الشعب نيوز / نصر الدين ساسي – في سياق وطني يتسم بتصاعد الجدل حول مستقبل قطاع الطاقة في تونس، نظّمت الجامعة العامة للكهرباء والغاز صباح اليوم الثلاثاء 21 أفريل 2026 ندوة صحفية سلّطت خلالها الضوء على جملة من الإشكاليات والمؤاخذات المرتبطة بمسار الانتقال الطاقي، خاصة في ما يتعلق بدور سلطة الإشراف وبقية المؤسسات المعنية ومكانة الشركة التونسية للكهرباء والغاز داخل المنظومة ودور الطرف الإجتماعي ممثلا في الجامعة العامة للكهرباء والغاز والإتحاد العام التونسي للشغل بمختلف أقسامه.
الندوة، التي أشرف عليها الأخ وجيه الزيدي، الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل المسؤول عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، وبحضور الأخ سليم البوزيدي، الأمين العام المساعد المسؤول عن قسم المرأة والشباب العامل والمنظمات، والأخ فتحي المسلمي الكاتب العام للجامعة العامة للكهرباء والغاز .
ومن محاور الندوة التي إفتتحها الأخ وجيه الزيدي وهي تأثير اللزمات في مجال الطاقات المتجددة والاخلالات التي شابت إسناد الصفقات المرتبطة بها والحقائق المغيبة في هذا الملف.
وقد مثلت الندوة الصحفية مناسبة لعرض قراءة نقدية للخيارات المعتمدة حاليًا في مجال الطاقات المتجددة من خلال مداخلة قدمها الاخ إلياس بن عمار المهندس والخبير في مجال الطاقات وعضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز وسط تأكيد متكرر على أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ الانتقال الطاقي في حد ذاته، بل بكيفية تنزيله على أرض الواقع بشكل أحادي الجانب دون تشريك الإتحاد والجامعة في جلسات الإستماع بمجلس نواب الشعب رغم دعوة عديد الأطراف الأخرى.
* إقصاء من مسار القرار
من أبرز النقاط التي أثارتها الجامعة خلال الندوة، مسألة ما اعتبرته “تغييبًا ممنهجًا” للاتحاد العام التونسي للشغل عن جلسات الاستماع البرلمانية المتعلقة بالاستثمار في الطاقات المتجددة.
واعتبر المتدخلون أن هذا الإقصاء لا ينسجم مع مبادئ التشاركية والتعددية، خاصة وأن المنظمة الشغيلة تمثل طرفًا رئيسيًا في القطاع، ولها خبرة تراكمية في إدارة الشأن الطاقي.
هذا المعطى، وفق ما طُرح، لا يقتصر على مسألة شكلية، بل يعكس خللًا أعمق في منهجية اتخاذ القرار، حيث يتم، بحسب تعبيرهم، تمرير خيارات استراتيجية دون إشراك فعلي للأطراف الاجتماعية، وهو ما قد يؤدي إلى سياسات غير متوازنة أو غير قابلة للتطبيق.
* إشكالية السيادة الطاقية
أحد المحاور المركزية في الندوة كان مسألة السيادة الطاقية، التي اعتبرها المتدخلون خطًا أحمر.
فرغم الإقرار بأهمية الطاقات المتجددة في تقليص التبعية للخارج، إلا أن الجامعة حذّرت من أن الصيغ الحالية للاستثمار قد تؤدي، paradoxically، إلى شكل جديد من التبعية، ولكن هذه المرة لفائدة مستثمرين خواص، في غياب توازن واضح في توزيع الأدوار.
وأشار المتدخل إلى أن بعض العقود المبرمة أو المقترحة تمنح امتيازات كبيرة للمستثمرين، مقابل التزامات محدودة، وهو ما قد يضعف قدرة الدولة على التحكم في قطاع حيوي واستراتيجي.
كما تم التحذير من التفريط في مجالات حساسة مثل “سندات الكربون”، التي تمثل موردًا مستقبليًا مهمًا في الاقتصاد الأخضر.
* إضعاف دور الشركة التونسية للكهرباء والغاز
من بين أبرز المؤاخذات التي تم طرحها، التخوف من وجود توجه تدريجي نحو إضعاف الشركة التونسية للكهرباء والغاز، سواء عبر تقليص دورها الإنتاجي أو تحميلها أعباء إضافية دون تمكينها من الموارد اللازمة.
وأكد المحاضر أن المؤسسة العمومية، التي لعبت دورًا محوريًا منذ الاستقلال في تعميم الكهرباء والغاز، تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، ليس فقط بسبب الصعوبات المالية، بل أيضًا نتيجة خيارات سياسية قد تعيد رسم دورها بشكل جذري.
وفي هذا الإطار، تم طرح تساؤلات حول مدى وجاهة الحديث عن “عجز الدولة” كمبرر للانفتاح الواسع على الاستثمار الخاص، خاصة وأن التجربة التاريخية أثبتت قدرة الدولة على بناء منظومة طاقية متكاملة في ظروف أصعب.
* نتائج مخيبة لطلبات العروض
الندوة توقفت أيضًا عند تقييم تجربة طلبات العروض في مجال الطاقات المتجددة، والتي انطلقت منذ سنوات بهدف استقطاب استثمارات خاصة. ووفق المعطيات المقدمة، فإن النتائج كانت دون التوقعات، حيث لم يتم إنجاز سوى جزء محدود من المشاريع المبرمجة منذ سنة 2019.
هذا التعثر، بحسب المتدخل، لا يعود فقط إلى عوامل خارجية، بل يعكس أيضًا إشكاليات في التصميم العام للسياسات المعتمدة، سواء من حيث شروط المشاركة أو الضمانات المقدمة أو حتى الإطار القانوني المنظم.
كما أشار إلى أن انسحاب عدد من المستثمرين من المشاريع المبرمجة يعكس هشاشة المنظومة، ويدفع السلطات إلى تقديم تنازلات إضافية من أجل الحفاظ على جاذبية القطاع.
* تنازلات مكلفة للمجموعة الوطنية
ومن بين أبرز النقاط التي أثارت جدلًا خلال الندوة، مسألة التنازلات التي تم تقديمها لفائدة المستثمرين، والتي اعتبرت“مكلفة” بالنسبة للمجموعة الوطنية.
وشملت هذه التنازلات، وفق ما تم عرضه، الترفيع في مدة اللزمات، وهو ما يترتب عنه التزام طويل الأمد قد يحد من هامش تحرك الدولة مستقبلاً، إضافة إلى منح امتيازات مالية وجبائية هامة.
كما تم التطرق إلى تحميل الشركة التونسية للكهرباء والغاز أعباء إضافية، خاصة في ما يتعلق بتهيئة البنية التحتية وربط المشاريع بالشبكة الوطنية، وهو ما يمثل ضغطًا إضافيًا على مواردها.
* إشكالية كلفة الإنتاج والأسعار
في سياق متصل، أثارت الجامعة مسألة كلفة إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، مشيرة إلى أن الأسعار شهدت تراجعًا عالميًا خلال السنوات الأخيرة، بفضل التطور التكنولوجي وتوسع السوق.
غير أن هذا التراجع، بحسب المتدخل، لا ينعكس بالضرورة على الأسعار المعتمدة في بعض المشاريع المحلية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة التفاوض مع المستثمرين، ومدى تحقيق مصلحة الدولة في هذه الصفقات.

* دعوة إلى مراجعة شاملة
في ختام الندوة، شددت الجامعة العامة للكهرباء والغاز على أن موقفها “واضح وثابت”: دعم الانتقال الطاقي كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، مع رفض كل المقاربات التي قد تمس من السيادة الوطنية أو تضعف دور المؤسسات العمومية.
كما دعت إلى مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة، في إتجاه سياسات تقوم على مقاربة تشاركية تضمن إشراك كل الأطراف المعنية وفي مقدمتها الطرف النقابي، وتحقيق توازن فعلي بين استقطاب الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية.
وأكد المتدخل أن نجاح الانتقال الطاقي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل بمدى قدرته على تعزيز استقلالية البلاد وسيادتها، وضمان استدامة المنظومة، والحفاظ على دور الدولة كفاعل رئيسي في قطاع حيوي يمس الأمن القومي بشكل مباشر.

تابعوا اخباركم و صوركم عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/achaab-naqaby
كذلك عبر الإنستغرام عبر الرابط التالي : https://tinyurl.com/2p9nyte7
