الندوة الفكرية التي نظمها قسم الحماية الاجتماعية بالاتحاد العام التونسي للشغل حول آفاق رؤية إصلاحية شاملة لمنظومة الضمان الاجتماعي والتي تخللتها ورشات عمل تفاعلية مثلت فرصة جديدة لتناول موضوع أصبح يعكس هوسا اجتماعيا نظرا للضبابية التي تلفه وبالرجوع إلى تواتر معطيات متضاربة عمقت تخوف التونسيات والتونسيين من مآل هلامي لقسم هام من المرفق العام في المجال الاجتماعي.إلى جانب النقابيين شمل الحضور وبشكل لافت عددا من الجمعيات ومكونات المجتمع المدني والهيئات ذات الصلة بالموضوع وقد واكبت الصحافة الداخلية والوطنية فعاليات هذه الورشة التفكيرية التي استأثرت لاحقا بمتابعة مكثفة من وسائل الإعلام ومنصات الاتصال التي استفزتها المعطيات المرقمة والمؤشرات الإحصائية التي مثلت القاعدة البيانية لاستقراء القوائم المالية الرسمية التي تصدرها مؤسسات الضمان الاجتماعي ومراكز الدراسات وسلط الإشراف في تحليلها للموازنات وتبريرها للواقع المحاسبي وآفاق الحلول الممكنة.
ما يهمني في هذا الصدد هو البعد السوسيولوجي لتداعيات أزمة السيولة المالية التي تكاد تنحصر فيها قراءات أهل الاختصاص على البعد الكمي وعزله عن بقية مسببات الأزمة الهيكلية المزمنة والتي وجب الانطلاق في علاجها بشكل عاجل وفوري. لا نختلف كثيرا في التشخيص بكل فروعه ذلك أن الأرقام هي الحقيقة الوحيدة الثابتة ولو نسبيا رغم تباين القراءات التي يطغى عليها الجانب القانوني النصي من جهة والبعد المحاسبي الخام من جهة ثانية.
في هذه الحالة المستدامة منذ تسعينات القرن الماضي يتم تقديم الحالة الاستعجالية للحلول المقياسية للترميم وتهوئة المنظومة التي يتم توظيفها إبان أهم الأزمات والمواعيد السياسية، وحيث تواترت تدخلات السلطة في إدارة نظام توزيعي يقوم على التمويل الذاتي دون دعم من ميزانية الدولة فإن إحالة خدمات اجتماعية وعلى أهميتها إلى مجال عمل مؤسسات الضمان الاجتماعي أثقل كاهل المنظومة المعنية أساسا بتأمين الجرايات وتوابعها وتقديم خدمات الرعاية الصحية في شكل تعاقدي بين الأطراف الثلاثة التي تضم الصناديق الاجتماعية وحرفائها أي المضمونين الاجتماعيين بالإضافة إلى مسديي الخدمات.
أن تدير الصناديق الاجتماعية جانب من الريع العقاري أو تسند القروض الجامعية أو أن تمول الجمعيات فإن هذا الحيز طغى في زمن معين على أولوية التصرف في منظومات الجرايات التي تسنها الدولة عبر الحكومات المتعاقبة خلال فترات تاريخية باختيارات سياسية متنوعة ومتباينة أحيانا.
هذا وجه فرعي يضاف إلى تراكم التشريعات وتفاوت المستحقات والحقوق بين الأسلاك والأصناف والقطاعات.
هناك إذن أسباب موضوعية وتاريخية تفسر مظاهر الأزمة الهيكلية والتي تعرضت لها المقالات السابقة في تماهٍ مع رأي أهل الاختصاص على اختلاف مشاربهم لكن سبل التصرف في المرفق العام وآليات المراقبة المسبقة والبعدية ودور الهيئات التسييرية والرقابية ومصير ملاحظات التدقيق ومراجع الحسابات ووظيفة مجلس إدارة كل منشأة فإنها مسائل منسية ولا تحظى بالمكانة التي تتبوؤها مسارات الحوكمة وشروط إحكام التصرف في الموارد المالية والبشرية. تتحدث ههنا عن نظم إدارة منشآت عمومية تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية وتربطها علاقة إشراف وظيفي من الحكومة أو وزارة الإشراف. فأين نحن من هذا التنظيم القانوني؟
في الواقع تخضع مؤسسات الضمان الاجتماعي إلى الإشراف المباشر للوزارة وهياكلها حيث تراجعت مشمولات مجالس الإدارة أو تم تغييبها قسرا وعمدا رغم أنها متعددة التركيبات والهياكل والأطراف الاجتماعية والتدخل يشمل الموازنة والتسميات في الخطط الوظيفية والتصرف اليومي. وهذا النموذج التسييري يعطل التصرف التشاركي ويضعف حدود حوكمة توظيف الموارد المالية والبشرية ويشتت سلطة القرار ويقدح في مشروعية مشمولات كل خطة وظيفية تسييرية عليا.
النتائج لا تحتاج إلى تدليل أو توصيف نظرا لتداعيات التسيير الأفقي على مسار التخطيط الداخلي خاصة في مجالات الانتداب والتكوين والتكليف وخاصة الاستثمار في التعصير والرقمنة وفاعلية القرارات والقدرة على التقييم والتقويم.
تنمية المهارات والاستثمار في المجال التكنولوجي وسرعة إنجاز الصفقات في إطار الشفافية واستقطاب الكفاءات وعقود إسداء الاستشارات والاستشراف هي من المجالات التي تعطلها التعقيدات الإجرائية والإدارية وتجعل من المنشآت العمومية هياكل إدارية تقليدية دون سلطة أو مبادرة ذاتية.
نحن أمام مفارقات تدفع نحو لامركزية التصرف في الخدمات مقابل مركزية القرار وذاتية النفوذ. فالحوكمة ليست شعارا بل ممارسة وقيمة ومعيار ومقاس جودة الأداء وجدول أو لوحة قيادة للبرمجة والتخطيط والتعصير. وهي كلها شروط أساسية لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي عبر التشاور والحوار الاجتماعي.
