جريدة الشعب نيوز
وطني

من يُعطّل محاضر مجلس الإدارة… ومن يُحاسب؟

ليست الحوكمة الرشيدة مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل هي منظومة قانونية تقوم على احترام المؤسسات واختصاصاتها، وعلى ضمان تنفيذ القرارات الصادرة عنها في الآجال المعقولة.
ومن أخطر المظاهر التي تهدد هذه المنظومة أن تتحول محاضر جلسات مجلس الإدارة إلى وثائق معلقة، لا تُستكمل إجراءاتها ولا تُفعّل آثارها القانونية.
في المؤسسات العمومية، لا سيما تلك التي تدير مرافق حيوية وتمس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، لا يمكن النظر إلى تعطيل محاضر مجلس الإدارة باعتباره مجرد تأخير إداري. فالمحضر هو الوثيقة الرسمية التي تثبت وجود القرار، وتحدد مضمونه، وتسمح بتنفيذه ومراقبته. وعندما يغيب المحضر أو يتأخر دون مبرر، يصبح القرار نفسه معلقًا، وتتعطل معه مصالح المؤسسة والمنتفعين بخدماتها.
وفي الصناديق الإجتماعية، حيث ترتبط القرارات بتسيير منظومة الحماية الاجتماعية، فإن أي تعطيل لمحاضر مجلس الإدارة ينعكس مباشرة على نجاعة التصرف، وسرعة تنفيذ الإصلاحات، وجودة الخدمات، وحسن إدارة الموارد وتحفيز الأعوان.
هنا الخطورة
وتزداد خطورة الوضع عندما يصبح تعطيل المحاضر ظاهرة متكررة، لأن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام قواعد الحوكمة، وحول قدرة المؤسسة على ممارسة اختصاصاتها بصورة طبيعية. فاستمرارية المرفق العام تقتضي أن تعمل الهياكل القانونية للمؤسسة دون تعطيل، وأن تُنفذ قراراتها وفق الإجراءات والآجال التي يفرضها القانون.
والأخطر من ذلك ، إذا كان المشرع قد أقر تمثيلية الأجراء داخل مجلس الإدارة للمتظمة النقابية الأكثر تمثيلية لضمان التوازن في اتخاذ القرار، فكيف يمكن الحديث عن شرعية مداولات تُعقد بعد إقصاء أحد مكونات المجلس؟ وهل يجوز للإدارة، بقرار إداري، أن تعطل إرادة المشرع وتفرغ هذا التمثيل من مضمونه؟
هذا السؤال لا يتعلق بالدفاع عن طرف إجتماعي بعينه، بل باحترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون داخل المؤسسات العمومية.
أن إقصاء ممثلي الإتحاد العام التونسي للشغل من تمثيل الأجراء داخل مجلس إدارة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية لا يمس بحقوقهم فقط، بل قد يمس أيضًا بشرعية القرارات الصادرة عن مجلس الإدارة ويعرضها للنزاع القضائي، بحسب ما يقرره القانون المنظم للمجلس والجهات القضائية المختصة.
إرباك الرقابة
كما أن تعطيل محاضر مجلس الإدارة لا يمثل مجرد إخلال إجرائي، بل قد يؤدي إلى إرباك الرقابة، وتأخير تنفيذ القرارات، وتعليق مشاريع الإصلاح، وإضعاف ثقة المتعاملين مع المؤسسة.
وإذا كان هذا التعطيل ناجمًا عن تقصير أو سوء تصرف أو مخالفة للإجراءات القانونية، فإن تحديد المسؤوليات يصبح واجبًا، لأن حماية المرفق العام لا تتحقق إلا بالمحاسبة.
ويبقى السؤال المشروع: إذا كان مجلس الإدارة هو أعلى سلطة تقريرية داخل المؤسسة، فمن يملك عمليًا تعطيل نفاذ قراراته بمجرد تعطيل محاضره؟ وهل يجوز أن تصبح الإرادة الجماعية لأعضاء المجلس رهينة لإجراء إداري كان يفترض أن يكون وسيلة لإثبات القرار، لا وسيلة لتعليقه؟
إن الدفاع عن المؤسسات العمومية لا يكون بالصمت عن الاختلالات، وإنما بالتمسك بسيادة القانون، واحترام اختصاصات الهياكل القانونية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة. فالمؤسسات لا تُدار بالأشخاص، وإنما بالقانون، ولا يجوز أن تتحول الإجراءات الشكلية إلى وسيلة لتعطيل القرار أو الالتفاف على إرادة مجلس الإدارة.
إن فتح هذا الملف اليوم ليس استهدافًا لأحد، بل هو دفاع عن الشرعية، وعن الحوكمة، وعن حق المواطنين في مؤسسات عمومية تعمل بكفاءة، وتحترم القانون، وتؤدي رسالتها دون تعطيل أو إرباك.

مقالات مشابهة

“تقاطع” تستنكر تعليق نشاط رابطة حقوق الإنسان وتدعو إلى حماية استقلالية المجتمع المدني

فريق النشر Echaab News

رابطة حقوق الإنسان تحذر من تصاعد خطاب الكراهية في شبكات التواصل الإجتماعي

فريق النشر Echaab News

نقابة الصحفيين تندد بسجن هيثم المكي وتساند الطعن في الحكم

فريق النشر Echaab News