بقلم : عبد اللطيف معطر
متفقد أوّل للمدارس الإعدادية والمعاهد (متقاعد)
صدور كتاب “دماء على أيدي رواد حانة Le Charentais – اغتيال فرحات حشاد: الجريمة والإفلات من العقاب” لفوزي الشيباني لا يمكن اعتباره مجرد إضافة جديدة إلى رفوف المكتبات أو مساهمة توثيقية عابرة في ملف يعرفه التونسيون منذ عقود.
فالقضية التي يعيد الكتاب فتحها ليست قضية تاريخية باردة تنتمي إلى الماضي، بل جرح وطني لم يندمل، وواحد من أكثر الأسئلة إحراجًا في تاريخ الدولة الوطنية الحديثة: كيف يمكن لجريمة سياسية بحجم اغتيال فرحات حشاد أن تبقى، بعد أكثر من سبعين سنة، دون مساءلة حقيقية ودون عدالة مكتملة ؟
منذ العنوان نفسه، يعلن الكتاب انشغاله المركزي بقضية الإفلات من العقاب، لا بمجرد سرد وقائع الاغتيال. ويتأكد ذلك أكثر في السؤال الذي يطرحه المؤلف في الصفحة 14: “هل من مآل لجريمة اغتيال منسية ؟”.
حرقة النقابي
هو سؤال لا يبدو موجها إلى الماضي بقدر ما يبدو إدانة لصمت طويل، وتقصير جماعي امتد لعقود، حتى كادت الجريمة تتحول إلى مجرد ذكرى احتفالية تستعاد كل سنة في الخطب والبيانات.
قد يعتقد البعض، ممن لا يعرفون فوزي الشيباني، أنهم أمام عمل أكاديمي أنجزه مؤرخ محترف أو باحث متخصص في الأرشيف الاستعماري.
لكن أهمية هذا الكتاب تكمن ربما في كونه صادرًا عن مناضل نقابي لا عن مؤرخ جامعي. ذلك أن صاحبه لم يقترب من الملف بعين الباحث المحايد، بل بحرقة النقابي الذي يرى في اغتيال فرحات حشاد استهدافًا مبكرًا ليس لشخص فحسب، وإنما لفكرة كاملة: فكرة الحركة الوطنية الاجتماعية التي كانت تربط التحرر الوطني بالكرامة الاجتماعية والسيادة الشعبية.
لقد جمع فوزي الشيباني وثائق وشهادات ومعطيات متناثرة، ثم أعاد ترتيبها لكي يذكّر بما حاول الزمن والسياسة معًا دفعه إلى الهامش: أن اغتيال فرحات حشاد لم يكن حادثة معزولة أو “انحرافًا” داخل المنظومة الاستعمارية، بل كان جريمة سياسية كاملة الأركان، خططت لها أيادٍ كانت تدرك جيدًا ما يمثله الرجل من خطر على المشروع الاستعماري الفرنسي في تونس وشمال إفريقيا عمومًا.
ملف معلق الى اليوم
غير أن ما يمنح الكتاب بعده الإشكالي الحقيقي هو جرأته في الإشارة إلى مسؤوليات متعددة في بقاء الملف معلقًا إلى اليوم. فالمؤلف لا يكتفي بتوجيه أصابع الاتهام إلى الاستعمار الفرنسي، بل يلمح أيضًا إلى أشكال من التقصير والخذلان تعود إلى أكثر من طرف: عائلة الشهيد، والاتحاد العام التونسي للشغل، والدولة التونسية نفسها، التي لم تدفع، على امتداد عقود، نحو معركة سياسية وقانونية جدية من أجل الحقيقة والمحاسبة وفتح الأرشيف.
وفي مقابل هذا الصمت التونسي الطويل، يشيد الكتاب بالموقف الجزائري من الذاكرة الاستعمارية، خاصة بعد صدور قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي ويدعو إلى الاعتراف الرسمي بجرائمه وفتح الأرشيف وتعويض الضحايا. وكأن المؤلف يريد أن يقول، بصورة غير مباشرة، إن الشعوب التي تحترم ذاكرتها لا تكتفي بإحياء المناسبات، بل تحوّل الذاكرة إلى فعل سياسي وأخلاقي مستمر.
إن أخطر ما تفعله الجرائم السياسية حين تُترك بلا عدالة هو أنها لا تبقى حبيسة الماضي، بل تتحول تدريجيًا إلى جزء من الثقافة السياسية السائدة، حيث يصبح النسيان نوعًا من التعايش الصامت مع الإفلات من العقاب. لذلك فإن إعادة فتح ملف اغتيال حشاد اليوم ليست استدعاءً عاطفيًا للماضي بقدر ما هي امتحان لذاكرتنا الوطنية ولمدى قدرتنا على مواجهة تاريخنا دون مواربة أو انتقائية.
متى تتحرك المياه الراكدة؟
لقد ألقى فوزي الشيباني، بهذا الكتاب، حجرًا في مياه ظلت راكدة طويلًا. والسؤال الآن ليس فقط إن كانت تلك المياه ستتحرك، بل أيضًا إن كانت المؤسسات الوطنية، السياسية والنقابية والحقوقية والثقافية، مستعدة لتحويل هذا الجهد إلى معركة فعلية من أجل الحقيقة التاريخية والعدالة الرمزية. فالأمم لا تُقاس فقط بما تتذكره، بل أيضًا بما ترفض أن تنساه.
ولعل ما يمنح هذا الكتاب بعدًا إضافيًا في هذا التوقيت بالذات هو أنه يصدر بينما يعيش الاتحاد العام التونسي للشغل واحدة من أدق لحظاته التاريخية. فالأزمة لم تعد تقتصر على صراعات قيادة أو خلافات حول القوانين الداخلية، بل أصبحت تمسّ بصورة متزايدة معنى المنظمة نفسها ووحدتها ودورها الوطني.
لذلك لا تبدو العودة إلى فرحات حشاد مجرد وفاء للذاكرة، بل أشبه بنداء موجّه إلى النقابيين جميعًا، باختلاف اتجاهاتهم، كي يكونوا في مستوى الأمانة التي تركها الرجل وراءه، ويحافظوا على منظمتهم وفية للروح التي تأسست عليها: روح الاستقلالية والنضال والانحياز لقضايا الشغالين والشعب.
