأفق مشترك ويعبّئهم حوله.
أين خطة العمل الفعلية
لإدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الرسمية؟
وفي كل سنة، سيعود الحديث عن الاقتصاد غير المنظّم بوصفه منجمًا ماليًا ضخمًا، مع أرقام متضاربة حول حصته من الناتج الداخلي الخام، وكأن تكرار النسب في ما يشابه المزاد العلني يكفي لاسترداد الثروة المفقودة. لكن أين خطة العمل الفعلية لإدماج هذا الاقتصاد في الدورة الرسمية، عبر تبسيط الإجراءات، وتحفيز الامتثال، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ومراجعة كلفة الانخراط في المنظومة القانونية؟
في المقابل، يُنتظر أن يكون لمجلس نواب الشعب كلمته، خصوصًا على أبواب سنة انتخابية، بما قد يفتح المجال أمام فصول دخيلة على قانون المالية (cavaliers budgétaires) ووعود شعبوية لا سقف لها، على غرار تعميم الامتيازات المرتبطة بنظام الـ FCR والحسابات بالعملة الأجنبية في مشروع السنة الفارطة، رضخت لها وزارة المالية مذعنة دون أن تتحول الصيغ المعلنة إلى واقع ملموس. وبين حكومة تفتقر إلى الخيال السياسي وبرلمان قد تغريه الحسابات الانتخابية، يظل الخطر أن تتراجع الأولويات التنموية أمام منطق التسيير والمناورة.
والأخطر أن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تخلق في حد ذاتها نموًا ولا مواطن شغل، ولا تضمن تحسن القدرة الشرائية أو تقليص الفوارق الجهوية.
ماذا إذا تحولت إدارة الدين
إلى غاية في حد ذاتها؟
فحين تستنزف خدمة الدين جزءًا متزايدًا من موارد الدولة، تتقلص هوامش الاستثمار والإنفاق الاجتماعي، وتدخل المالية العمومية في حلقة مفرغة: الاقتراض لتغطية العجز، ثم الاقتراض لتسديد الديون، وصولًا إلى معضلة تمويل الخزينة من البنك المركزي، ثم مواجهة أقساط هذا التمويل لاحقًا. وإذا تحولت إدارة الدين إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون أداة لتمويل التنمية، غدا النموذج برمّته غير قابل للاستدامة.
ما تحتاجه تونس ليس تكرار الأهداف في وثائق متعددة، ولا التعويل السنوي على موارد افتراضية، وإنما رؤية تربط القرار بالتمويل، والتمويل بالإنجاز، والإنجاز بنتائج ملموسة في النمو والتشغيل والعدالة الاجتماعية. وإلا، فسيظل المخطط طموحًا على الورق، والميزانية أداة لتسيير الاختلالات وترحيلها، ويمرّ عام آخر دون أن يتبلور مشروع التحوّل الذي وُضع المخطط من أجله.
