وثائقي

يوم قرر بورقيبة "الرجوع وين كنا" ودور الاتحاد في حماية العمال

* صورة يظهر فيها الحبيبان بورقيبة وعاشور في نقاش ساخن فيما يظهر مزالي متبرما (عن ليدرس)

الشعب نيوز/ وثائقي - في مثل هذا اليوم 6 جانفي من سنة 1984، أعلن الرئيس الحبيب بورقيبة في خطاب تلفزي قرار التراجع عن الزيادة في أسعار العجين ومشتقاته، بعد تفعيل قرارالزيادة فيها منذ 29 ديسمبر 1983 ومن ذلك ان ثمن الخبزة الكبيرة ارتفع من 80 مليما الى 170 مليم دفعة واحدة.   

تعرض الكثير من المؤرخين الى انطلاق الاحداث من دوز وانتشار المظاهرات الى عدة جهات ومناطق والمواجهات مع قوات النظام العام والى تعداد الضحايا وغير ذلك من المسائل المحيطة بالحدث ولكن لا باس من العودة الى بعض التفاصيل والكواليس التي كان فيها للاتحاد وقيادته دور هام.

* أثير الحديث لاول مرة وبشكل علني صريح عن ضرورة ايجاد حل لصندوق التعويض الذي اخذت مصاريفه تتعاظم خلال حوار تلفزي انتظم في افريل 1983 كان ضيفه الرئيسي وزير المالية منصور معلى. فقد أشار الى امكانية الرفع في الاسعار لاحتواء المصاريف المتعاظمة.

* " نطّ " الوزير الاول محمد مزالي من خلال مداخلة هاتفية وقال في لغة شعبوية ان الحكومة لا تفكر في الموضوع اطلاقا وان ما اقترحه الوزير منصور معلى يلزمه لوحده.

* في الاثناء، تواصلت الدراسات التقنية لوضع صندوق التعويض والبحث عن الحلول الكفيلة باصلاحه من طرف معهد الاحصاء ومعهد الاقتصاد الكمي وغيرهما من الهياكل المختصة وانتهت الى ان الكلفة الحقيقية للخبزة [الكبيرة] في ذلك الوقت هي 166 مليم فاصل 66 بينما هي كانت تباع للعموم بما قدره 80 مليما.

* عُرضت الدراسة على مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة الرئيس الحبيب بورقيبة في غضور شهر اكتوبر 1983 وتم التداول فيها بتشنج حصل خاصة بين الوزير الاول محمد مزالي الذي اقترح ان يقع رفع السعر الى 170 مليم ووزيرالاقتصاد عزوز الاصرم الذي رفض الزيادة بهذا القدر. ونظرا لتمسك محمد مزالي برأيه، الذي ادعى انه قادر على اقناع الشعب التونسي بالقرار، فما كان من عزوز الاصرم الا ان قدم، حضوريا، استقالته من الوزارة التي اسندت من بعده الى رشيد صفر.

* وصلت الدراسة التقنية الى الاتحاد العام التونسي للشغل وتولى مكتب الدراسات فحصها ولاحظ جانب الشطط فيها ونبّه الى الانعكاسات الخطيرة التي قد تنجرّ عنها في حال تطبيقها كما الى تأثير القرار على المقدرة الشرائية للعمال والموظفين وغيرهم من الفئات الضعيفة.

* انعقدت هيئة وطنية للغرض تبنّت رأي مكتب الدراسات واصدرت لائحة ضمّنتها المخاوف التي عبّر عنها المكتب وطالبت - في صورة الاصرار على تطبيق القرار- بالتعويض الكامل للاجراء والموظفين وغيرهم من الفئات الضعيفة. 

* تجاهلت الحكومة موقف الاتحاد ومطلبه ومضت في الدعاية لاصلاح صندوق التعويض بما يعني الزيادة في اسعار العجين الغذائي الى اكثر من 100 بالمائة.

* عادت الهيئة الادارية للانعقاد أواخر نوفمبر 1983 واضافت على ماسبق قرارا بالاضراب في صورة رفع الاسعار بالشكل الذي اقترحته الدراسة الفنية.

* قدم البرلمانيون من النقابيين مداخلات نارية أثناء مناقشة ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 1984 تعرضوا فيها الى ما سبق ذكره.

* قابل رئيس الاتحاد الزعيم الحبيب عاشور رئيس الدولة وابلغه موقف الاتحاد من الموضوع.

* اعلنت الحكومة موافقتها على التعويض الكامل للاجراء والموظفين لكن دون تفصيل.

* انطلقت انتفاضة الخبز من دوز بمناسبة السوق الأسبوعية في 29 ديسمبر 1983 حيث فوجئ المواطنين بشطط الاسعار التي بدأ تطبيقها من هناك فاندلعت المظاهرات والمواجهات مع قوات الامن قبل ان تنتشر الى مدينتي ڨبلي وسوق الأحد المجاورتين فالحامة  فمناطق الشمال والوسط الغربي في الكاف والڨصرين وتالة، ثمّ بقية مناطق الجنوب في ڨفصة وڨابس ومدنين، مما استدعى دخول الجيش لهذه المناطق بعد عجز قوات النظام العام في الحد من توسّع الانتفاضة.

* دخول المنطقة الصناعية بڨابس في إضراب شامل ومسيرات كبرى شارك في تنظيمها أعداد كبيرة من العمال والطلبة. كما التحق طلبة الجامعات وتلاميذ المدارس الثانوية في مدن تونس وصفاقس بالشوارع معبرين عن رفضهم إلغاء الدّعم عن العجين ومشتقاته.

* في يوم 3 جانفي بلغت الانتفاضة أوج أحداثها وباتت المواجهة مفتوحة بين المتظاهرين من ناحية وقوات النظام العام والجيش من ناحية أخرى، وأصبح العنف سيّد الموقف، ونجم عن ذلك إطلاق الرصاص وسقوط مزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين.

* طلب رئيس الدولة من الجيش مسك شوارع العاصمة وأعلن حالة الطوارئ ومنع كل تجمع بالطريق العام والساحات العامة يفوق ثلاثة أشخاص، علاوة على منع جولان الأشخاص والعربات من الخامسة مساء إلى السادسة صباحا.

* رغم اصرار الوزير الأول محمد مزالي على قرار رفع الدعم نهائي وغير قابل للتراجع والمراجعة فإن المظاهرات المعادية لاختيارات الحكومة تواصلت في اليوم التالي أي 4 جانفي 1984 في كثير من مناطق البلاد وفي العاصمة وضواحيها. كما أن العطلة القسرية التي منحت للجامعات ومختلف المؤسسات التربوية من 4 إلى 7 جانفي 1984 وما صاحب ذلك من اعتقالات في صفوف من أطلقت عليهم الحكومة صفة "المجرمين والمخرّبين" لم يحل دون تواصل الحركة الاحتجاجية التي لم تتوقف إلاّ مع إعلان رئيس الدولة يوم 6 جانفي التراجع عن تلك الإجراءات وإعادة النظر في الميزانية الجديدة.  

* يذكر في هذا الصدد ان محمد مزالي حاول ثني الرئيس عن الغاء الترفيع مقترحا التنازل فقط عن نصف الزيادة بحيث تصبح، مثلا،  الخبزة [الكبيرة] 130 او 135 مليم عوض 170، حفظا لماء وجه الحكومة، لكن الرئيس بورقيبة لم يرد على المقترح وما ان فتح امامه ميكروفون التلفزيون حتى قال كلمته الشهيرة: " نرجعو وين كنا".

* الفاضل ساسي، الذي استشهد يوم 3 جانفي 1984، كان في ذلك الوقت أستاذ تعليم ثانوي، عضو النقابة الاساسية لمعهده. وهو نجل المناضل النقابي الكبير المرحوم صالح بن الكيلاني ساسي، الكاتب العام للنقابة العامة للصيد البحري لمدة عدة سنوات.

* جمع قسم الاعلام والنشر بالاتحاد، بمساعدة من والده ومن الصديق الشاعر الفذ عبد العزيز الحاجي، قصائد الفاضل ساسي في كتاب أصدره للغرض تحت عنوان " وقدري ان ارحل " لكن منعته السلط الرقابية من النشر والتوزيع الحر.

مذكرات خاصة مع الاستئناس بما ورد عن نفس الموضوع في منشور "حتى لاننسى" للاستاذ أسامة الراعي.