26.2 C
تونس
21 أكتوبر، 2026 01:36
جريدة الشعب نيوز
وثائقيوطني

الاخضر لالة مناضل كل الساحات: مسيرة لا يمكن اختصارها في مقال

الشعب نيوز/ خواطر – في أكتوبر 1970، أياما فقط بعد عودتنا للدراسة في المعهد الثانوي للذكور، طريق قابس بصفاقس (الهادي شاكر حاليا)، فوجئنا بمقيم جديد في المبيت، بدا لنا، وكأنه قادم من كوكب آخر. وزاد تعجبنا لما عرفنا انه من بلاد الجريد ومن نفطة تحديدا، ومصدر العجب ان الفتى أبيض البشرة، خفيف الشعر، ازرق العينين او يكاد، وفوق الكل اسمه الاخضر.

لم نكن نعرف في ذلك الزمن، ونحن الآتين من أرياف وقرى ولاية صفاقس شابا ينادونه الاحمر، الازرق، الاصفر، الاسود كما هو اسم “بينومنا” الجديد الاخضر لالة. ثمة الالقاب أما الاسماء الصغرى فلا.

قلته في مناسبة سابقة واعيد اليوم القول ان هذه الخصائص هي التي جعلت الاخضر لالة يدخل قلوبنا بسرعة ويندمج بيننا بدون اي حواجز او مركبات. وزدنا فـ”شخنا” على لهجته: واضحة، صافية، نقية، قريبة جدا من الفصحى وفيها بعض من الايقاع الموسيقي واللحن الموزون.

كانت سنة 1970 سنة مهمة في تاريخ تونس، فخلالها تم بالخصوص انهاء تجربة التعاضد ومحاكمة رجل تلك المرحلة احمد بن صالح، واعلان بعض اجراءات الانفتاح السياسي ومنها بالخصوص الافراج عن عدد من سجناء حركة “افاق” (برسبكتيف) وعودة الحبيب عاشور على رأس الاتحاد بعد ابعاده منه وسجنه سنة 1965 وغيرها . احداث وصلتنا بحكم وعينا المتقدم رغم صغر السن من جهة و من جهة أخرى بفضل البعض من أساتذتنا الاجلاء الذين كانوا لا يبخلون علينا اعلاما وشرحا وتأطيرا ومن بينهم أساتذة الفلسفة واللغات والتربية.

لذلك دخلنا في “معمعان” الحركة التلمذية الناشئة بدأ بالاحتجاج على الاكلة ونظام العقوبات ( la retenue) والمطالبة بتوفير الصحف في مكتبة المعهد ومشاهدة التلفزة، خاصة مباريات فريق “اجاكس” لكرة القدم كل اربعاء. كنا مجموعة من “المشاغبين” من بيننا الاخضر لالة الذي كان يتفوق علينا باحتكار الكلمة واستنباط الحجج التي لا تخطر على بال أحد، والقدرة الفائقة على النقاش والحجاج والجدال.

مدير المعهد في ذلك الوقت كان الاستاذ الهادي الزغل، رجل مثقف، حاصل على شهائده من فرنسا، اقول عنه اليوم انه ديمقراطي. كان سريع الانتباه الى اي تحرك تلمذي، لم يلجأ يوما الى العقاب ولم يسمح يوما لرجال الشرطة او لجان اليقظة الحزبية ان يدخلوا المعهد او ان يتدخلوا في اي تحرك قمنا به. كنت ورفيقي الاخضر اول من يدعوهما سي الهادي الى مكتبه للنقاش في اي مسألة وللاستفسار عن اي مطلب، وكذلك لسماع رأينا فيما يجري في البلد.

اتفقنا معه على انشاء مشربة داخل المبيت لفائدة المقيمين لانهم لا يخرجون كامل ايام الاسبوع وثمة من لا يخرج حتى يوم الاحد بسبب عقوبة الحجز (la retenue). وردا على اقتراحه بان نكون نحن الاثنين من يديرها، فرضنا توسيع الهيئة الى 6 تلاميذ لضمان تمثيلية المستويات الاخرى واجراء انتخابات حتى لا يقال اننا “متاع” الادارة والمدير تحديدا.

تجربة تعلمنا منها “القيادة” والتأطير والادارة، وكان لها انعكاس واضح على مستقبلنا و زادت من تمسكنا الشديد بالعمل من اجل مجتمع تسوده قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وغيرها من المبادئ السامية. ورسخت هذه القناعة من خلال حادثة السطو على مؤتمر الاتحاد العام لطلبة تونس المنعقد في قربة شهر أوت 1971 واجهاض تجربة الانفتاح الليبيرالي في الحزب الدستوري الحاكم عبر تغيير نتائج مؤتمره المنعقد في المنستير من نفس السنة، اضافة الى صدمة الانفتاح الاقتصادي السريع الذي كشف الفوارق بين الفئات والاجيال والجهات.

من خلال ما رأى، استوعب الاخضر لالة كل ما احاط بعملية السطو على اتحاد الطلبة واستبطن واجب الدفاع عنه قناعة منه ان ما جرى للمنظمة الطلابية كفيل بان يحصل لمنظمات وهياكل اخرى وربما لمجتمع او شعب باكمله. فلم نستغرب بالمرة لما وجدناه في مقدمة قيادات الحركة الطلابية التي لم تتوقف عن الاحتجاج منذ مطلع السنة الجامعية 1971-1972 وصولا الى يوم 5 فيفري من سنة 1972، لما استعملت السلطة كل وسائلها وهياكلها لقمع الطلبة وملاحقتهم لا فقط في محيط المركب الجامعي بل وفي كل الاجزاء وفي وسط المدينة حيث تمكن البعض من الوصول قريبا من الشارع الرئيسي.

تبعت تلك الملحمة سلسلة من الملاحقات والمحاكمات والاتعاب والمصاعب لم تفل من عزيمة المناضلين الذين واجهوا تعسف السلطة  باشكال مختلفة منها بالخصوص تأسيس الهياكل الجامعية المؤقتة وصولا الى المجموعات التي ظهرت من بعد في عدة اجزاء.

بعض من هذه المصاعب فرّقت سبلنا الى يوم من اوائل فيفري 1978 لما وصلتني عبر صديق مشترك رسالة خطية فيها سلام وتحية ومنشور يعلن تأسيس ” مجموعة 26 جانفي ” (Le Collectif du 26 Janvier) التي تكونت من عدد كبير من التونسيين المقيمين في فرنسا ومن بينهم الاخضر لالة طبعا، والتي آلت على نفسها ان تساند النقابيين الذين اوقفوا وتعرضوا للتعذيب اثر اضراب 26 جاانفي 1978 وحوكموا بالسجن وعلى رأسهم الزعيم الحبيب عاشور الذي قضت المحكمة في شانه بعشر سنوات اشغال شاقة.

ما فعلته تلك المجموعة لا يُقاس باي مقياس، ولا يُقدّر باي ثمن، وهو يستحق ان يُدوّن ويُحفظ لا فقط في الذاكرة النقابية بل في الذاكرة الوطنية عامة باعتباره عملا نضاليا و انسانيا وحقوقيا ساهم في انقاذ النقابيين من حبل المشنقة الذي طلبته لهم النيابة العمومية اثناء محاكمتهم في اكتوبر 1978 ودفعت الى اخراج الزعيم الحبيب عاشور من السجن منتصف سنة 1979 ووضعه تحت الاقامة الجبرية في بيته.

من بين ما فعلته المجموعة انها طبعت بطاقة بريدية على وجهها الاول عبارتا “الحرية للحبيب عاشور” و”الاستقلالية النقابية” مع صورة له وفي وجهها الثاني من جانب اول المطالبة بالافراج غير المشروط عن الحبيب عاشور الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ووقف كل الاجراءات المتخذة ضد الحبيب عاشور لمنعه من ممارسة مسؤولياته النقابية. أما الجانب الثاني من الوجه الثاني فقد حوى اسم الرئيس الحبيب بورقيبة وعنوان اقامته في القصر الرئاسي بقرطاج باعتبار ان البطاقة موجهة اليه.

تصوروا ان البطاقة طبعت في 50 الف نسخة ووصلت كلها الى تونس. ولكم ان تعلموا ان الامين العام للكنفدرالية العامة للشغل CGT هنري كرازوكي، على سبيل المثال، جاء الى تونس وزار النقابيين المقيمين في سجن 9 افريل وأهدى لعدد منهم لباسا رياضيا (Survêtement) حتى يقوموا بالحركات الضرورية التي تقيهم تصلّب العضلات وانسداد الشرايين وما ينجر عنهما من امراض بسبب قلة الحركة والمشي . فعل ذلك من خلال تجربته السجنية لدى النازيين الالمان.

وعاد سنة 1985 ليفعل نفس الشيء حيث ندد بالاستيلاء على مقرات الاتحاد وسجن الحبيب عاشور وتنصيب من سماهم محمد مزالي الوزير الاول آنذاك بـ”الشرفاء”. وبقي على العهد ملتزما بالوقوف الى جانب الاتحاد في السراء والضراء وواكب العديد من مؤتمراته وارتبط بعلاقات قوية مع الكثيرين من قياداته ومناضليه يلتقيهم في تونس كلما جاءها زائرا وكذلك في فرنسا.

تجدونني الان مدفوعا الى الحديث عن نشاط الاخضر في فرنسا. فقد عاين اوضاع التونسيين المقيمين هناك وبادر بتأسيس “جمعية التونسيين بفرنسا” (ATF) قناعة منه ان الامر يتعلق بكل التونسيين وليس بفئة دون أخرى في حين اختار آخرون تأسيس “اتحاد العمال المهاجرين التونسيين” (UTIT) و”فيدرالية التونسيين مواطني الضفتين” (FTCR) وغيرها كثير في بقية المدن الفرنسية.

لا أذكر،على الاقل منذ 1992 انني كلما ذهبت الى باريس، أخطأت اللقاء مع الاخضر، في مكتب جمعيته او في بيته او في اي مكان تحتمه الظروف. كان واجبا ان يتم ذلك اللقاء برغبة من الطرفين، احياء لذكرى ماض سعيد ولكن ايضا للنقاش في عدة مسائل تهم الشان النقابي والوطني عموما. ولان نشاطه في تونس كان كثيفا ايضا بحكم انتمائه الى حركة التجديد والتصاقه بالاتحاد والحركة الديمقراطية عموما فقد كانت اللقاءات تتم بنفس الوتيرة والشغف.

وكم كانت سعادتي كبيرة عندما فاجأني، ذات مرة، ابني البكر المرحوم خلدون بتحية حارة من صديقي وصديقه هو الاخر، الاخضر لالة، الذي تعرّف عليه في باريس، لما كان طالبا هناك، ونشأت بينهما علاقة وطيدة. ألم كبير يعتصرني وحزن شديد يتملكني هذه الايام بالذات باعتبارها صنو لمثيلات لها عشتها منذ 10 سنوات كونها السابقات لوفاة العزيز خلدون في مثل هذا الشهر من سنة 2016. وزاد حزني لما علمت اليوم بوفاة الاخضر.

آخر أخبار الاخضر وصلتني قبل نحو سنة فقط أو ربما اقل، عندما اعلمني ابني مروان انه سيتأخر بعض الوقت حتى يرافق الاخضر الى بيته في ضاحية بومهل جنوب العاصمة. ابتسمت  وفي قرارة نفسي حسدت الاخضر على طاقته العجيبة في تجديد اللقاء وسهولة التفاعل مع الاجيال الشابة، ينافسها ويتحداها، لا لينتصر عليها بل لكي لا ينهزم أمامها.

لكن هاهو الموت يهزمه ويأخذه منا ومعه ضحكاته وفرقعاته في النقاش والجدل، و هاهو الموت يحرمنا أيضا من غضبه الطفولي ومن فرصة أخيرة لترضيته مقابل نكتة جريدية صميمة ” نتفلق بعدها كيخا كيخا بالضحك” على حد تعبير زميلنا في الدراسة نجا الزواري.

ليس هذا الذي كتبت على عجل الا غيض من فيض لا يمكن ان تسعه اي مساحة. والحقيقة ان سيرة الاخضر لالة  ومسيرته في تونس وخاصة نشاطه في فرنسا تستحقان كتابا يأتي على كل التفاصيل ومنها اضافة الى ما ذكرت نضاله السياسي ضمن حركة التجديد وترشحه للانتخابات التشريعية ذات سنة و سخريته “الجريدية النفطية ” من عدد الاصوات التي منحتها له وزارة الداخلية والتي قال متندرا انها اقل من عدد افراد عائلته في نفطة .

انما المرء حديث من بعده.

رحم الله اخانا وصديقنا ورفيقنا الاخضر لالة واسكنه فراديس الجنان ورزق عائلته وذويه وأصدقاءه ورفاقه في تونس وفي فرنسا جميل الصبر والسلوان. وانا لله واليه راجعون.

مقالات مشابهة

حملة «Stop Pollution» تدعو إلى وقفة تضامنية أمام المحكمة الابتدائية بقابس

فريق النشر Echaab News

من سرت إلى مصراتة.. الساعات الأخيرة في حياة معمّر القذافي

فريق النشر Echaab News

رجاء الدهماني: النضال مرتبط بالحياة اليومية للنساء ومشاركتهن في تحديد مطالبهن وصياغة الحلول

فريق النشر