وطني

المساعدات الاجتماعية: 300 دينارا وماذا بعد ؟

 بقلم د. بدر السماوي
    انطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية في بداية هذا الشهر في صرف مساعدة استثنائية وظرفية  قيمتها 300 دينارا لفائدة الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل وفئات أخرى مثل أصحاب الجرايات الذين لا يتجاوز دخلهم العائلي الشهري 300 دينارا والأجراء العاملين لحسابهم الخاص المنخرطين بإحد أنظمة الضمان الاجتماعي الذين تضرروا جراء الكوفيد 19 والفئات التي لا تتمتع بأي تغطية اجتماعية.

وقد أقرت هذه المساعدات حكومة المشيشي في إطار تجسيم اتفاق القرض المبرم بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير في 2 افريل 2021 الذي يهدف إلى المساهمة في تمويل مشروع الحماية الاجتماعية للتصدي العاجل لجائحة كوفيد 19 والمتعلق بتمويل التحويلات الاجتماعية الموجهة للعائلات الفقيرة والعائلات المحدودة الدخل. وعند إتمام الاستعدادات لصرفها أذن رئيس الجمهورية بتوحيد المبلغ ليصبح 300 دينارا بعد أن كان ينقسم إلى 180 دينار لبعض الفئات و 300 دينارا لفئات أخرى. 

منصة الكترونية صعبة المنال
ولئن كان من الطبيعي أن يرحب المنتفعون بهذه المساعدات باعتبارها جاءت في ظروف تميزت بغلاء فاحش في الأسعار وتزامنت مع العودة المدرسية وما تتطلبه من نفقات إضافية فإنهم استاؤوا من الصعوبات الفنية التي اعترضتهم في طريقة الحصول عليها. فقد أعدت وزارة الشؤون الاجتماعية منصة إلكترونية لتمكين الفئات التي لم يسبق لها الحصول على مساعدات من التسجيل عوض تقديم مطالب ورقية وقامت بحملة إعلامية ضخمة قبيل تاريخ انطلاق عملية التسجيل.

وبقدر ما استحسن بعض المتدخلين مثل الأخصائيين الاجتماعيين هذه الطريقة بالنظر إلى ما حصل السنة الفارطة من اكتظاظ وازدحام شديدين بمناسبة إسناد منحة 200 دينارا وما انجر عنه من أخطار صحية بقدر ما مثلت المنصة الجديدة كارثة بأتم معنى الكلمة من الناحية الفنية بسبب رداءتها وبطئها وعدم تمكنها من استيعاب العدد المرتفع من المطالب الذي كان متوقعا. قد أكد مختصون في المجال أنه كان بالإمكان إعداد منصة أفضل لما يتوفر لدينا من كفاءات. ولم تتوقف الكارثة عند هذا الحد بل امتدت للبعض ممن نجحوا في تخطي امتحان التسجيل بعد رفض مطالبهم مما خلف استياء كبيرا لديهم وهو ما يدل على أن المقاييس كانت مشطة مقارنة مع القيمة الضئيلة للمساعدة ومع الدعاية الإعلامية التي صاحبتها بما يصح عليه المثل الشعبي " الزغاريد أكثر من الكسكسي".  

الفقر سابق للكوفيد_19
وتطرح الإشكاليات المذكورة أعلاه التساؤل حول مدى صحة مواصلة الاعتماد على هذه الآليات  للحد من الفقر الذي لم يكن سببه المباشر الكوفيد 19 بل هو سابق له ولم يقم الوباء إلا بتعميقه وكشف فداحته. ويتمثل الجواب على التساؤل بصفة أولية في التأخر في تطبيق برنامج الأمان الاجتماعي المحدث بمقتضى القانون الأساسي الصادر منذ جانفي 2019 وخاصة ما يتصل بتركيز الجهاز الإداري المكلف بتسييره وهو الوكالة الوطنية للإدماج والتنمية الاجتماعية التي تأخرت وزارة الشؤون الاجتماعية في إعداد مشروع الأمر الحكومي الخاص بها وفي إحالته إلى المجلس الوطني للحوار الاجتماعي.

أما على المدى البعيد فإن التجاوز يمر عبر التقدم في تبني مقاربة حقوقية تكرس الحماية الاجتماعية الشاملة طبقا للتوصية عدد 202 لسنة 2012 الصادرة عن منظمة العمل الدولية. فقد اكتفت الحكومات السابقة بإطلاق الوعود وتنظيم الملتقيات وتحرير الدراسات حول شمولية الحماية الاجتماعية وواصلت في الآن نفسه الاعتماد على القروض الأجنبية لإسناد مساعدات ظرفية عوض التوجه نحو تركيز حماية اجتماعية تضمن الحق في الصحة للجميع وتوفر حدا أدنى من الدخل لمن ليس لهم دخل وتمول من الموارد الذاتية للدولة.

لكن الأمل بعد قرارات 25 جويلية ما زال قائما للحد من الفقر وتحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة ومن بين المؤشرات الحملات التي أطلقها رئيس الجمهورية في مجال مقاومة الاحتكار ومحاصرة التهريب وكشف بؤر الفساد بما يساهم في تحسين ظروف الحياة وتوفير الشغل وصيانة المرافق العمومية على شرط أن تندرج في إطار استراتيجية وطنية علمية تطوي صفحة الثلاثمائة دينارا وما شابهها.