جريدة الشعب نيوز
ثقافي

بسيسة لمطة ومشطية جبنيانة … تراث منطقتين يجتمع على طاولة واحدة

الشعب نيوز / تونس –   كانت رائحة البسيسة تسبق الكلمات، فيما زيّنت المشطية فضاء القاعة، في مشهد اختزل روح اللقاء منذ لحظاته الأولى: مهرجان لا يكتفي بالاحتفاء بالموروث، بل يقدّم التراث التونسي باعتباره ذاكرة حيّة وهوية متجددة.

* مؤتمر صحفي يعلن انطلاق الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان التراث الغذائي بلمطة
واحتضنت المنظمة التونسية للتربية والأسرة، يوم الخميس 7 ماي 2026، المؤتمر الصحفي التحضيري للدورة الخامسة والعشرين لـمهرجان التراث الغذائي بلمطة، الذي تنظّمه جمعية صيانة مدينة لمطة من 14 إلى 17 ماي 2026، بحضور إعلاميين وطلبة ومهتمين بالتراث والثقافة.
* ذكاء قرفال: لمطة تستقبل العالم بتراثها الغذائي
وفي افتتاح المؤتمر، قدّمت السيدة ذكاء قرفال عرضًا مفصّلًا لبرنامج المهرجان، مؤكدةً أن الدورة الخامسة والعشرين تحمل زخمًا استثنائيًا. فإلى جانب فعاليات التراث الغذائي من عروض وتذوّق وتنشيط، تحتضن لمطة هذا العام ضيفةً من طراز خاص: مشطية جبنيانة، التي ستحلّ ضيفةَ شرف من خلال مشاركة المجمع الحرفي “الست نفيسة”.
 وأشارت السيدة ذكاء قرفال إلى أن المهرجان يتجاوز في أهدافه حدود الاحتفاء، ليكون منصةً للتنمية المحلية والانفتاح على الجهات.
* الحبيب بن صالحة: التراث ذاكرة شعب وهوية مكان
من جهته، استعاد الدكتور الحبيب بن صالحة، مؤسس المهرجان والرئيس الشرفي لجمعية صيانة مدينة لمطة، بدايات هذه التظاهرة التي انطلقت قبل ربع قرن من إيمان بأن التراث الغذائي ليس مجرد أكلات تقليدية، بل تعبير عن ذاكرة جماعية وهوية ثقافية متجذّرة.
وأكد أهمية انفتاح الجامعة والباحثين على المجتمع، مشيرًا إلى أن الدورة الحالية ستشهد تنظيم ملتقى علمي بعنوان:  “المواني و الأواني والمحيط النظيف (Plastique barré) ” لطرح قضايا البيئة والاستدامة من خلال التراث المادي واليومي.
كما أعلن عن مشروع مشترك بين مختبر “الدراسات المغاربية والفرنكوفونية، والمقارنية والتواصل الثقافي” بكلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة وجمعية صيانة مدينة لمطة بعنوان “ألف قفة وقفة: لكل مدينة قفة”، وهي مبادرة تسعى إلى إعادة الاعتبار للقفة التقليدية باعتبارها رمزًا بيئيًا وثقافيًا متجذرًا في الحياة التونسية.
* حبيبة مخلوف… ذاكرة حيّة لمهرجان عمره 25 سنة
وشكّل حضور السيدة حبيبة مخلوف إحدى أبرز لحظات المؤتمر، باعتبارها صاحبة أول محل لبيع البسيسة بلمطة، والمتوّجة سنة 2000 بجائزة “أفضل أكلة بسيسة في الجمهورية” خلال أولى دورات المهرجان.
وروت السيدة حبيبة مخلوف كيف غيّر التتويج مسار حياتها المهنية، ودفعها إلى الاستثمار في مجال البسيسة، لتصبح التجربة نموذجًا ألهم العديد من النساء بالجهة، وأسهم في تحويل البسيسة إلى مورد اقتصادي حقيقي لعدد من العائلات.
* خليفة حسونة: المشطية تسافر إلى لمطة كضيفة شرف في المهرجان
بدوره، قدّم المهندس خليفة حسونة مداخلة حول مشاركة مشطية جبنيانة في المهرجان، مؤكدًا أن الحضور لا يقتصر على عرض منتوج حرفي، بل يحمل رسالة ثقافية متكاملة مفادها أن التراث النسيجي والتراث الغذائي وجهان لهوية واحدة.
وأوضح أن “المشطية” تُعدّ من أعرق المنسوجات التقليدية في جهة جبنيانة بولاية صفاقس، وهي قطعة نسيج نسائية تُنسج يدويًا بخيوط الصوف أو “الطعمة”، وتتميّز بزخارف هندسية دقيقة تُعرف بـ”الرقمات”.
وأضاف أن المشطية ليست مجرد لباس تقليدي، بل عنصر أساسي من المشهد الثقافي والاجتماعي في جبنيانة، إذ ترافق المرأة في المناسبات والأعراس وحتى في الطقوس الجنائزية، بما يجعلها جزءًا من الذاكرة الجماعية للجهة.
* اعتراف وطني ومسار نحو العالمية
وأشار المهندس خليفة حسونة إلى أن المعهد الوطني للتراث قام بإدراج “مشطية جبنيانة” ضمن قائمة الجرد الوطني للتراث الثقافي غير المادي، إثر بحث ميداني انطلق سنة 2017، شمل توثيق تقنيات النسج التقليدي والأدوات المستعملة داخل بيوت الحرفيات.
كما أبرز أن مشروع “الملكية الفكرية في خدمة النساء الحرفيات” يندرج ضمن اتفاقية تعاون بين المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) والديوان الوطني للصناعات التقليدية، بهدف حماية “مشطية جبنيانة” عبر إسنادها “علامة منشأ جماعية”، بما يعزّز حضورها في الأسواق الوطنية والدولية ويحفظ خصوصيتها الثقافية.
* مجمع “الست نفيسة”… حين تتحول الحرفة إلى مشروع تنموي
كما أبرز المهندس خليفة حسونة أن مجمع الست نفيسة للمشطية يعد أحد أبرز الفضاءات الحاضنة لذاكرة المشطية، حيث تم افتتاحه رسميًا سنة 2023 بهدف تأطير الحرفيات وتطوير جودة المنتوج وفتح آفاق جديدة للترويج والتسويق.
كما ساهم برنامج تونس الإبداعية في دعم هذا المشروع ومرافقة الحرفيات، ضمن رؤية تقوم على تثمين التراث وتحويله إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
* لمطة وجبنيانة… حوار بين موروثين
ما جمع بسيسة لمطة ومشطية جبنيانة في هذا المؤتمر لم يكن مجرد تنسيق بروتوكولي، بل كان تعبيرًا واضحًا عن فلسفة المهرجان: التراث التونسي وحدة متكاملة، تتقاطع فيها الحرفة مع الغذاء، واللباس مع الطقوس اليومية، والذاكرة مع المستقبل.
فالمشطية التي تُرتدى في الأعراس والمناسبات، تحضر أيضًا على موائد الاحتفال، تمامًا كما تحضر البسيسة باعتبارها أكثر من طبق تقليدي، بل رمزًا للهوية والانتماء.
وتبقى الدورة الخامسة والعشرون لـمهرجان التراث الغذائي بلمطة، المنتظرة من 14 إلى 17 ماي 2026، موعدًا ثقافيًا وتراثيًا استثنائيًا لعشّاق الذاكرة التونسية الأصيلة.

مقالات مشابهة

الى جانب مجلة مسار: “حوارات فكرية” مجلة جديدة لاتحاد الكتاب التونسيين

admin

مهرجان القاهرة السينمائي يكرم المخرج المجري بيلا تار

admin

الكاتب الليبي محمد النعّاس يفوز بجائزة البوكر

admin