للنقابيين القدرة على تجاوزه: عدم الاقتطاع علامة توتر وليس حدثا تاريخيا

الشعب نيوز/ أبو ابراهيم - يعيش الاتحاد العام التونسي للشغل على وقع عدم صدور بلاغ اقتطاع معلوم الانخراط بشكل مباشر من أجور العمال في القطاع العام والوظيفة العمومية. وتطرح مسالة الاقطاع المباشر، القديمة المتجددة، عدة قضايا للنقاش أبرزها الاستقلالية المالية واستقلال القرار وحوكمة العمل النقابي وهيكلته. غير ان اللافت في نظري هو ان الثقل الكبير للاقتطاع المباشر في تمثلات النقابيين ومتابعي الشأن النقابي لا يبدو منسجما مع تاريخ الحركة النقابية في تونس. فالحركة النقابية هي في الأصل مدرسة للثورة وتدريب نضالي مستمر وهو ما يعني ان عزوف الحكومة عن الاقتطاع لا يثمل عائقا امام النضال النقابي بوصفه حركة اجتماعية.
في ماهية الاقتطاع المباشر
تعد عملية الاقتطاع المباشر مسالة حيوية في الحياة المالية للاتحاد العام التونسي للشغل. حيث يتم الاقتطاع من أجور الموظفين والعمال واحالتها بشكل مباشر نحو رصيد الاتحاد بما يسهل على المنظمة الشغيلة جمع معلوم الانخراط مئات الالاف بشكل مباشر جماعي. وتعيد المركزية النقابية توزيع عائدات الانخراطات على نشاطات الهياكل بما يؤمن القدرة على الاجتماع والاتصال النقابي الداخلي، والنقابي العمالي والقيام بالمهام النقابية إضافة الى توفير حيز من النشاطات التكوينية والتثقيفية.
فالاقتطاع اذا اجراء اداري تتعهد به الحكومة تجاه الاتحاد العام التونسي للشغل تماما كما تفعل مع المنظمات الأخرى او حتى مع شركات البيع بالتقسيط. وبالتالي فان تراجع الحكومة عن القيام بهذا الدور لا يجب ان يأخذ اكثر من حجمه عند قراءته في السياق التاريخي للحركة النقابية.
تاريخياً، لم تكن النقابة مجرد وسيلة لتحسين الأجور، بل ولدت كضرورة نضالية لكسر حالة الاستلاب وتحويل العمال من مجرد أفراد مشتتين إلى قوة جماعية منظمة. وقد اكتسبت هذه الحركة طابعاً ثورياً منذ البداية لكونها المدرسة الأولى التي تدربت فيها الجماهير على مواجهة سلطة راس المال وفي السياق التونسي، تضاعف هذا الدور الثوري لتصبح النقابة معقلاً للوعي الوطني والتحرري، حيث امتزج فيها المطلبي بالسياسي، مما جعلها تاريخياً حركة اجتماعية ان قوة الحركة يجعلنا امام ضرورة التمييز المنهجي الواجب بين وقف الاقتطاع بوصفه اجراء، مهم سياسيا، وربما ماليا على المدى القصير، وبين الاقتطاع كفعل هامشي في تاريخ الحركة النقابية التي قامت وتقوم على قوة أبنائها وتحالف العمال والموظفين من اجل تشكيل قوة ضغط تمكن من رفع الظلم عنهم وتضمن اسهامهم في إدارة الشأن العام الذي يلقي بظلاله على أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
في تفكيك وقف الاقتطاع
ان عدم اصدار الحكومة لبلاغ الاقتطاع المباشر لا يمكن فهمه على انه اجراء عادي (رغم طابعه الإداري الجاف) او بوصفه نتيجة لعدم توفر الرغبة، بل هو قرار من شانه إعادة تشكيل العلاقة بين الاتحاد والحكومة وبهذا المعنى فهو قرار سياسي. وقد اعتبره النقابيون كذلك وقد تجندوا اثر ذلك من اجل اطلاق حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تحفز العمال على الانخراط الطوعي وتقترح حلولا لجميع الانخراطات. وقال سامي الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل المسؤول عن قسم الاعلام والنشر "ان ايقاف الخصم المباشر هو قرار سياسي عقابي للاتحاد وللعمال سبق وان اقدمت عليه حكومة "مزالي" قبل تنصيب "شرفائها" وضرب الاتحاد والشروع في إنجاز ما يسمى "الإصلاح الهيكلي" سيئ الذكر."
ومن ناحية المضمون السياسي فان الموقف الحكومي من الاقتطاع يعد ذا دلالات كبرى ومنها ان السياق الحالي من علاقتها بالاتحاد سياق توتر وانعدام حوار. ومنها أيضا الفهم الميكانيكي للحركة النقابية. حيث يعتقد ان مجرد إيقاف الاقتطاع سيمس من جوهرها وهو فهم مجانب للصواب تماما لان الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه حركة نقابية يشهد ديناميته الداخلية وهو في سياق من التجديد والصراع والاختلاف الذي يفرز في كل مرة حالة جديدة من الحركة لا يمكن فهمها من خلال تصورات ميكانيكية. وان امكن لعدم الاقتطاع ارباك الوضع المالي للاتحاد على المدى القريب فانه لا يعني القدرة التأثير على مجرى حركة الاتحاد
فرغم أهمية الاقتطاع المباشر في تسهيل وتبسيط عملية تجميع معلوم الانخراط فانه لا يمكن ان يؤثر في المسار التاريخي للحركة النقابية في تونس ويتخذ عدم الاقتطاع الطابع السياسي ولكنه لا يمكن ان يكون حدثا تاريخيا.
في الاستقلالية
لا بد من الانتباه الى فكرة ربط الاستقلال المالي باستقلال القرار النقابي فهي تكتسي الكثير من الحساسية والدقة. حيث لا يستقيم منطقيا ربط استقلالية القرار بالقدرة التمويلية للحركة النقابية. وقد يتطلب منا الامر بعض التدقيقات النظرية ومنها ان كل حركة اجتماعية لا تبنى على قاعدة قدراتها بل تبنى وتتشكل على قاعدة مطلبها المركزي وهو ضمانة استقلاليتها ثم تقوم بتطوير قدراتها واتخاذ الخطة الضرورية لتحقيق ذلك المطلب. ومن التدقيقات النظرية الضرورية ان الاستقلال لا يعني عدم الحاجة الى الشركاء الاجتماعيين والانقطاع عنهم بل تعني الارتباط الوثيق بين إرادة القاعدة العمالية وإرادة وموقف القيادة فالحركة النقابية المستقلة هي الحركة التي تنبع قرارتها من إرادة قواعدها والتي تعبر عن تطلعات وشواغل العمال والشغالين بالفكر والساعد.
وبهذا المنطلق فان الاستقلالية المالية على أهميتها ليست الشرط الأساسي لاستقال القرار النقابي وتؤكد التجربة العمالية والنقابية التونسية نفسها هذا الامر فرغم قيام الحكومات منذ الاستقلال الى وقتنا هذا بعملية الاقتطاع الالي لفائدة النقابات الا ان تاريخ علاقة السلطة بالاتحاد كان تاريخا من التوتر والصدام وهو ما يعني البون الشاسع بين القرار النقابي وبين دور الحكومة في الاقتطاع. اما التدقيق الضروري الأخير فهو ان الاقتطاع لفائدة الاتحاد لا يعني الارتباط المالي لان المال المقتطع لفائدة الاتحاد هو حق المنظمة تجاه المنخرطين وليس هبة من أي جهة كانت.
في الفهم التاريخي لعدم الاقتطاع
أولا لا بد من الإشارة الى انه لا يوجد ضرر كبير من وقف الاقتطاع وهي فرصة ليستعيد الاتحاد العام التونسي المبادرة في جمع مساهمات العمال دون الحاجة الى وسيط وهو دور مهم من شانه مزيد تنشيط الحركية النقابية وجعل الفرز حالة يومية. ويعتبر الانخراط الطوعي المتحمس الى هياكل الاتحاد مقياسا مهما لدرجة الانتماء النقابي وبالتالي فان الاتحاد سيكون على موعد مع ظروف ومناخات جديدة من الحركية الدائمة والمهمة.
ثانيا ان التقدم الرقمي الهائل الذي تعرفه البشرية يجعل امكانية التعويل على التطبيقات الالكترونية في عملية الخصم المباشر امرا ممكنا وهو ما يعني ان الحاجة الى تدخل الدولة لتجميع انخراطات العمال ليس شرطا لا لسهولة الاقتطاع ولا للشفافية. وقد يكون عاملا دافعا نحو رقمنة العمل النقابي وتعزيز الرقابة الداخلية على الموارد وعلى واقع الهيكلة بل وقد تضمن الرقمنة مصادر إحصائية دقيقة للغاية تمثل مركزا جديدا للتفكير في العمل النقابي وبالتالي فان النقابيين امام إمكانات كبرى للتجاوز وهو ما قد يجعل القرار مجرد اجراء لا يرتقي الى مرتبة الحدث التاريخي.
* نشر في الشعب الورقية بتاريخ 12 فيفري 2026.


