بقلم أحلام الخلصي – حين يبكي الأب، لا يعود الحديث مجرد احتجاج.
في منزل بوزيان، لم تكن أكثر الكلمات وجعاً تلك التي علت بها الحناجر في الشوارع… بل تلك التي خرجت من قلب أب أنهكه العمر و الانتظار. رجل مسنّ، أفنى سنواته في جمع و بيع الحلفاء، ليعلّم ابنه و يمنحه فرصة لحياة أفضل… و كبر الإبن… حمل شهادة جامعية، ثم انتظر… و انتظر… حتى بلغ الخامسة والأربعين، وما زال العمل حلماً مؤجلاً.
قال الأب، و الدموع تسبقه: «ابني صاحب شهادة، عمره 45 سنة و ما زال معطلاً عن العمل…ما زال ما فرحش بوه اللي خدمت عليه الحلفاء و تعبت وشقيت باش نقرّيه… وعطشان حتى في ڨرجومتي…» أحياناً تختصر دمعة واحدة ما تعجز عنه آلاف الخطب.
خلف أرقام البطالة هناك آباء كانوا يحلمون بأن يروا أبناءهم واقفين على أقدامهم و خلف كل شهادة معلّقة في بيت، سنوات من الدراسة والتعب والأمل.
و خلف كل قطرة ماء مفقودة، إنسان يشعر أن أبسط حقوقه أصبحت أمنية. هذه ليست حكاية رجل واحد… إنها حكاية جيل كامل يخشى أن يضيع عمره و هو ينتظر فرصة لم تأتِ. من منزل بوزيان، لا تصلنا فقط أصوات الغضب… بل يصلنا سؤال أكثر عمقاً: ماذا يبقى للإنسان حين يتعب من الانتظار، و لا يجد عملاً و لا ماءً و لا أملاً؟ التنمية ليست أرقاماً في التقارير، و التشغيل ليس امتيازاً، و الماء ليس ترفاً…إنها أبسط شروط الكرامة و لعل دموع هذا الأب تكون أبلغ من كل الكلمات.
