جريدة الشعب نيوز
وطني

ق.م.م2027: مشروعا قانون المالية والميزان الاقتصادي لا يتسقان مع مخطط 26-30

الشعب نيوز / الهادي رشاد حشوش  –
تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية  في مدى اتساق مشروعي قانون المالية والميزان الاقتصادي لسنة 2027 مع المخطط التنموي 2026-2030، باعتباره حجر الزاوية في المشروع التنموي الذي تتبنّاه السلطة الحالية، والقائم على”إعادة النظر في المنوال التنموي السابق”، و”تعزيز العدالة الاجتماعية” و”إعادة توزيع الثروة”، وفق “مقاربة تصاعدية تنطلق من المستوى المحلي، مروراً بالجهوي، وصولاً إلى الوطني”.
ويقتضي تقييم هذا الاتساق التثبّت من مدى ترجمة هذه التوجهات إلى أولويات واضحة، ومشاريع ممولة، وآجال إنجاز محددة، ونتائج قابلة للقياس.
من الضروري التوضيح أيضا أن مشروعي قانون المالية والميزان الاقتصادي، بحكم طبيعتهما السنوية ووظيفتهما “التقنوية” لا يُفترض أن يعيدا “سلخ” المخطط التنموي 26ـ30 أو أن يستنسخا توجهاته حرفياً. غير أن اختلاف طبيعة هذه الوثائق لا ينفي ضرورة التكامل والانسجام بينها، بما يضمن ترجمة التوجهات الاستراتيجية للمخطط إلى أولويات سنوية واضحة، وإجراءات ملموسة، واعتمادات مالية تتناسب مع الأهداف المعلنة ودقة اللحظة. ومن هذا المنطلق، سنركّز على ثلاثة محاور رئيسية لقياس الفجوة بين الطموح التنموي وترجمته في الخيارات الاقتصادية والمالية لسنة 27 وهي محاور تتجاوز أهميتها حدود التوازنات السنوية للميزانية، لترتبط بقدرة النموذج التنموي على إحداث تحول هيكلي يقطع مع العهدات السابقة وعلى تحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، سنعتمد تمرينًا عمليًا يقوم على أربع مراحل: أولًا، تحديد الأهداف الكمية التي رسمها المخطط للفترة 2026-2030؛ ثانيًا، تقييم ما تحقق منها فعليًا خلال سنة 2026؛ ثالثًا، إضافة ما يُنتظر إنجازه سنة 2027 وفق ما يتضمنه مشروعا قانون المالية والميزان الاقتصادي؛ وأخيرًا، احتساب ما سيتعيّن تحقيقه خلال السنوات الثلاث المتبقية، 2028 و2029 و2030، لبلوغ الأهداف المعلنة. والغاية ليست إجراء مقارنة شكلية بين الوثائق، وإنما اختبار مدى واقعية المسار التنموي، وتحديد حجم الجهد الإضافي المطلوب، والكشف عمّا إذا كانت الخيارات الاقتصادية والمالية الحالية تتيح فعلًا بلوغ الأهداف أم تؤجّل الجزء الأصعب من تحقيقها إلى السنوات الأخيرة من المخطط.
في خصوص الاستثمار وخلق الثروة، يستهدف المخطط التنموي تحقيق نمو سنوي متوسط بـ4.2% خلال الفترة 2026ـ2030، وتعبئة نحو 102 مليار دينار لإنجاز قرابة 21،100 مشروع، ورفع نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 20% بحلول 2030. غير أنّ تقديرات النمو لسنتي 2026 و2027، في حدود 2.4% و3.1% على التوالي، تعني حسابيًا أنّ بلوغ المعدل المستهدف يقتضي تحقيق نمو سنوي يقارب 5.8% خلال السنوات الثلاث المتبقية، وهو أمر شبه مستحيل بالنظر إلى كل المعطيات الموضوعية والذاتية المتوفرة. وتتعمّق هذه الفجوة عند النظر إلى الاستثمار، إذ لا تتجاوز النسبة المنتظرة لسنة 2027 نحو 16.4% من الناتج، مقابل 20% مستهدفة في أفق 2030. كما لا تبدو التدابير الواردة في مشروع قانون المالية كافية، في حجمها وأدواتها التمويلية، لتوضيح كيفية تعبئة الاستثمار الخاص بالنسق اللازم لتحقيق أهداف المخطط، خاصة في ظل محدودية الموارد العمومية وضغط حاجيات التمويل. وهكذا، لا يتعلق الأمر فقط بالفارق بين أهداف معلنة وتوقعات سنوية، وإنما أيضًا بمدى قدرة الخيارات المالية على توفير الشروط اللازمة لرفع الاستثمار المنتج، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحويل النمو إلى خلق فعلي ومستدام للثروة.
أما في محور السيادة الطاقية، فيكشف ما عاشته تونس خلال صائفة 2026 عن حجم التأخر في الانتقال الطاقي؛ إذ لم تتجاوز القدرة الإنتاجية المتاحة نحو 4500 ميغاواط، مقابل ذروة استهلاك فاقت 5600 ميغاواط، فيما ظلّ إنتاج الكهرباء معتمدًا بنسبة تقارب 95% على الغاز الطبيعي، الذي يُستورد نحو 60% من حاجياته من الجزائر. وفي المقابل، يستهدف المخطط التنموي 2026ـ2030 رفع حصة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 35%، مقابل نحو 12% مقدّرة لسنة 2026. أما بالنسبة إلى سنة 2027، فتستهدف التقديرات الحكومية بلوغ 16%، من خلال تطوير نحو 1600 ميغاواط من القدرات المتجددة، موزعة بين مشاريع اللزمات والتراخيص والإنتاج الذاتي. وبذلك، إذا تحققت نسبة 16% سنة 2027، فسيظلّ بلوغ هدف 2030 يتطلب رفع حصة المتجدّدات بـ 19 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات، أي بمعدل يزيد على ست نقاط سنويًا. وهو تسارع كبير يستوجب إنجاز المشاريع المعلّقة، وتعبئة استثمارات إضافية ضخمة، وتطوير التخزين والشبكة، إلى جانب ترشيد الاستهلاك. ورغم خطة «الستاغ» التي أُعلنت إثر أزمة هذا الصيف، بما تتضمنه من تعزيز قدرات الإنتاج والتخزين وإضافة مشاريع متجددة، يصعب تبيّن مدى ترجمة هذه الأولويات إلى اعتمادات وتمويلات وآجال تنفيذ واضحة في ميزانية 2027. فكيف ستنتقل تونس من 12% سنة 2026 إلى 35% سنة 2030، إذا لم تتضح منذ الآن المشاريع الممولة والقدرات التي ستدخل حيز الاستغلال كل سنة؟
كذلك، يستهدف المخطط التنموي خفض عجز الميزانية إلى نحو 3% من الناتج الداخلي الخام، وحصر الدين العمومي في حدود 80% بحلول 2030، في حين تُقدّر نسبة العجز لسنة 2026 بنحو 6% والدين بـ83.4% من الناتج. أما في 2027، فرغم غياب تقدير رسمي واضح لنسبة العجز، فنرجح أن تظل في حدود 5.5% إلى 6%، بالنظر إلى ارتفاع النفقات إلى 68.9 مليار دينار مقابل 54.3 مليارًا من المداخيل. وهنا تبرز مفارقة أساسية: قد يبدأ سداد التمويلات الاستثنائية السابقة من البنك المركزي سنة 2028، بحسب تاريخ صرفها وشروط الاتفاقيات، بما يضيف ضغوطًا جديدة على الخزينة. وفي غياب إصلاحات هيكلية ترفع النمو والمداخيل وتضبط النفقات، فإن خفض العجز من نحو 5.5% ـ 6% سنة 2027 إلى 3% سنة 2030 يقتضي تقليصه بنحو نقطة مئوية سنويًا، وهو مسار بالغ الصعوبة في ظل استمرار ارتفاع حاجيات التمويل.
(يتبع)
من مقال مطول نشر في الشعب الورقية بتاريخ 29 اكتوبر 2026.

مقالات مشابهة

إنقطاع و إضطراب في توزيع الماء الصالح للشرب بجربة يوم الثلاثاء

فريق النشر Echaab News

هيئات التحرير في الإعلام العمومي : ضمانة مهنية غائبة ومخاطر متزايدة على الإستقلالية

فريق النشر Echaab News

سحب القاطرة العالقة بأحد أنفاق الخط الحديدي الرابط بين المتلوي والثالجة

فريق النشر Echaab News