فنزويلا والتغيّرات الجيوسياسية: حين تعود القوة لتعيد رسم الخرائط

الشعب نيوز/ باقلام النقابيين* - ما يجري اليوم في فنزويلا لا يمكن فهمه خارج سياق التحوّلات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم. فالأزمة لم تعد مجرّد صراع داخلي بين سلطة ومعارضة، ولا حتى مواجهة ثنائية بين دولة في الجنوب وقوة عظمى، بل أصبحت تعبيرًا عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي، تتراجع فيها قواعد ما بعد الحرب الباردة، وتعود فيها القوة الصلبة لتفرض نفسها كأداة سياسية مركزية.

* وحدات عسكرية أمريكية خاصة تعتقل الرئيس مادورو صباح اليوم 3 جانفي 2026 من قصره.
منذ سنوات، تعيش فنزويلا وضعًا داخليًا هشًّا: أزمة اقتصادية خانقة، انقسام سياسي حاد، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع. هذا الضعف البنيوي جعل البلاد أكثر عرضة للتدخّل الخارجي، وحوّلها تدريجيًا إلى ساحة اختبار لإرادات دولية متصارعة. فحين تعجز الدولة عن إنتاج تسوية داخلية جامعة، تصبح القرارات المصيرية رهينة موازين القوى خارج حدودها.
إعادة ترتيب الأولويات
في هذا الإطار، يُقرأ التصعيد الأمريكي الأخير بوصفه جزءًا من إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية في نصف الكرة الغربي. الولايات المتحدة، التي تواجه تراجعًا نسبيًا في قدرتها على فرض هيمنتها العالمية، تسعى إلى تثبيت نفوذها في مناطق تعتبرها تقليديًا مجالًا حيويًا لأمنها القومي. فنزويلا، بثقلها النفطي وموقعها الجغرافي، تمثّل في هذا السياق نقطة ارتكاز لا يمكن تجاهلها.
لكن المشهد لا يكتمل من دون النظر إلى الطرف الآخر من المعادلة. فروسيا والصين، ومعهما قوى دولية صاعدة، تنظر إلى فنزويلا باعتبارها جزءًا من معركة أوسع لكسر الاحتكار الغربي للقرار الدولي. دعم هذه القوى لكراكاس لا ينطلق فقط من حسابات اقتصادية أو طاقية، بل من رؤية جيوسياسية تسعى إلى ترسيخ عالم متعدّد الأقطاب، حتى وإن كان ذلك عبر أزمات مفتوحة وغير محسومة.
التهديد باستخدام القوة
الخطير في هذه التحوّلات ليس فقط تعدّد الأطراف، بل تغيّر أدوات الصراع. الانتقال من العقوبات والضغوط الدبلوماسية إلى منطق التهديد باستخدام القوة، يعكس تآكلًا واضحًا في منظومة القانون الدولي وآليات تسوية النزاعات. في هذا السياق، تُستدعى شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تُرفع رايات السيادة الوطنية، لكن الواقع يكشف أن المجتمعات هي من تدفع الكلفة الأعلى: حصار، تضخّم، هجرة، وخوف دائم من الانزلاق نحو العنف.
قضية فنزويلا، في جوهرها، تكشف مفارقة المرحلة الراهنة: عالم لم يعد قادرًا على إدارة أزماته بالسياسة وحدها، ولم ينجح بعد في صياغة توازنات جديدة مستقرة.
أي نظام دولي يتشكّل اليوم؟
القوى الكبرى تتصرّف من منطق النفوذ، والدول الضعيفة تتحوّل إلى مساحات اختبار، فيما تُهمَّش الحلول السياسية طويلة المدى.
إن قراءة ما يحدث في فنزويلا كجزء من التغيّرات الجيوسياسية العالمية تفرض إعادة طرح السؤال الأساسي: أي نظام دولي يتشكّل اليوم؟ نظام قائم على التوازن والتفاوض، أم عالم تحكمه من جديد معادلات القوة وفرض الأمر الواقع؟ إلى أن تتضح الإجابة، سيبقى الفنزويليون، كما شعوب أخرى في الجنوب العالمي، عالقين في قلب صراع لا يملكون أدوات التحكم فيه، لكنهم يدفعون ثمنه كاملًا.
* هادية العرفاوي الامينة العامة المساعدة للاتحاد
.jpg)


