آراء حرة

رأي في السيادة الوطنية

الشعب نيوز/رياض الشرايطي: في الخطاب السياسي التقليدي، تعرّف السيادة الوطنية بأنها قدرة الدولة على ممارسة سلطتها دون تدخل خارجي، مستندة إلى الشرعية القانونية والدولية. هذا التعريف شكلي وساذج إذا لم يأخذ بعين الاعتبار علاقات القوة الاقتصادية والاجتماعية التي تتحكم في قرارات الدول، وتحدد مدى استقلاليتها الفعلية. فالسيادة ليست مجرد سيطرة قانونية على الحدود، بل هي تحرر فعلي من التبعية الرأسمالية العالمية، واستقلال القرار الوطني عن الإملاءات الخارجية، وتمكين الطبقات الشعبية من التحكم في مصيرها السياسي والاقتصادي.

فالاقتصاد هو البنية التحتية التي تحدد شكل السيادة. لا يمكن لدولة أن تكون "سيدة" إذا كانت تعتمد على نموذج اقتصادي تابع، يقوم على الاستيراد بدل الإنتاج، والاقتراض بدل التنمية، والتخصص في أدوار هامشية ضمن السوق العالمية. فالنظام الرأسمالي المعولم يعيد إنتاج التبعية عبر أدوات متعددة، أبرزها:

- الديون الخارجية والشروط النيوليبرالية التي تجعل الدول، خاصة في الجنوب العالمي، إلى المؤسسات المالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فتفرض عليها سياسات تقشفية تقوض قدرتها على رسم سياسات تنموية مستقلة، وتجعلها رهينة السوق الدولية.

- الاستثمارات الأجنبية المشروطة التي يستخدم فيها رأس المال العابر للحدود كأداة ضغط، فتفرض على الدول سياسات تخدم الشركات متعددة الجنسيات على حساب التنمية الوطنية.

-التحكّم في مقدّرات و ثروات و موارد البلاد الطّبيعية .

- التخصص القسري في اقتصاد ريعي أو خدماتي مما يجعل الدولة غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويتركها عرضة لابتزاز السوق العالمية وتقلبات الأسعار.

فإن تحقيق السيادة الاقتصادية يتطلب كسر هذه التبعية عبر سياسات تقطع مع منطق "الإدماج التابع" في النظام الرأسمالي العالمي، مثل:

- إعادة تأميم القطاعات الاستراتيجية لمنع تحكم رأس المال الأجنبي في مقدرات البلد.

- إقامة اقتصاد منتج يعتمد على الزراعة والصناعة بدل الاكتفاء بالخدمات والاستهلاك.

- التحرّر من هيمنة الدولار والمؤسسات المالية الغربية عبر بناء تحالفات جنوب-جنوب تعزز الاستقلالية النقدية والتجارية.

هذا إلى جانب السيادة السياسية التي لا تمارس بشكل متكافئ، بل تخضع لتوازنات قوى تحدد مدى قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة. فالقوى الإمبريالية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، إلخ) لا تحتاج دائما إلى احتلال عسكري مباشر للسيطرة على الدول، بل تعتمد على أدوات أكثر دهاء:

- التدخل عبر النخب المحلية: يتم تصعيد طبقات برجوازية مرتبطة بالمصالح الغربية، تعمل على تمرير أجندات التبعية في الداخل، سواء عبر سياسات اقتصادية أو خيارات سياسية منحازة.

- التلاعب بالمؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن، حيث تستخدم القوانين الدولية بشكل انتقائي لخدمة مصالح القوى الكبرى، بينما يترك للدول التابعة هامش ضيق للمناورة.

- الحروب بالوكالة والضغط العسكري غير المباشر، حيث يتم استخدام النزاعات الداخلية، وخلق أزمات سياسية لإبقاء الدول في حالة عدم استقرار تمنعها من ممارسة سيادتها الحقيقية.

فإنّ تحقيق السيادة السياسية يقتضي كسر هذه الهيمنة عبر

بناء تحالفات سياسية وعسكرية مضادة مع القوى المناهضة للإمبريالية.

وإعادة تشكيل الدولة على أسس شعبية ديمقراطية تعكس إرادة الفئات العاملة، بدل أن تكون أداة في يد الأوليغارشية المرتبطة بالخارج.

مع مقاومة الأدوات الناعمة للهيمنة مثل التمويل الأجنبي للمنظمات، والتدخل الثقافي والإعلامي الذي يعيد إنتاج الخضوع.

هذا دون نسيان السيادة الثقافية و الهيمنة الإيديولوجية والاستلاب الفكري ،

إذ لا تقتصر الهيمنة الإمبريالية على الاقتصاد والسياسة، بل تمتد إلى الوعي والثقافة. فمن خلال الإعلام، والبرامج التعليمية، وصناعة الترفيه، يتم فرض نموذج ثقافي يخدم مصالح السوق الرأسمالية، ويعيد إنتاج علاقات التبعية.

فالخطاب الثقافي السائد في الدول التابعة عادة ما يعزز قيما كتمجيد الاستهلاك والتماهي مع أنماط حياة البذخ البورجوازي، مما يضعف أي نزعة استقلالية.

وإعادة إنتاج تصورات استشراقية عن الذات، تجعل الشعوب ترى نفسها ككيانات "متخلفة" تحتاج إلى التحديث وفق معايير الغرب.

مع شيطنة أي محاولة لبناء نموذج تنموي مستقل، من خلال تصوير السياسات التحررية كـ "انعزال" أو "رجعية".

فإنّ استعادة السيادة الثقافية تستدعي:

- إعادة بناء مؤسسات إعلامية وتعليمية وطنية مستقلة تعكس احتياجات الشعوب بدل أن تكون أدوات للهيمنة الفكرية.

- إنتاج معرفة بديلة تتحدى السرديات النيوليبرالية، وتعيد الاعتبار لنماذج تنموية تحررية.

فالسيادة الشعبية والديمقراطية الجذرية لا تكون حقيقية إذا كانت الدولة خاضعة لطبقة حاكمة تخدم مصالحها الخاصة على حساب الشعب. من هنا، فإن السيادة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت السلطة السياسية في يد الجماهير، بدل أن تكون امتيازا لطبقة أوليغارشية متحالفة مع الخارج.

فالديمقراطية الليبرالية الشكلية، التي تكرّس حكم النخب وتستبعد الجماهير من القرار، ليست سوى إعادة إنتاج للاستعمار بطريقة ناعمة.

فالسيادة الحقيقية تتطلب نظاما ديمقراطيا جذريا قائما على المشاركة الشعبية الحقيقية وليس فقط الانتخابات الدورية الشكلية.

حيث يكون بتأميم القرار السياسي و جعله خاضعا للمساءلة الجماهيرية، بدل أن يدار في الغرف المغلقة وفقا لمصالح رأس المال، و بتفكيك بنية الدولة الطبقية التي تجعلها أداة قمع للفئات المسحوقة، وإعادة تشكيلها لتكون في خدمة أغلبية الشعب.

فالسيادة الوطنية ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي مشروع ثوري يهدف إلى تفكيك علاقات التبعية وإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة. إنها ليست شعارا يستخدم في الخطابات الرسمية، بل معركة يومية ضد كل أشكال الاستعمار الجديد، سواء كان اقتصاديا، أو سياسيا، أو ثقافيا. فهي  ليست مجرد "استقلال" شكلي، بل هي قدرة الشعوب على تقرير مصيرها بنفسها، خارج هيمنة السوق، وخارج هيمنة القوى الإمبريالية، وخارج تحكم النخب الفاسدة.