وثائقي

مذكرات العميد منصور الشفي(22) عن أزمة 1965: الهادي نويرة، الهادي البكوش وبورقيبة يدعو عاشور الى مأدبة غذاء

الشعب نيوز/ مذكرات العميد منصور الشفي - بعد خروج الحبيب عاشور من السجن المدني بتونس في غرة جوان 1966، عاد لزيارة صفاقس باستمرار وكان في أغلب الحالات يزور والي صفاقس الهادي البكوش (حوكم أواخر الستينات ثم عاد للحكم كمستشار لدى الوزير الاول الهادي نويرة  ثم وزيرا فوزير أول)، فتكوّنت بينهما صداقة. وللتذكير فإنّ الناصر مخلوف هو الذي أخفى بمنزله الهادي نويرة عندما هدّدته اليد الحمراء بالقتل وقد كان من أكبر أصدقائه.

محامي وصديق

من جهة أخرى، كان الحبيب عاشور و الهادي نويرة – وهو محام -منذ أن تولّى هذا الأخير الدفاع عنه في قضية اضراب و أحداث 5 أوت من سنة 1947 بصفاقس قد أصبحا من أكبر الأصدقاء.

وبعد أن تمّ إيقاف عاشور في القضية التي نحن بصدد الحديث عنها وبمجرد أن خرج من سجن صفاقس في أواخر شهر جويلية 1965، طلب مني مرافقته لزيارة الهادي نويرة الذي كان آنذاك محافظا للبنك المركزي وقد وجدنا معه المحامي الاستاذ عثمان بن علية الذي كان من أصدقائه وبالأخص من أصدقاء أحمد التليلي.  لم نبق طويلا في مكتبه، وعند مغادرتنا له، سلّم ملفا للحبيب عاشور الذي ذكر لي فيما بعد انه يحوي وثائق سترسل لأحمد التليلي في منفاه بسويسرا.

في قصر سقانص

لكن دعوني أعود لسرد الاحداث في تسلسلها. فبعد خروج الحبيب عاشور من السجن بداية جوان 1966 تهيّأ لتمضية فصل الصيف في قرقنة وهناك وقعت مخاطبته ودعوته لمقابلة بورقيبة يوم 4 أوت 66 بقصر «سقانص» بالمنستير. ومن وقتها تحسنت العلاقة بين الرجلين بعد ان انقطعت لمدة تجاوزت السنة.

وبمناسبة عيد الأضحى لنفس السنة، إستدعى الرئيس بورقيبة الحبيب عاشور وزوجته للحضور مع أقاربه لتناول طعام الغذاء وقد أظهر له بورقيبة عطفا وتحدثا خاصة عن مؤتمر الحزب الدستوري الذي انعقد بصفاقس سنة 1955 بتدبير من الحبيب عاشور وهو المؤتمر الذي انعقد في غياب صالح بن يوسف منافس بورقيبة وتم خلاله حسم الخلاف بينهما، المتعلق بقبول الاستقلال الداخلي من عدمه.

لم يتحدث الحبيب عاشور مع بورقيبة حول الاوضاع السياسية الراهنة آنذاك وكأن الحبيب بورقيبة أراد أن يشعر عاشور بأن علاقهما مستقبلا سوف لن تكون الاّ علاقة شخصيّة محضة بعيدة عن تجاذبات السياسة. والحقيقة التي استطعت معايشتها طيلة تلك الحقبة ان الحبيب عاشور كان لا يهتمّ الا بالعمل النقابي ولم يكن يعير العمل السياسي داخل الحزب اية اهمية ولم تكن له أيّة رغبة في العمل السياسي داخل الحزب الحاكم. فالاتحاد العام التونسي للشغل والعمل داخله وعلى رأسه اوّلا ثم العمل السياسي داخل الحزب ثانيا عندما يقتضي الامر ذلك. 

الاتحاد أوّلا

وعلى عكس أحمد التليلي فإن العمل السياسي يفرض نفسه في المقام الاول سواء داخل الحزب الحاكم او خارجه وكان يطالب بإيجاد صيغة تبرز فيها إستقلالية المنظمة النقابية سواء عند إختيار النقابيين لقياداتهم أو في مجال عملهم اليومي.

وتصوّر كل من الحبيب عاشور وأحمد التليلي كان بعيدا عن تصوّر الحبيب بورقيبة الذي كان يرى ان عمل الحزب والمنظمات القومية بما في ذلك الإتحاد العام التونسي للشغل لا يكون إلاّ في نطاق الوحدة القومية، فالحزب الدستوري له القيادة وللمنظمات التنفيذ. وكان يعتبر ان الإتحاد العام التونسي للشغل في عهد البشير بلاغة (والي تونس الذي عين أمينا عاما للاتحاد بعد سجن الحبيب عاشور)  مسايرا لهذا التصوّر مع انه أصبح هيكلا فارغا.