ثقافي

مسرحية "التابعة " لتوفيق الجبالي : تفاهة اليومي ومتاهة السقوط المعمم

الشعب نيوز / ناجح مبارك - هل كان العرض الأخير وليس الآخر "التابعة "  للفنان توفيق الجبالي بمناسبة اليوم العالمي للمسرح تكريما لسيرة ومسيرة الرجل أم انفتاحا آخر للمسرح الوطني على مسالك الانتاج الخاص المحترف والذي يعد الجبالي طيلة أكثر من العقود الثلاثة أحد رواده ؟

تحول توفيق الجبالي مع فريق التقنيين والممثلين الى فضاء الفن الرابع ليعرض العمل الأخير "التابعة "بفضاء الفن الرابع بشارع باريس مع ما يقتضي تغيير الركح فضاء العرض من" تعديل اوتار" الإضاءة ومراجع الممثلين الركحية والحركية ولم يشاهد الجمهور ممن استمتع بعرض التياترو ثم قاعة الفن الرابع اي اختلاف يذكر مع ممثلين من استوديو التياترو ومعهم سرور الجبالي التي احكمت التواصل مع سائر الممثلات ممن سبقوها على درب الابداع دون اتباع ...

* بين البهتة والضياع

لعبت سرور الجبالي مع يسر القلعي وليلى اليوسفي وزياد العيادي وسيرين بن يحي وياسمين الديماسي ومهدي الكامل ممن خبروا رؤى الجبالي وتفاعلوا مع اطروحاته الفكرية والجمالية ولكن هؤلاء الممثلين تحولوا الى شواهد على تفاهة اليومي وسقوط الانسان في منحدرات الضعف والهوان والضياع "بقعة هذيكة وفات",والبقعة أو المكان لا يخص الآن وهنا في تونس مثلا بل في أي مكان من العالم يغرق فيه الانسان في آلام اليومي وتفاهة المحيط ولا دليل ولا أمل .و"بلاء بوليس ولا عساس"....و "لا فحص طبي "...

يدخل الممثلون الى الركح في حالة بهتة وضياع في مناخ مظلم زادتها الموسيقى الوظيفية  تعبيرا عن حيرة الجميع وضيق الكل بالكل يتحول الممثلون الى أرقام كارقام جوازات السفر وهم الحاملون لحقائب السفر حقائب كلاجئين هاربين من "هذه البقعة "وقد "تعفنت"والبقعة تحيل على المكان وقد يكون هو الوطن أي وطن وقد تشابهت المواقف والمواقع واختلط الحابل بالنابل وتشابهت السلوكيات وتناغمت الالام والاوهام ..اوهام ما بعد الثورات هنا وهنا ...وما مبفته من ".توابع وزوابع "

* عجز اللغة

لغة المسرحية تقول ولا تبوح... اشارات وكلمات منفصلة لا يقوى الممثل فيها على الوصول الى المعنى ولعل في ذلك المعنى كله وبتفاصيله وبهذا قطع الجبالي ومن ساعده في الكتابة عياض الشواشي وآمال الرامي مع آليات الكتابة في مسرحياته السابقة .اذ أن فصل بين اللغة /النص والمتن المسرحي الذي يقوم في التابعة على اللعب على مربكات التفاهة اليومية والضياع في اليومي بما يولد ضياع مقصود في اللغة والحوار بين الممثلين حيث فقدان المعنى في النص و في المسرحية ...

ماذا يحمل الممثلون/المسافرون وهم الفارون من "البقعة"/الوطن "ماخف حمله"من امتعة يستجار بها وهم المحتارون بين المرئي واللامرئي ودون "بطاقة انتماء "... ولكن الحقائب تتحول الى شاشات تلفزية تنقل "وقائع المدينة الغريبة"على حد رواية الراحل عبد الجبار العش وقائع الحروب والاشلاء والاشياء و"الصور الاكثر بشاعة في العالم الانقراضي"والافتراضي احيانا .... وبقايا الانسان الذي فقد انسانيته وهام في الوجود العبثي حتى فقد اللغة كاداة تواصل وتعبير وتغيير.....

* فلسطين وخارجها

ولا يمكن حصر الدمار الخاصة فقط في فلسطين على اهمية الاشارات الواردة على شاشة الحقائب في ما لحق بغزة وضواحيها بل أن السقوط المعمم تجاوز رقعة غزة الى فضاءات مدمرة في العالم دمار سبب الخراب وضياع بوصلة الانسان الممنتشر بين الوجود والدافع الى العدم دمار داخلي ...خراب ذاتي يجد صداه في فلسطين وخارجها في ساحات الحروب في "عالم انقراضي" يعيش فيه الانسان على واقع افتراضي عمق الهوة بين الذوات الشريدة...

تفقد اللغة في عالم اليومي ببشاعته وتفاهة مكوناته الية التعبير عن الافكار والمدركات فيتحول الحوار بين الممثلين /المسافرين الى تهتهات ومفردات لارابط بينها انه الخراب اللغوي حيث يغرق الفرد في محيط العدم وترهات اليومي بثقله حتى وسط منزل /ركح يستعمل فيه اهله طاولة برافعات الحقائب حقائب السفر وسرعان ما تسقط الطاولة طاولة الأكلة/طاولة الحوار من طرفها لتتحول الى طاولة عرجاء ويتحول الحوار الى حوار "صم بكم "لا معاني ولا دلالات ولا افكار واضحة في عالم سفلي يتخاطب فيه" أهل البيت"بمكونات تنظيف المراحيض وتتحول بدورها الى وسائل صراع ولا تواصل....

* في غربة المثقف

يتواصل الضياع دون سفر لبتواصل" حوار الطراشان"بين تفاهة اليومي وقمامة الحياة بفجائعها ووجائعها ليرحل الممثلون على درب الفراغ الروحي والفكري وهم الدائرون في فضاء الركح دون دليل ويحكمون سينوغرافيا استغلال الفضاء .بادارة مخرج قدير وقادر على تطويع لغة الممثل وجسده لصالح العمل .مع توظيف محكم بآليات وتقنيات السينما والفيديو امعانا في التعبير عن حيرة عن تفاهة التفاصيل اليومية الباردة والمتواترة والحالات الهستيرية للممثل الذي لا يشعر مع توفيق الجبالي في مسرحية "التابعة"انه ثمة ما يمكن قوله أو التعبير عنه...

ولم يكن الخاصة افضل حالا من العامة المتدحرجين إلى أسفل السافلين الغارقين في تفاهة اليومي بماعون المطبخ ووسائل تنظيف.المراحيض فكلهم في "الخر...سواء"مشهد اقوم مؤلم عندما تدور الدوائر حول كرسي الأعاقة وتستمر الممثلة في الدوران على شاكلة الرحى التي ترحي الهواء ليدخل" المثقف العضوي "زياد العيادي رافعا اعضاء جسمه العلوية الى أعلى صرخت باسماء مفكرين يخاطبهم  مثل سلفادور دالي وبينهوفن وفيكتور هيقو ...وهم "في علييين"ابتعدوا عنه في التاريخ والجغرافيا .

وهو الذي يحاول أن "يكتب ويكفر ويبحث عن الألهام  في عالم يومي يشده الى الاسفل..

انه المثقف المعوق على كرسي الأعاقة المتحرك وهو كذلك يبوح ولا ينطق بالكلام الفصيح ...وهو في ذلك يشبه العامة فهو مخصي فكريا وجنسيا ولا يستطيع الخروج من دائرة القمامة المنزلية والتفاهة اليومية فبينه وبين الممثلين /المسافرين بحقائبهم من العامة دلالة انفصام ولا انفصال عن اليومي فالكل في "هم السفلي "سواء ...ولم يشفع له النطق ببعض اسماء المفكرين والفلاسفة أن يرتدي معاطف فكرهم ويلبس لباسهم الفلسفي فجرته حجافل العامة من الواهمين بالسفر وقد جمعوا امتعتهم في حقائب الى مدار حوارهم وبجوارهم يعيش ولا يبوح...

* خيبات متواترة

بالمحصلة فان المثقف العضوي تائه وين لا نهاية له ومتواطئ في مجتمع مهمش تائه بطبعه وهو محاصر بقانون الصمت مثلهم وهم بعد سنوات من" الصراخ الثوري "استحال معهم التغيير والتعبير وعادوا الى يومهم ويومياتهم التافهة ولا افق لهم في الخروج اوهكذا تخيلوا ...

تلاحق "التابعة"أو اللعنة تلو اللعنة المثقف مثل أهل البيت من العامة (والتابعة تحيل على الماورائيات وتلبس الجن بالانسان ليعيق حركة تفكيره افعله. وهو تفسير غير عقلاني لتواتر الخيبات....)

ولكن خيوط الأمل موجودة في تلك الستائر البيضاء التي أستعملها الممثلون /المسافرون على ظهر الاوهام تلك الخيوط هي خيوط الشمس /خيوط الأمل وفي صورة الكون الزاهية المرصعة بالنوم نجوم الأمل في أن يستفيق الانسان من غيبوبته  وقد "تتحرر الكلمات المبهمة من" سلاسل الصمت"....و يزرع الأمل في أرض اليائسين والامل كل سينوغرافيا من خلال تلك الإضاءة على العالم /الكون في آخر مشهد من العمل ...

* لا حبكة ولا "رسائل مباشرة"

في مسرحية "التابعة "وما قبلها من "كلام الليل" الى" الفلسطينيين "و"مجنون "و"هنا تونس"....يقطع الفنان توفيق الجبالي "الحيكة المحكمة والرسائل المباشرة "والشخصيات واضحة المعالم " ليدفع بالممثل أن يكون شريكا في التصور الدلالي للمسرحية ويقترح على الجمهور أن يشاركه في فتح العمل على مختلف الدلالات دون دغمائية فالحبالي يخلخل المعتقدات والمسلمات حول المسرح والفن عموما ويدعو جمهوره الذي خبره طيلة العشريات الاخيرة الى التأمل والتفكير وهو الذي يربكه ويكسر انتظاراته ...فعدد من رواد التياترو يدخلون العرض وفي البال "كلام الليل "أو نظرة فابتسامة فلقاء...بعد العرض في البهو...