آراء حرة

قراءة في علاقة السلطة بالعمل النقابي في تونس- من النشأة إلى وقتنا الراهن

الشعب نيوز / عبد العزيز بوعزي الكاتب العام المساعد للإتحاد الجهوي للشغل بالقصرين -   1/تلازم البعدين الاجتماعي والوطني في نضال الاتحاد  1946-1956- الجزء الثاني -

لم يكن أمام الاتحاد العام التونسي للشغل بعد تأسيسه غير الانحياز إلى صف جماهير الشعب إنطلاقا من الواقع الذي عاشته البلاد بعد الحرب العالمية الثانية من تسلط استعماري على مقدرات البلاد وتردي الوضع الاجتماعي من تهميش وجوع وتشرد وخصاصة وبطالة عمقتها السياسة الاستعمارية المنحازة إلى صف الجاليات الأجنبية على حساب أبناء الشعب. وأصبحت توجهات الاتحاد لا تختلف عن توجهات الحركة الوطنية من أحزاب ومنظمات بل متقدمة في طرحها على العديد منها. 

وقد أكد الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه في مرحلة تجذر الحركة الوطنية وتنامي الوعي على تلازم البعدين الوطني والنقابي في نضاله وهو ماتضمنه قانونه الأساسي الذي نص في الفصل الثاني منه على: "الدفاع عن الحريات الديمقراطية العامة والحقوق الطبيعية للفرد". وطالب في مؤتمره الثالث في أفريل 1949 بحل المجلس التأسيسي وتعويضه ببرلمان وطني منتخب انتخابا حرا مباشرا  وبحكومة تونسية حقيقية، وإصدار قانون الوظيفة العمومية وتأميم الشركات الكبرى وجميع المؤسسات ذات المصلحة العامة إلى جانب تحسين أوضاع الشغالين واحترام الحريات النقابية وإجبارية التعليم. وتأكد الموقف من الاستعمار ومن المطالب الوطنية بشكل واضح وصريح في المؤتمر الرابع (مارس 1951) الذي أكد أن "خدمة القضية "القومية" واجبنا الأول"وقال خلاله حشاد:"لا سبيل إلى تحقيق هدف واحد من أهدافنا النقابية إلا إذا بدلنا النظام السياسي الاستعماري المنافي للمصلحة الوطنية بنظام اقتصادي وسياسي قومي بحت".

أما على مستوى النشاط العملي فإن الاتحاد ساهم مساهمة فعالة في الحركة الوطنية. ويتجسد هذا الدور في عدة مستويات نذكر منها الإضرابات العامة  كالإضراب العام في 4أوت 1947 إضراب أيام 21-22-23 ديسمبر 1951 الذي شاركت فيه بقية المنظمات الوطنية والنقابية (اتّحاد النّقابات) وإضراب 1 فيفري 1952 احتجاجا على عمليات التمشيط والقمع في الوطن القبلي وإضراب 1 أفريل 1952 احتجاجا على تردي أوضاع الحريّات وعلى ممارسات المقيم العام تجاه السلط التونسية (إبعاد أربعة من الوزراء التونسيين بمن فيهم محمد شنيق الوزير الأكبر إلى الجنوب، الضّغط على الباي لسحب الشكوى ضدّ فرنسا أمام مجلس الأمن. وفي غياب القيادة السياسية التي وقع تشتيتها في السجون والمنافي تكفلت قيادة الاتحاد بتنظيم المقاومة ضد الاستعمار سواء كانت في شكل مظاهرات أو مقاومة مسلحة.

ونشير أيضا إلى أن قيادة الاتحاد لعبت دورا محوريا دفاعا عن القضية التونسية في علاقة بالمنظمات الدولية وخاصة منظمة الأمم المتحدة.

وقد تأكد هذا التوجه في مقال للزعيم فرحات حشاد بعنوان " أحبك يا شعب" مخاطبا كل الشعب التونسي ولم يقتصر على منخرطي الاتحاد أو الطبقة الشغيلة بالقول "أحبك يا شعب تونس الذي امتحنك الدهر وامتحنته فعرف فيك الشجاعة مع الإخلاص وعرف فيك الصبر مع المثابرة... أحبك في وحدتك عند المصائب وتكتلك أمام الخصم وصمودك أمام العدوان".

و كان من نتائج الدور الذي قام به الزعيم فرحات حشاد في قيادة الحراك النقابي والسياسي أن أقدمت سلطات الاستعمار على اغتياله يوم 5 ديسمبر 1952.

2/ دور الاتحاد في بناء دولة الاستقلال : نزعة الاحتواء والاستقلالية 

تجسد ذلك بانخراط الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب بقية المنظمات الوطنية والحزب الدستوري في أول انتخابات جرت بعد الاستقلال في 25 مارس 1957 والتي أسفرت على فوز " الجبهة القومية" وشارك الاتحاد في أول حكومة بأربعة وزراء وهم عز الدين العباسي، محمود الخياري، مصطفى الفيلالي والامين الشابي كما إحتل المئات من مناضليه مناصب في جهاز الدولة الجديدة.

لكن توجّه الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تضمنه تقريره الادبي المقدم في مؤتمره السادس في سبتمبر 1956 إلى جانب تأكيده على البعدين الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطية والذي ورد فيه "وأملنا لم ينقطع في أن قادة الرأي سوف ينهمكون في تسيير الأمة في طريق الحرية الحقة والرفاهية العامة في نطاق وحدة" قومية" تتحول إلى وحدة شعبية متخلصة من المتعنتين ومن محبي الاحتكار" قد اصطدم بنزعة الحبيب بورقيبة في احتكار السلطة حيث أنه لم يكن مستعدا لتبني البرنامج الاقتصادي الذي طرحه الاتحاد في مؤتمره السادس والذي كان يطمح أن يكون معبرا عن مصالح مجمل" الطبقات الشعبية " كما أن زعيم الحزب الحر الدستوري التونسي لم يكن مرتاحا لمنظمة تستند إلى قاعدة جماهيرية عريضة وشرعية تاريخية واسعة يحتمل أن تجعل منها "سلطة معاكسة contre-pouvoir.

لذلك فمن البديهي أن يعمل الحزب الحاكم على احتواء  الاتحاد العام التونسي للشغل وكل القوى والحساسيات السياسية المعارضة. وقد ساهم تركيز الاتحاد على البعد الاقتصادي الذي اقترن بمرور البلاد بظرفية اقتصادية صعبة مما أفضى إلى انتكاسة على الصعيد الاجتماعي قد ساهم في تراجع جماهيرية الاتحاد و اقترن كل ذلك بإرتفاع الانتقادات لمشاركة الاتحاد بأربع وزارات في الحكومة وقد وجد ذلك صدى واسعا في الجهات التي تقلصت مشاركتها في المكتب التنفيذي وخاصة جهة صفاقس التي رفعت شعار الاستقلالية على الأحزاب والسلطة. وقد لعب كل ذلك دورا في تدعيم التناقضات والمشاكل الداخلية للاتحاد التي أدت إلى الانشقاق وظهور الاتحاد التونسي للشغل في أكتوبر 1956 والذي لعب الحبيب بورقيبة المستفيد الأول من الانشقاق دورا كبيرا في تغذيته.

                                                                                                                                                                                                                       يتبع......