جريدة الشعب نيوز
وطني

العلاج المجاني في تونس …. منشور جديد يحيى أسئلة العدالة الاجتماعية والإصلاح المؤجل

أصدر وزير الشؤون الاجتماعية المنشور عدد 6 المؤرخ في 10 جويلية 2026 المتعلق بالشروط والإجراءات العملية الإستاذ العلاج المجاني والعلاج بالتعريفة المنخفضة لفائدة المنتفعين ببرنامج الأمان الاجتماعي، ويأتي هذا المنشور في سياق مراجعة التراتيب التطبيقية للبرنامج الذي أحدث سنة 2019 وتم تنقيحه سنة 2022، مع إلغاء المنشور السابق الصادر في أفريل 2024 وتعويضه بأحكام جديدة تنظم كيفية الانتفاع بهذه الخدمات الصحية

ومن جهة أخرى، يعكس المنشور استمرار تعدد المتدخلين في إستاد المنافع الاجتماعية، بين السلط المحلية والمصالح الجهوية واللجان الفنية، بما يجعل مسار الانتفاع أكثر تعقيدا في وقت يفترض فيه أن تؤدي الرقمنة إلى تبسيط الإجراءات وتقليص أجال دراسة الملفات وتحقيق قدر أكبر من الثقافية

ورغم حديث المنشور عن السندات العلاجية والدفاتر الرقمية، فإن التحول الرقمي للمنظومة لا يزال في مرحلة انتقالية، وهو ما يجعل عددا من الإجراءات الورقية والإدارية التقليدية متواصلة. ويؤجل تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في بناء قاعدة بيانات اجتماعية موحدة تسمح بإسناد الخدمات بصورة آلية وسريعة وفق معايير موضوعية.

أحكام استثنائية

أما الباب الأخير من المنشور، فقد خصص للأحكام الاستثنائية التي تمنح المدير الجهوي للشؤون الاجتماعية إمكانية إسناد سند علاج لمدة سنة واحدة في الحالات المستعجلة، بعد عرض الملف الطبي على اللجنة الفنية الجهوية لبرنامج الأمان الاجتماعي، ورغم أهمية هذا المقتضى في معالجة الحالات الإنسانية العاجلة، فإنه يبقى بدوره قائما على السلطة التقديرية أكثر من استناده إلى منظومة حقوق مضبوطة سلفا.

ويختتم المنشور بالتأكيد على أهمية الحق في الصحة والعلاج باعتباره حقا دستوريا، وهي إشارة تعكس الوعي بأهمية البعد الاجتماعي للسياسات العمومية غير أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق فقط غير مراجعة المناشر أو تطوير الإجراءات الإدارية، بل يقتضي إصلاحا أعمق المنظومة الحماية الاجتماعية برمتها.

إن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تنظيم طرق إسناد العلاج المجاني أو العلاج بالتعريفة المنخفضة، وإنما يتمثل في بناء منظومة وطنية موحدة للحماية الاجتماعية تقوم على توحيد المنافع، ورقمنة قواعد البيانات، واعتماد معايير شفافة للاستحقاق، والانتقال من منطق تقديم الخدمة الاجتماعية إلى منطق تكريس الحق في المواطنة الاجتماعية.

فالدولة الاجتماعية الحديثة لا تقاس بعدد المناشير المنظمة للإجراءات، وإنما بقدرتها على ضمان الحقوق الأساسية لجميع المواطنين وعلى جعل التحويلات الاجتماعية أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق وحماية الفئات الهشة من مخاطر المرض والفقر وفقدان الدخل بما يجعل الحق في العلاج جزءا أصيلا من منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية، لا مجرد امتياز إداري يخضع الاجتهادات السلطة التقديرية.

أسئلة جوهرية

ورغم أن المنشور يندرج ضمن مسعى توحيد الإجراءات الإدارية وتحيينها، فإنه يعيد في المقابل طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل منظومة الحماية الاجتماعية في تونس، وحول مدى قدرة الحلول الإجرائية على معالجة الإشكاليات الهيكلية التي ما تزال تعيق الوصول إلى تغطية صحية شاملة باعتبارها أحد الحقوق الأساسية للمواطن

فالمنشور الممتد على أربع صفحات استند إلى جملة من المرجعيات الدستورية والتشريعية والتنظيمية المرتبطة ببرنامج الأمان الاجتماعي، وهو البرنامج الذي جاء في الأصل كحل مرحلي لمعالجة اختلالات منظومة التغطية الصحية في انتظار إصلاح شامل لمنظومة الضمان الاجتماعي يضمن تعميم الحماية الاجتماعية ويوسع دائرة المنتفعين بها على أسس أكثر استدامة وإنصاف. وفي أحكامه العامة، ألغى المنشور بصفة صريحة ونهائية المنشور السابق لسنة 2024، قبل أن ينتقل إلى ضبط إجراءات إستاذ العلاج المجاني والعلاج بالتعريفة المنخفضة، من خلال تحديد الوثائق المطلوبة ومسالك دراسة الملفات والهياكل الإدارية المتدخلة في اتخاذ القرار.

غير أن القراءة المتأنية لهذه الأحكام تكشف أن المنهج المعتمد لا يزال يرتكز أساسا على منطق إدارة الاستحقاق أكثر من اعتماده على مقاربة قائمة على الحق الدستوري في الصحة، فالمستفيد ما يزال مطالبا بإثبات أحقيته في الانتفاع عبر سلسلة من الإجراءات الإدارية والتقديرات المحلية في حين يفترض أن يكون النفاذ إلى العلاج أحد الحقوق المواطنة التي لا تخضع إلا لشروط موضوعية وواضحة وشفافة.

دون تحديد دقيق 

كما يثير المنشور مسألة تعريف الفئات المستهدفة بالانتفاع فهو يحيل إلى مكونات برنامج الأمان الاجتماعي دون أن يحدد بصورة دقيقة معايير الفقر والهشاشة أو سقوف الدخل أو المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة للفصل بين المستحقين للعلاج المجاني والمنتفعين بالعلاج بالتعريفة المنخفضة، وهو ما يترك مجالا واسعا للتقدير الإداري ويحد من توحيد تطبيق النصوص بين مختلف الجهات

ويبرز هذا الإشكال بصورة أوضح عند تعرض المنشور إلى مفهوم الأسرة وتركيبتها ورئيسها، حيث اعتمد تعريفا عاما يفتح الباب أمام السلطة التقديرية للإدارة المحلية والجهوية، دون الإحالة إلى مؤشرات سوسيولوجية أو ديمغرافية أو مالية دقيقة يمكن أن يعتمدها المختصون الاجتماعيون عند دراسة الملفات، وهو ما قد يؤدي إلى تفاوت في تقييم الحالات المتشابهة من منطقة إلى أخرى

  • نشر في الشعب الورقية – العدد 1909 – الخميس 16 جويلية 2026

مقالات مشابهة

ضحية حادث المزونة: وفاة العاملة الفلاحية نجاة رغم جهود كبيرة لانقاذ حياتها

ben salah

نقابة الصحفيين تطالب بمراجعة الحكم ضد حمزة البلومي وإنصاف البوغديري

فريق النشر Echaab News

هيئة السجون تنفي شائعات اندلاع حريق داخل أحد الوحدات السجنية

فريق النشر Echaab News