جريدة الشعب نيوز
دولي

عشرون عاماً على تأسيس الإتحاد الدولي للنقابات : من تجاوز إنقسامات الماضي إلى مواجهة سلطة رأس المال

في الأول من نوفمبر 2026، أحيا الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)، الذي يتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقراً له، الذكرى العشرين لتأسيسه، مستعيداً مسيرة عقدين من النضال النقابي الدولي، ومؤكداً أن التحديات التي تواجه الطبقة العاملة اليوم تجعل الحاجة إلى التضامن والتنظيم النقابي العالمي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ويأتي بيان الاتحاد بهذه المناسبة في مرحلة تتسم بتصاعد نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، واتساع الفجوات الاجتماعية، والاعتداءات على الحقوق والحريات النقابية، إلى جانب التحولات العميقة التي يحدثها الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي في عالم العمل.

غير أن فهم أهمية هذه المناسبة يستدعي العودة إلى الظروف التاريخية التي أدت إلى تأسيس الاتحاد عام 2006، وإلى السؤال الأساسي: لماذا احتاجت الحركة النقابية العالمية إلى تنظيم دولي جديد، رغم وجود اتحادات نقابية دولية عملت طوال عقود؟

– من انقسامات الحرب الباردة إلى وحدة نقابية أوسع

تعود جذور الاتحاد الدولي للنقابات إلى مرحلة الانقسامات الكبرى التي شهدتها الحركة النقابية العالمية بعد الحرب العالمية الثانية.

ففي عام 1945 تأسس الاتحاد العالمي للنقابات (WFTU)، في محاولة لتوحيد المنظمات العمالية من اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة. لكن تصاعد الحرب الباردة والخلافات حول العلاقة بين النقابات والدولة والأحزاب السياسية أدى إلى انقسام الحركة النقابية الدولية.

وفي عام 1949 تأسس في لندن الاتحاد الدولي للنقابات الحرة (ICFTU)، الذي جمع بصورة أساسية اتحادات نقابية ذات توجهات ديمقراطية اجتماعية وإصلاحية وليبرالية، مقابل استمرار الاتحاد العالمي للنقابات الذي ارتبط تاريخياً بتيارات نقابية شيوعية ويسارية.

إلى جانب هذين التيارين، عمل الاتحاد العالمي للعمل (WCL)، الذي تعود جذوره إلى الحركة النقابية المسيحية، باعتباره إطاراً نقابياً دولياً مستقلاً.

مع نهاية الحرب الباردة وانهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، بدأت تتراجع بعض الأسباب السياسية التي غذّت تلك الانقسامات، بينما برز تحدٍّ جديد أمام النقابات تمثل في العولمة الاقتصادية، واتساع نفوذ الشركات العابرة للحدود، وانتقال الاستثمارات والإنتاج إلى مناطق تتدنى فيها الأجور والحماية الاجتماعية.

لقد أصبحت رؤوس الأموال تتحرك عبر الحدود بسرعة وحرية، بينما ظلت قدرة العمال على التنظيم والمفاوضة الجماعية محكومة في معظم الأحيان بالحدود الوطنية.

من هنا نشأت الحاجة إلى بناء قوة نقابية دولية أوسع، قادرة على مواجهة عولمة رأس المال بتضامن نقابي عالمي أكثر تنظيماً وفاعلية.

وفي مؤتمر فيينا التأسيسي، المنعقد بين الأول والثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2006، أُعلن تأسيس الاتحاد الدولي للنقابات، بعد حل الاتحاد الدولي للنقابات الحرة والاتحاد العالمي للعمل واندماج منظماتهما، إلى جانب انضمام اتحادات وطنية لم تكن منتسبة سابقاً إلى أي من التنظيمين.

عندها انطلق الاتحاد الجديد ممثلاً نحو 168 مليون عامل وعاملة، عبر أكثر من 300 منظمة نقابية في 154 بلداً، ليصبح أكبر إطار نقابي دولي جامع للاتحادات والمراكز النقابية الوطنية.

مع ذلك، لم يؤدِّ تأسيسه إلى توحيد الحركة النقابية العالمية بأكملها؛ إذ واصل الاتحاد العالمي للنقابات نشاطه بصورة مستقلة.

ولذلك يمكن اعتبار تأسيس الاتحاد الدولي للنقابات خطوة تاريخية مهمة نحو توسيع الوحدة، لا نهاية لجميع الانقسامات النقابية الدولية.

– عشرون عاماً من النضال والتأثير في السياسات الدولية

يستعرض بيان الذكرى العشرين مجموعة من الإنجازات التي ساهم الاتحاد الدولي للنقابات في تحقيقها، بالتعاون مع المنظمات التابعة له والاتحادات النقابية العالمية والحلفاء الاجتماعيين.

كما تبرز في مقدمتها الجهود المتعلقة بتعزيز معايير العمل الدولية، وتطوير منظومة الحقوق الأساسية في منظمة العمل الدولية، ولا سيما الاعتراف ببيئة العمل الآمنة والصحية باعتبارها مبدأً وحقاً أساسياً في العمل.

وساهمت الحركة النقابية الدولية في الدفع نحو اعتماد معايير لحماية العاملات والعمال من العنف والتحرش، وتعزيز حقوق العاملات في المنازل، ومواجهة العمل الجبري، والارتقاء بالحماية الاجتماعية.

من الإنجازات التاريخية التي يشير إليها البيان، الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 21 ماي 2026، الذي أكد أن الحق في الإضراب مشمول بالحماية التي توفرها الاتفاقية الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية.

لقد إكتسبت هذه الخطوة أهمية خاصة بعد سنوات من الخلافات القانونية بين ممثلي العمال وأصحاب العمل حول مكانة الإضراب في منظومة الحقوق النقابية الدولية. ومع ذلك، يبقى تحويل هذا الاعتراف القانوني إلى حماية فعلية على المستوى الوطني تحدياً يتطلب استمرار النضال النقابي.

ففي المجال الاقتصادي والاجتماعي، ساهم الاتحاد في تعزيز حضور مفاهيم العمل اللائق، والأجر الكافي للعيش، والحماية الاجتماعية، والانتقال العادل في النقاشات والمؤسسات الدولية.

كما شكّل التضامن مع العمال المتضررين من الأزمات الاقتصادية والحروب وجائحة كورونا أحد مجالات نشاطه، إلى جانب الدفاع عن العمال المهاجرين والعاملين في ظروف القمع والاحتلال والنزاعات المسلحة.

إن أهمية هذه الإنجازات لا تكمن في عدد القرارات والاتفاقيات الدولية وحدها، بل في قدرة الحركة النقابية على تحويلها إلى أدوات ملموسة لتحسين حياة العمال والعاملات.

– مؤشر الحقوق العالمية : توثيق الاعتداءات وفضح الانتهاكات

من أبرز مساهمات الاتحاد الدولي للنقابات تطوير مؤشر الحقوق العالمية، الذي يصدر سنوياً منذ عام 2014، وأصبح مرجعاً مهماً لرصد انتهاكات الحقوق النقابية ومقارنة أوضاع العمال بين الدول.

كما لا يكتفي المؤشر بتوثيق القيود المفروضة على حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والإضراب، بل يكشف أيضاً أن تراجع الحقوق العمالية ليس محصوراً بالدول ذات الأنظمة السلطوية، وإنما يمتد إلى دول تتمتع بمؤسسات ديمقراطية وانتخابية.

ففي تقرير عام 2026، أشار الاتحاد إلى أن نصف الدول التي شملها الرصد شهدت اعتقالات أو احتجازاً لعمال بسبب ممارستهم حقوقهم النقابية، وأن انتهاكات حرية التعبير والتجمع وصلت إلى مستويات مقلقة.

وتؤكد هذه المعطيات أن الديمقراطية لا يمكن قياسها بالانتخابات والمؤسسات السياسية وحدها، بل أيضاً بمدى قدرة العمال على التنظيم المستقل، والاحتجاج، والتفاوض، والمشاركة في القرارات التي تحدد أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

– القيادة الحالية : حضور متصاعد لقضية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية

اكتسب خطاب الاتحاد الدولي للنقابات خلال السنوات الأخيرة تركيزاً واضحاً على العلاقة بين الحقوق العمالية والديمقراطية السياسية، ولا سيما منذ انتخاب النقابي البلجيكي لوك تريانغل أميناً عاماً في أكتوبر 2023.
ففي ظل قيادته، برزت بصورة متزايدة الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد، يقوم على العمل اللائق، والأجور العادلة، والحماية الاجتماعية الشاملة، والحقوق الأساسية، والمفاوضة الجماعية، والانتقال العادل نحو اقتصاد مستدام.

من السمات اللافتة في الخطاب النقابي الحالي عدم التعامل مع الاعتداءات على النقابات باعتبارها مجرد نزاعات مهنية بين العمال وأصحاب العمل، وإنما بوصفها جزءاً من تحولات سياسية واقتصادية أوسع تتعلق بتوزيع الثروة والسلطة ومستقبل الديمقراطية.

هذا وقد ساهم هذا التوجه في إبراز الترابط بين الدفاع عن حرية التنظيم النقابي ومواجهة تنامي نفوذ المجموعات الاقتصادية الكبرى، والتضييق على الحريات العامة، والتوسع في استخدام التكنولوجيا لمراقبة العمال وإضعاف قدرتهم على التنظيم.

– انقلاب المليارديرات : حين تتحول الثروة إلى نفوذ سياسي

يحمل بيان الذكرى العشرين تحذيراً لافتاً مما يسميه الاتحاد “انقلاب المليارديرات ضد الديمقراطية”.
ويستخدم الاتحاد هذا التعبير لوصف تنامي نفوذ تحالفات بين أصحاب الثروات الضخمة وشركات التكنولوجيا وقوى سياسية من اليمين المتطرف، وما يراه من آثار ذلك على الحقوق الاجتماعية والحريات الديمقراطية.

بدون شك يكتسب هذا التحذير أهمية في ظل تركّز ملكية المنصات الرقمية ووسائل التأثير في الرأي العام، وتزايد قدرة الشركات الكبرى على التأثير في التشريعات والسياسات الاقتصادية.

أما من منظور نقابي، نجد أن القضية تتجاوز حجم الثروات الفردية إلى السؤال عن حدود النفوذ الاقتصادي في القرار السياسي، وعن قدرة المؤسسات الديمقراطية على حماية مصالح الأغلبية العاملة.

كما أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي دون ضوابط اجتماعية ومفاوضة جماعية يطرح تحديات جديدة تتعلق بمستقبل الوظائف، ومراقبة العمال، وتوزيع مكاسب الإنتاجية، واحتمال تعميق التفاوت في الأجور والفرص.

وهنا تصبح مهمة النقابات ليست مجرد الدفاع عن الوظائف القائمة، بل المشاركة في رسم مستقبل العمل، وضمان أن تخدم التحولات التكنولوجية المجتمع والعاملين فيه، لا أن تتحول إلى وسيلة إضافية لتركيز الثروة والسلطة.

– بين الإنجازات والتحديات : الحاجة إلى تجديد القوة النقابية

لا شك أن الاتحاد الدولي للنقابات نجح خلال عقدين في ترسيخ حضوره في المؤسسات والمحافل الدولية، وتطوير أدوات للرصد والتضامن والحملات العابرة للحدود.

لكن تقييم تجربته يتطلب النظر أيضاً إلى التحديات التي لا تزال قائمة، وفي مقدمتها تراجع الحقوق النقابية في العديد من البلدان، وصعوبة تنظيم العمال في الاقتصاد غير المنظم والعمل عبر المنصات، واستمرار الفجوة بين الاعتراف الدولي بالحقوق وتطبيقها الفعلي.

وتبرز كذلك الحاجة إلى توسيع مشاركة النساء والشباب والعمال المهاجرين، وتجديد أساليب التنظيم النقابي، وتعزيز التعاون بين الاتحادات الوطنية والاتحادات النقابية العالمية القطاعية.

فالقوة النقابية لا تتحدد فقط بعدد المنتسبين أو البيانات الدولية، وإنما بمدى حضور التنظيم داخل أماكن العمل، وقدرته على بناء التضامن العابر للحدود وتحقيق مكاسب ملموسة للعمال.

من هنا فإن الذكرى العشرين تفتح المجال لتقييم التجربة، وليس للاحتفاء بالإنجازات فقط: كيف يمكن تحويل التضامن الدولي إلى قوة تفاوضية حقيقية؟ وكيف تستطيع النقابات مواجهة شركات تتجاوز ميزانياتها الاقتصادية ميزانيات دول؟ وكيف يمكن حماية العمال في ظل التحول الرقمي والانتقال المناخي والأزمات والحروب؟

– نحو عقد ثالث من النضال : الوحدة النقابية العالمية ضرورة تاريخية

بعد عشرين عاماً على مؤتمر فيينا، تبدو الأسباب التي دفعت إلى تأسيس الاتحاد الدولي للنقابات أكثر حضوراً وإلحاحاً، وإن اتخذت أشكالاً جديدة. فالعولمة الاقتصادية التي استدعت توحيد الجهود النقابية عام 2006 تطورت إلى واقع تتداخل فيه سلطة الشركات متعددة الجنسيات مع نفوذ المؤسسات المالية والتكنولوجيا والسياسات الحكومية، بينما يواجه ملايين العمال والعاملات أشكالاً متجددة من الاستغلال وعدم الاستقرار الوظيفي.

وبقدر ما تمثل الذكرى العشرون مناسبة للاعتزاز بالإنجازات، فإنها تطرح أيضاً سؤالاً تاريخياً لا يمكن تجاهله: ألم يحن الوقت لاستكمال مسيرة الوحدة النقابية العالمية، وتجاوز الانقسامات التنظيمية والفكرية التي لا تزال تحدّ من قوة الحركة النقابية وتأثيرها؟

فإذا كان تأسيس الاتحاد الدولي للنقابات عام 2006 قد شكّل خطوة تاريخية نحو تجاوز جانب مهم من انقسامات الماضي، فإن استمرار التعدد والانقسام بين المراكز النقابية الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC) والاتحاد العالمي للنقابات (WFTU)، يستدعي إعادة فتح حوار نقابي جاد ومسؤول، يقوم على احترام التعددية الفكرية، واستقلالية التنظيمات النقابية، والديمقراطية الداخلية، والالتزام المشترك بالدفاع عن المصالح الطبقية والاجتماعية للعمال.

وليس المقصود بالوحدة المطلوبة إلغاء الاختلافات الفكرية أو فرض تنظيم موحد بقرارات فوقية، بل بناء أرضية مشتركة للتعاون والتنسيق والعمل النقابي الدولي، وصولاً إلى أشكال أكثر تقدماً من الوحدة التنظيمية والنضالية، تتناسب مع حجم التحديات التي تواجه الطبقة العاملة في العالم.

إن رأس المال المعولم، الذي يتجاوز الحدود الوطنية ويوحّد مصالحه الاقتصادية والسياسية، يفرض على الحركة النقابية العالمية أن ترتقي بوحدتها وتضامنها إلى مستوى مماثل من التنظيم والفاعلية.

ولعل الرسالة الأهم في الذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد الدولي للنقابات هي أن ما تحقق من إنجازات يؤكد قوة التضامن النقابي الدولي، لكن ما ينتظر الحركة النقابية من تحديات يتطلب تجاوز ما بقي من انقساماتها.

فالوحدة النقابية العالمية الشاملة ليست مجرد أمنية تاريخية، بل ضرورة نضالية واستراتيجية لتعزيز قوة العمال التفاوضية، والدفاع عن الحقوق والحريات النقابية، ومواجهة هيمنة رأس المال، والمساهمة في بناء عالم تسوده العدالة الاجتماعية والديمقراطية والسلام.

مقالات مشابهة

فرنسا تدفع بنحو 3 آلاف طبيب متدرّب إلى الميدان لمواجهة نقص الخدمات الصحية

فريق النشر Echaab News

ورشة عمل بإسطنبول لوضع خطط لحماية الحقوق والحريات النقابية في أربعة بلدان عربية

فريق النشر Echaab News

فرنسا تعبّئ 70 ألف شرطي لتأمين المظاهرات و إحتفالات الهالوين

فريق النشر Echaab News