بقلم إلياس بن بلاغة – لم تعد الأزمة البيئية والعمرانية في تونس مجرّد مسألة تقنية أو إدارية، بل أصبحت أزمة حضارية تمسّ معنى العيش ذاته. فالمدن تتوسّع دون رؤية، والأراضي الفلاحية تتآكل تحت ضغط المضاربة العقارية، والموارد المائية تُستنزف، فيما يتراجع الحقّ في فضاءات إنسانية قابلة للحياة.
ورغم خطورة هذا الوضع، ما تزال الدولة تدير المجال الترابي بعقلية مركزية قديمة، تقوم على القرارات الفوقية والإجراءات الظرفية، دون قدرة حقيقية على فهم تعقيدات الواقع المحلي. فكلّما ظهرت أزمة، تمّت معالجة نتائجها بدل البحث في أسبابها العميقة : نعالج الفيضانات بعد الإسمنت، ونشتكي من التلوث بعد تدمير التوازنات الطبيعية، ونتحدث عن جودة الحياة بعد أن فقدت المدينة روحها.
لكنّ المأساة لا تقف عند حدود السياسات العمومية وحدها. فالمعماري ومخطّط المدن يتحملان بدورهما نصيباً من المسؤولية التاريخية. لقد تحوّل جزء من المهنة، عبر السنوات، من قوة اقتراح ونقد إلى مجرد أداة تقنية تواكب منطق التوسع العشوائي والمصالح العقارية الضيقة.
فكم من مشاريع أُنجزت دون قراءة حقيقية للمجال ؟
وكم من طرقات وشبكات سُطّرت دون اعتبار لدورة المياه أو لطبيعة الأرض ؟
وكم من أحياء سكنية قامت فوق أراضٍ فلاحية كان يفترض أن تبقى مصدر حياة للأجيال القادمة ؟
لقد تمّ اختزال العمارة والتخطيط العمراني في الإجراءات الإدارية والرخص والخرائط، بينما تمّ تهميش البعد الثقافي والإنساني والبيئي للمهنة.
واليوم، يجد المعماري ومخطّط المدن نفسيهما في وضعية متناقضة : فمن جهة يُطلب منهما حماية البيئة وتحسين إطار العيش، ومن جهة أخرى يتمّ إقصاؤهما من القرار الحقيقي، وتحويلهما إلى مجرّد منفذين داخل منظومة لا تعترف إلا بمنطق السرعة والربح والترضيات الإدارية.
إنّ ما يحدث اليوم ليس أزمة قطاع مهني فحسب، بل أزمة رؤية كاملة لكيفية بناء تونس المستقبل.
فالمدينة ليست إسمنتاً فقط، بل ذاكرة وهوية وعلاقة أخلاقية بين الإنسان والمكان. وحين تفقد المدينة معناها، يفقد المجتمع تدريجياً توازنه وانتماءه.
من هنا يكتسب التجمع الرمزي المزمع تنظيمه يوم 22 ماي 2026 أمام مقر هيئة المهندسين المعماريين بتونس معناه الحقيقي. فهو ليس تحركاً فئوياً ضيقاً، بل محاولة لإعادة طرح سؤال أصبح مصيرياً :
أيّ تونس نريد أن نتركها للأجيال القادمة ؟
وهل يمكن بناء مستقبل قابل للحياة دون عدالة مجالية، ودون حماية الأرض والماء والمدينة ؟
لقد آن الأوان لكي تستعيد العمارة والتخطيط العمراني دورهما الحقيقي : ليس كأدوات تقنية فقط، بل كفكر مسؤول يدافع عن معنى العيش المشترك وعن كرامة الإنسان داخل مجاله.
لأنّ :
بيئة صالحة للعيش تعني حياة
