الشعب نيوز / تونس – وأنت تدخل السوق بالمدينة العتيقة، تستقبلك نقرات متتالية تتعالى من بين أزقته الضيقة، وكأنها إيقاع موسيقي يعزفه الحرفيون بأدواتهم، فيتحول صوت النقش على النحاس إلى فنّ يروي حكاية المكان وأصالته. هناك، تختلط أصوات الصناع بحركة التجار والزوار، وتنبض المحلات بذاكرة أجيال تعاقبت على ممارسة الحرف والمحافظة على الموروث التقليدي.
وفي جولة داخل هذه الأجواء، رصدت عدسة «الشعب نيوز» جانباً من هذا المشهد الذي لا يزال يقاوم تغيرات الزمن.
في أزقة السوق، تتنوع الحرف والصناعات التقليدية التي تعكس ثراء الهوية التونسية، من النقش على النحاس وصناعة الأواني والتحف المزخرفة، إلى المنتجات الجلدية من حقائب وأحذية تقليدية، مروراً بالزرابي والمنسوجات ذات الألوان والزخارف المتنوعة، فضلاً عن الخزف الذي يجمع بين جمال التشكيل ودقة الزخرفة وتناسق الألوان.
ولا يمثل الخزف مجرد قطع فنية تزيّن البيوت والفضاءات، بل هو حرفة متجذرة في الذاكرة الشعبية، وفن يتطلب مهارة وصبراً ومعرفة بتقنيات تشكيل الطين وتجفيفه وحرقه وتزيينه.
كما يشكل مورد رزق لعدد من الحرفيين والعائلات، من خلال صناعة الأواني والتحف والقطع الزخرفية التي تجد طريقها إلى الأسواق وإلى الزوار الباحثين عن منتجات تحمل خصوصية التراث التونسي.
وتظل هذه الصناعات، على اختلاف أشكالها، أكثر من مجرد أنشطة تجارية؛ فهي مصدر رزق لعائلات توارثت المهنة جيلاً بعد جيل، وفضاء للإبداع والتعبير عن الهوية الثقافية. فالحرفي الذي ينقش النحاس، والصانع الذي يشكل الطين، والنسّاج الذي ينسج الزرابي، لا يقدمون منتجاً للاستهلاك فحسب، بل يحافظون على معارف ومهارات تختزل تاريخاً من العمل والخبرة.
لكن خلف هذا المشهد التراثي يبرز تساؤل مهم حول مستقبل هذه الحرف ومدى قدرة الجيل الجديد على مواصلة حمل مشعلها، في ظل تغير أنماط الاستهلاك وتطور الصناعات الحديثة وتراجع الإقبال على بعض المنتجات التقليدية.
فهل يجد الشباب في هذه المهن فرصة للاستثمار والعمل والإبداع، أم أن صعوبات التسويق وارتفاع كلفة الإنتاج ومحدودية العائدات قد تدفعهم إلى الابتعاد عنها؟
إن المحافظة على هذا الإرث يتطلب تشجيع الشباب على تعلم الحرف، وتوفير فرص التكوين والتأطير، ودعم الحرفيين في تسويق منتجاتهم، والاستفادة من الوسائل الرقمية للتعريف بها وتوسيع أسواقها، مع تطوير التصاميم وأساليب الإنتاج دون التفريط في أصالتها.
فالأسواق التقليدية ليست مجرد فضاءات للبيع والشراء، بل هي ذاكرة حية للمدينة العتيقة، ومصدر للرزق، ومدرسة مفتوحة للفن والإبداع واستمراريتها مسؤولية مشتركة تضمن ألا تتحول مهارات الأجداد إلى مجرد صور في ذاكرة الماضي، بل تظل حاضرة في حياة الأجيال القادمة.
فهل يكون الجيل الجديد امتداداً لأيدي الأجداد، ويحمل مشعل هذه الحرف نحو المستقبل؟
*شرح صور :
1. النقش على النحاس: حرفي يشتغل على قطعة نحاسية مزخرفة، مستعملاً أدوات تقليدية ودقة في النقش تعكسان خبرة متوارثة عبر الأجيال.
2. المنتجات الجلدية والأحذية التقليدية: واجهة أحد المحلات بالمدينة العتيقة، حيث تتنوع الحقائب الجلدية والأحذية التقليدية من حيث الأشكال والألوان، في مشهد يجمع بين الحرفة والتجارة.
3. الزرابي والمنسوجات التقليدية: نماذج من الزرابي والأغطية والمنسوجات المزخرفة التي تبرز تنوع الألوان والرموز والنقوش المستوحاة من التراث التونسي.
4. تنوع الصناعات التقليدية: مشهد من أزقة السوق يجمع الملابس التقليدية والمنتجات النحاسية والسلال المصنوعة من الألياف الطبيعية والمنسوجات والأحذية، ويعكس ثراء المعروضات وتعدد الحرف.

صور منتصر العكرمي
