37.7 C
تونس
10 سبتمبر، 2026 18:45
جريدة الشعب نيوز
وطني

العودة المدرسية (6): موسم الهجرة الى القطاع الخاص

الشعب نيوز/ الهادي راشد حشوش – المدرسة الخاصة «جيل دولوز» بحاسي الفريد، المعهد الخاص «إيميل زولا» بقلعة سنان، إعدادية «مارسال پانيول» الخاصة بسيدي مخلوف… قد تبدو هذه الأسماء غير الحقيقية في الواقع غريبة بعض الشيء، لكن للأسف، وقع استنزاف غالبية الأسماء العَلَم من مفكرين وأدباء فرنسيين كواجهات تجارية لمؤسسات التعليم الخاص في تونس خلال العشريتين الفارطتين، ما سيدفع المستثمرين المستقبليين، ربما، إلى البحث عن أسماء جديدة، ولِمَ لا الاستعانة بنجوم كرة القدم!وراء هذه النادرة المتداولة، توجد ظاهرة أكثر جدية. فالتعليم الخاص لم يعد ذلك القطاع المحدود المرتبط، في المخيال العام، ببعض مدارس العاصمة وأحيائها الراقية وبفئة اجتماعية ميسورة الحال. فخلال العقود الأخيرة، توسع القطاع جغرافيًا واجتماعيًا وهنا نصل إلى الجزء الثاني من ميزانية «العودة المدرسية بعد كلفة المستلزمات. وقد بينت تلك الفاتورة أن «مجانية التعليم» لا تعني، بالضرورة، أن التمدرس مجاني اقتصاديًا على الأسرة. واليوم، ننتقل إلى الطبقة الأعمق من الفاتورة: ماذا يحدث عندما لا يكتفي الولي بشراء مستلزمات المدرسة، بل يصبح مطالبًا بدفع ثمن المدرسة نفسها؟ كيف تحول التعليم الخاص من ظاهرة محدودة إلى سوق مكتملة الأركان؟ كم تكلف الدراسة في القطاع الخاص فعلًا؟ سنحاول ايضا معرفة السبب الهيكلي وراء توسع هذا السوق بهذا الشكل.؟ هل يتعلق الأمر فقط بتنامي الطلب والبحث عن تعليم أفضل، أم هي ازمة المدرسة العمومية؟

وأخيرًا: ماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى المدرسة التونسية نفسها؟ هل لازال التعليم العمومي أداة للارتقاء الاجتماعي وتذويب الفوارق الطبقيّة، أم تحول تدريجيًا إلى آلية إعادة إنتاج لها؟

من مدارس الأحياء الراقية إلى «فقاعات» التعليم الخاص

لماض غير بعيد، كان التعليم الخاص، يحمل عنوانًا جغرافيًا ووصما جتماعيًا واضحين: العاصمة، وبعض الأحياء الراقية، وأسر تملك القدرة المادية والرغبة في دفع كلفة إضافية مقابل تعليم مختلف عن المدرسة العمومية. كان وجود مدرسة إبتدائية خاصة في حي شعبي أو في مدينة داخلية أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة. أما اليوم، فقد تغير المشهد 180 درجة. لم تعد المدرسة الخاصة ظاهرة مرتبطة حصريًا بالأحياء الميسورة أو بالعائلات الأكثر ثراءً؛ فقد أصبحت جزءًا من المشهد التعليمي في معظم أنحاء البلاد، وفي أحياء وبيئات اجتماعية مختلفة، وإن بقي حضورها أكثر كثافة في العاصمة والمدن الساحلية.

وتكشف أرقام وزارة التربية هذا التحول بوضوح. ففي التعليم الابتدائي الخاص، ارتفع عدد المؤسسات من 16 مؤسسة سنة 1984 إلى 102 سنة 2009، ثم 600 سنة 2019 و701 سنة 2024، بينما ارتفع عدد التلاميذ من 6294 إلى 134191 خلال الفترة نفسها. وفي السنة الدراسية 2024ـ2025 وحدها، تسجل الوزارة حضور التعليم الابتدائي الخاص في مختلف الولايات تقريبًا: 51 مؤسسة في تونس 1 و59 في تونس 2، و73 في بن عروس، و61 في أريانة، لكن أيضًا 8 في باجة، و12 في جندوبة، و23 في القصرين، و24 في سيدي بوزيد، و26 في قفصة، و19 في مدنين، و15 في قابس، و2 في تطاوين. يمكن الاطلاع على هذا النسق التصاعدي في الرسم البياني المصاحب. نحن إذن إزاء انتشار وطني لظاهرة ما تزال شديدة التفاوت جغرافيًا. وهذا التفصيل مهم: التعليم الخاص خرج من حدود الأحياء الراقية، لكنه لم يخرج بعد من منطق السوق الذي يجعل حجم العرض مرتبطًا بالكثافة السكانية والقدرة الشرائية والطلب المحدود مجاليا.

حل لمشكلتين في نفس الوقت

هذا الانتشار نفسه غيّر طبيعة العلاقة بين الأسرة والمدرسة. فالمؤسسة الخاصة لم تعد تقدم بالضرورة مجرد ساعات تدريس بديلة عن المدرسة العمومية، وإنما تعرض في كثير من الحالات منتجًا تعليميًا متكاملًا: يومًا دراسيًا أطول وبدون انقطاع ، مطعمًا ونقلًا مدرسيًا، أنشطة موازية، متابعة أقرب ودروس تكميلية، رعاية للأطفال، وتعليمًا مبكرًا للغات الأجنبية. وبذلك أصبحت المدرسة الخاصة تستجيب في الوقت نفسه لمشكلتين: البحث عن تعليم يراه الولي أفضل، والبحث عن حل لتنظيم الحياة اليومية للأسرة.

ومن هنا أيضًا تغيرت طبيعة «المنتج» نفسه. فقد ظل النموذج الفرنسي حاضرًا بقوة، مستفيدًا من المكانة التاريخية والرمزية للغة وللثقافة “الفرنكوفونية / الفرنكوفيلية” في المجتمع التونسي أو جزء مهم منه، لكن السوق بدأ يستوعب عروضًا أخرى: بريطانية وأمريكية وكندية، ومدارس تستلهم من نموذج مونتسوري ( Montessori : نموذج مبني اساسا على تشجيع الاستقلالية والتعلم الذاتي لدى الأطفال من خلال توفير بيئة مجهزة بعناية تلبي احتياجاتهم التنموية يعمل فيه المعلم كموجه يراقب ويوجه الطفل لاكتشاف اهتماماته وتطوير مهاراته المختلفة بالسرعة التي تناسبه) أو نماذج تربوية دخيلة كالاقسام الأولمبية. لم تعد المنافسة تدور فقط حول المدرسة، بل حول اللغة، والمنهج، والهوية التربوية، والأنشطة الموازية، وحتى رأس المال الرمزي الذي تمنحه المؤسسة لتلميذها.

تراجع جاذبية المدرسة العمومية

وإذا كان هذا التوسع قد استفاد من ارتفاع الطلب، فإنه استفاد أيضًا من تراجع جاذبية المدرسة العمومية ونفور العديد من الأولياء منها.: اكتظاظ الأقسام، تدهور البنية التحتية والتجهيزات، انتدابات الإطار التربوي في سياق ترضيات اجتماعية وتعليق العمل بالكاپاس، صعوبات ظروف العمل، وتواتر الأزمات الاجتماعية والاضرابات المتكرّرة والاحتجاجات التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة، كلها عوامل موضوعية ساهمت في جعل بعض الأسر تنظر إلى التعليم الخاص لا باعتباره رفاهية، وإنما كطوق نجاة مما تعتبره مخاطر المدرسة العمومية. وفي هذا السياق، يصبح دفع المعاليم بالنسبة إلى بعض الأسر إنفاقا ضروريا مفروضا كنوع من التأمين على التعليم أكثر منه اختيارًا كماليا وترفا.

هنا ينتقل التعليم الخاص من هامش للنظام التربوي إلى سوق متكاملة، تتدرج داخلها المدارس والخدمات والأسعار لتتماشى مع طيف واسع من الإمكانيات، وتتحول القدرة الشرائية للأسرة تدريجيًا إلى عامل لا يحدد فقط مكان الدراسة، وإنما نوع التعليم الذي يستطيع الطفل تحصيله.

لكن انتشار هذا السوق وتنوع عروضه يطرح سؤالًا أكثر مباشرة بالنسبة إلى الأسرة: كم يكلف هذا «المنتج» فعلًا؟ فالمعلوم الشهري أو السنوي الذي تعلنه المدرسة ليس سوى جزء من الفاتورة. لذلك، قبل مناقشة ما يعنيه هذا التحول للمدرسة التونسية، علينا أولًا أن نضع هذه السوق تحت المجهر ونحاول احتساب الكلفة الحقيقية لسنة دراسية في التعليم الخاص.

مقالات مشابهة

وقفة احتجاجية بالمهدية تضامنا مع معتقلي أسطول الصمود

فريق النشر Echaab News

معطلو سيدي بوزيد يقررون تصعيد تحركاتهم للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18

فريق النشر Echaab News

نقل وائل نوار إلى مستشفى شارل نيكول بعد تعرضه للإغماء إثر 26 يوما من إضراب الجوع

فريق النشر Echaab News