16.7 C
تونس
18 مارس، 2026 12:57
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

بين زنزانتين : حين تتطابق التهمة ويختلف الجلاد

بقلم رياض الشرايطي – لنبدأ من النقطة التي يحاول الخطاب الرسمي دائما القفز فوقها: هذه ليست قضية “ملف قضائي” وضع على مكتب قاض، بل لحظة سياسية مكثّفة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات دفعة واحدة: مسار قمع داخلي يتسع، مسار إقليمي يفرض إيقاعه، ومسار شعبي حاول، ولو لبرهة، أن يكسر الاثنين معا.
ما يجعل اعتقال شباب أسطول الصمود حدثا يستحق كل هذا التفكيك، ليس فقط توقيته ولا طبيعته، بل ذلك الخيط الخفي الذي يربطه بتجارب سابقة عاشها بعضهم داخل زنازين العدو الصهيوني.

نفس الوجوه التي وضعت هناك تحت مسمّيات “التهديد” و”الخطر” و”الشبكات المشبوهة”، تعاد اليوم صياغتها داخل ملف محلي بلغة مختلفة قليلا، لكن بمنطق واحد: تجريد الفعل من معناه، وتحويله إلى جريمة قابلة للإدارة.

هذا التشابه ليس مجرّد صدفة لغوية إنه يكشف شيئا أعمق: أن السلطة، حين تصل إلى لحظة توتر قصوى مع أي فعل مستقل، لا تحتاج إلى اختراع أدوات جديدة، بل تستعير القوالب الجاهزة الأكثر نجاعة في إخماد السياسة.

القالب الأمني-المالي هو الأكثر فاعلية، لأنه يضرب في مستويين في آن واحد: يربك الرأي العام، ويعزل الضحايا عن محيطهم.

حين تقول للناس إن هؤلاء “مناضلون”، فأنت تفتح باب النقاش. لكن حين تقول إنهم “متورطون في أموال مشبوهة”، فأنت تغلق الباب قبل أن يفتح.

لا أحد يريد أن يدافع عن “فاسدين”، حتى وإن لم تثبت إدانتهم. هكذا تبنى العزلة.

لكن لماذا هؤلاء تحديدا؟ ولماذا الآن؟

لأنهم يحملون ما لا يحتمل داخل أي نظام يميل إلى الانغلاق: الاستمرارية. هم ليسوا وجوها طارئة ظهرت فجأة في سياق ظرفي، بل امتداد لمسار نضالي عابر للحدود، مرّ من ساحات مختلفة، واحتكّ مباشرة بآلات قمع متعددة. هذا النوع من الفاعلين لا يمكن احتواؤه بسهولة، لأنه لا يستمد شرعيته من الداخل فقط، ولا ينتظرها من أحد.

السلطة، في المقابل، تبني شرعيتها على الاحتكار: احتكار القرار، واحتكار التمثيل، واحتكار المعنى. وحين يظهر فاعل يتحرك خارج هذه الدوائر، ولا يطلب إذنا، ولا يقبل أن يكون ملحقا، يتحول تلقائيا إلى مشكلة يجب حلّها.

أسطول الصمود، في هذا السياق، لم يكن مجرد مبادرة تضامنية. كان لحظة كشف. كشف أن بالإمكان تحويل التعاطف إلى تنظيم، وأن الفضاء العام يمكن أن يستعاد ولو جزئيا، وأن القضية الفلسطينية ، التي جرى طويلا تدجينها داخل الخطاب الرسمي ، يمكن أن تعود لتكون نقطة تجميع، لا مجرد شعار.

وهنا بالضبط بدأ الخلل في حسابات السلطة  لأن هذا النوع من المبادرات يشتغل بمنطق مختلف تماما: لا ينتظر الضوء الأخضر، لا يتحرك وفق أجندة رسمية، ولا يكتفي بالرمز. هو يحاول أن ينتج فعلا. وهذا الفعل، حتى لو كان محدودا، يفتح أفقا. والأفق أخطر من الحدث نفسه، لأنه قابل للتكرار.

في اللحظة التي يصبح فيها التكرار ممكنا، تدخل السلطة في حالة استنفار. ليس لأن الحدث كبير، بل لأنه قد يصبح نموذجا والنماذج، في سياقات مغلقة، تهدد البنية أكثر مما تهددها الوقائع المنفردة.

هنا يفهم التحول السريع من “تسامح نسبي” إلى “ضبط كامل”. في البداية، تترك المبادرة تتحرك في هامش ضيق، يراقب بدقة ثم، حين يتضح أنها تكتسب زخما، وأنها بدأت تنتج خطابها الخاص، وأنها تجذب حولها طاقات لا تمر عبر القنوات الرسمية، يتخذ القرار: يجب إيقاف هذا المسار.

لكن الإيقاف لا يتم دائما عبر إعلان سياسي صريح بل عبر تفكيك بطيء: منع أنشطة، تضييق على الفضاءات، تغذية حملات تشويه، ثم ، في اللحظة المناسبة ، تفعيل الآلة القضائية.

هنا يظهر الوجه الأكثر “نظافة” للقمع. لا هراوات في الشارع، بل محاضر وتحقيقات. لا اتهامات سياسية مباشرة، بل شبهات تقنية. وكأن الأمر يتعلق بجريمة عادية، لا بصراع على المعنى غير أن ما يفضح هذا القناع هو التكرار نفسه.

نفس السيناريو يعاد مع فاعلين مختلفين: ناشطون سياسيون، نقابيون، مدافعون عن حقوق المهاجرين، صحفيون… والآن نشطاء تضامن. ثلاثية شبه ثابتة: تحريض، ثم اتهام مالي أو أمني، ثم عزل قانوني. هذا ليس اجتهادا فرديا، بل نمط حكم.
ضمن هذا النمط، لا يعود مهما ما إذا كانت التهم صحيحة أو لا. المهم هو وظيفتها. والتهمة هنا تقوم بوظيفة مزدوجة: تبرير القمع، وإعادة تشكيل الوعي العام.
حين يتكرر هذا النمط، يبدأ المجتمع في استبطانه. يصبح الاتهام كافيا لإثارة الشك، حتى قبل صدور أي حكم. وهنا يتحقق الهدف الأعمق: ليس فقط إسكات الأفراد، بل خلق مناخ عام يجعل أي محاولة للفعل محفوفة بالريبة.
لكن إذا عدنا إلى نقطة البداية ، إلى تلك المقارنة الصعبة بين زنزانتين ، نجد أنفسنا أمام مفارقة ثقيلة.
الشباب الذين وضعوا سابقا في مواجهة مباشرة مع الاحتلال، تحت تهم تجرّم مقاومتهم أو تضامنهم، يعاد اليوم وضعهم داخل سردية تفرغ نفس الفعل من معناه، لكن بأدوات محلية. كأن المسار واحد، وإن تغيّرت الجغرافيا.
هذا لا يعني تطابقا ميكانيكيا بين السياقين، لكنه يكشف تقاطعا في المنطق: حين يصبح الفعل غير المرغوب فيه هدفا، تستدعى أكثر الأدوات فاعلية لتجريده من شرعيته.
في الحالتين، يعاد تعريف المناضل كخطر. في الحالتين، يفصل الفعل عن سياقه. في الحالتين، يطلب من المجتمع أن يرى في الضحية متهما، لا فاعلا.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر عمقا: المسألة لم تعد فقط ما تفعله السلطة، بل ما تنجح في جعله قابلا للتصديق.
إذا اقتنع الناس، ولو جزئيا، بأن كل مبادرة مستقلة تحمل شبهة، فإن المجال العام يغلق من الداخل. لا حاجة عندها إلى قمع شامل، لأن الخوف والشك يقومان بالمهمة.
لكن هذه المعادلة، رغم فعاليتها، ليست محكمة بالكامل.
لأن كل تجربة قمع تنتج، في المقابل، معرفة مضادة. الذين مرّوا بالاعتقال، هنا أو هناك، لا يخرجون بنفس النظرة. يفهمون كيف تصنع التهم، كيف تدار الملفات، كيف يبنى الاتهام. وهذه المعرفة، حين تتراكم، تصبح بدورها عنصر قوة.
لهذا، لا يمكن قراءة ما يحدث فقط كإغلاق لمسار، بل أيضا كإشارة إلى ما كشفه هذا المسار.
أسطول الصمود لم يكن خطيرا لأنه قوي بما يكفي، بل لأنه أظهر إمكانية القوة خارج الإطار. وهذه الإمكانية، حتى لو جرى قمعها، لا تختفي. تظل كامنة، تنتظر لحظة أخرى، شكلا آخر، سياقا مختلفا.
السؤال الذي يبقى، إذن، ليس ما إذا كانت السلطة قادرة على القمع ، فهي أثبتت ذلك مرارا ، بل ما إذا كان بالإمكان تحويل هذه التجارب المتقطعة إلى وعي متماسك، إلى قدرة على الربط بين ما يبدو منفصلا: بين الداخل والخارج، بين التضامن والحرية، بين القضية والواقع.
لأن أخطر ما في الوضع الحالي ليس القمع ذاته، بل تفكيك هذه الروابط. عزل كل معركة عن الأخرى، كل قضية عن سياقها، كل فاعل عن محيطه.
وما يجعل اعتقال هؤلاء الشباب حدثا يتجاوزهم، هو أنه يقع بالضبط عند هذه النقطة: نقطة التقاء كل هذه الخيوط.
لهذا، لا يمكن التعامل معه كملف عابر.
إنه مرآة.

مقالات مشابهة

العهد الجمهوري، أول وثيقة للمواطنة، صادقت عليها الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة  في شهر أوت 2011

admin

عملية غير أخلاقية تجر الناس الى كذبة كبرى وتدعوهم الى المشاركة في بنائها وتضخيمها

admin

في الدور السياسي لاتحاد الشغل

admin