الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش – لا يكتفي التقرير الصادر عن البنك الدولي تونس صيف 2026 في نهاية المطاف بالتشخيص، بل يقدّر كلفة عدم التحرك ويقترح مسارات واضحة للاستثمار خاصة في ميدان المياه من إصلاح للشبكات وحوكمة للموارد.
فأين يكمن الخلل إذن؟ ربما في الهوة الكبيرة بين ما تدركه السلطة وما تقدم عليه من فعل، وبين سرعة تشخيص الإشكاليات وسرعة الاستجابة لها.
فالحكومة تزخر بعديد الإطارات المحنكة والمتمرسة والمتمكنة من دواليب التسيير والتخطيط والتنفيذ. بل إن مخطط التنمية 2026-2030 (ومنطقيا قانون المالية لسنة2027 المنتظر منتصف أكتوبر) يقدّم بدوره عناوين إصلاحات كبرى من قبيل الاستثمار والأمن المائي والطاقي وإنقاذ المؤسسات العمومية. لكن كيف تُتَرجم تلك العناوين إلى اعتمادات مالية، ومشاريع، وإصلاحات، وآجال تنفيذ ونتائج قابلة للقياس بموارد مالية محدودة ومناخ عام متأزم؟

…وملفات الاقتصاد الاخرى؟
ليس ملف المياه سوى المثال الأكثر وضوحاً على هذه المعضلة، فالكل يحيط علما بحجم ندرة الموارد المائية و مخاطر تقلب المناخ وخسائر الشبكات واستنزاف المياه الجوفية. لدينا استراتيجية «مياه تونس 2050» مع كل ملحقاتها من دراسات ونماذج وتقديرات مالية، ولدينا اليوم تقرير جديد للبنك الدولي يضع الكلفة الاقتصادية لعدم التحرك أمامنا بأرقام واضحة وصادمة نرجو أن تحدث الرجة التي نرنو لها كمواطنين واعين بحالة الطوارئ الهيدرولية. لكن ما ينطبق على الماء ينطبق، بدرجات مختلفة، على ملفات الاقتصاد الأخرى: الطاقة والانتقال الطاقي، الدعم، المؤسسات العمومية، الاستثمار، عجز الصناديق الاجتماعية، المديونية، الرقمنة، إصلاح المنظومة التربوية، تشغيل أصحاب الشهائد…
ولذلك، في الأفق القريب، فإن انتظار قانون المالية لسنة 2027 يتجاوز انتظار أرقام الميزانية والموازنات المحاسابية لوزارة المالية وكأنه تمرين مدقق مصاريف متربص. إنه سيكون، إلى حد ما، اختباراً لطريقة تعامل الدولة مع كل هذه التحذيرات وصافرات الإنذار والرايات الحمراء. هل ستعيد توجيه جزء أكبر من مواردها نحو الاستثمار المنتج، نحو الماء والطاقة المتجددة والنقل العمومي وسلاسل الإمداد النظيفة والصناعة والتحول الرقمي؟ هل ستتعامل مع المؤسسات العمومية باعتبارها ملفات إصلاح جذري واستثمار موجه، لا مجرد أعباء تمويلية متكررة؟ هل ستبحث عن مصادر نمو وتمويل مستدامة تتماشى مع حالة الطوارئ الإيكولوجية والتوتر الاجتماعي، أم ستواصل الاعتماد على حلول قصيرة الأمد لخلاص الأجور وتوريد المواد الأساسية وتسديد خدمات الديون؟
من سيطلع على تقري البنك الدولي؟
والسؤال نفسه ينطبق على تقرير البنك الدولي. كيف ستتعامل معه الدولة؟ هل ستطلع عليه وتناقشه بكل موضوعية وتجرد عن مصدره وتقبل ما تراه مناسباً وترد على ما تختلف معه فيه، ثم تحوله إلى عنصر من عناصر صناعة القرار؟ أم سينضم، ببساطة، إلى عشرات التقارير السابقة التي شخّصت الحالة التونسية نفسها، وحذّرت من المخاطر نفسها، واقترحت في كثير من الأحيان الحلول نفسها؟
لا يتعلق الأمر بأن البنك الدولي يعرف تونس أكثر من التونسيين، ولا بأن كل توصياته ينبغي أن تُقبل كما هي. السيادة لا تعني رفض المعرفة القادمة من الخارج، كما لا تعني تطبيقها آلياً. السيادة الحقيقية هي امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة، وقراءة المعرفة القادمة من الخارج، ومناقشتها ونقدها، ثم اتخاذ القرار الوطني على أساس كل ذلك الزخم.
فالمأزق التونسي منذ سنوات، لحد ما، ليس في عجز العقل عن فهم ما يحدث، بقدر ما هو في قدرة الإرادة على تحويل ما يعرفه العقل إلى قرار، والقرار إلى إصلاح، والإصلاح إلى نتائج ملموسة.
——-
*مختصر رابع وأخير من مقال مطول يمكن قراءته كاملا في عدد الشعب الورقية عدد 1920 المؤرخ في 1 اكتوبر 2026 أو على صفحة الكاتب في موقع فايسبوك.
