الشعب نيوز / تونس – أعادت وفاة عون بلدي تابع لبلدية صفاقس، أثناء مباشرته لأشغال تهيئة وصيانة الحدائق، إلى الواجهة ملف الصحة والسلامة المهنية داخل البلديات، وسط تحذيرات من تفاقم المخاطر التي تهدد حياة الأعوان أثناء أداء مهامهم اليومية.
ولقي العون البلدي حتفه إثر تعرضه لحادث شغل قاتل خلال قيامه بعملية زبر الأشجار، بعدما سقط من أعلى سلم وأصيب إصابة بليغة على مستوى الرأس أودت بحياته على عين المكان، وهو بصدد أداء واجبه المهني في خدمة المرفق العمومي والمواطنين.
وعبرت الجامعة العامة للبلديين عن بالغ حزنها وأسفها لهذا المصاب، متقدمة بأحر التعازي إلى عائلة الفقيد وزميلاته وزملائه وإلى كافة أعوان بلدية صفاقس، معتبرة أن هذه الحادثة لا يمكن النظر إليها كواقعة معزولة أو مجرد حادث عرضي، بل تمثل حلقة جديدة ضمن سلسلة مؤلمة من حوادث الشغل التي تحصد أرواح الأعوان أثناء تأدية مهامهم.
وتكتسي هذه الحادثة خطورة خاصة، وفق ما أكدته الجامعة، لكونها تأتي بعد أقل من أسبوعين من حادث شغل قاتل آخر راح ضحيته العون البلدي محمد علي المكي ببلدية منوبة، إثر تعرضه لصعقة كهربائية أثناء تدخله لصيانة شبكة الإنارة العمومية. وترى الجامعة أن تقارب هذه الحوادث زمنياً يؤكد أن الأمر لم يعد يتعلق بحالات فردية أو استثنائية، بل بمؤشرات مقلقة على تفاقم المخاطر المهنية التي تواجه أعوان البلديات في مختلف الاختصاصات والمهام.
وأكدت الجامعة العامة للبلديين أن تكرار الحوادث القاتلة خلال فترة زمنية وجيزة يمثل جرس إنذار حقيقياً بشأن واقع منظومة الصحة والسلامة المهنية داخل البلديات، ويكشف عن جملة من الإخلالات المتراكمة المرتبطة بنقص وسائل الوقاية الفردية والجماعية، وتهالك المعدات والتجهيزات، وضعف التكوين والتأهيل، فضلاً عن غياب التقييم الجدي للمخاطر المهنية المصاحبة للأعمال الميدانية التي يباشرها الأعوان في الطرقات والحدائق والمنشآت والتجهيزات العمومية.
وشددت الجامعة على أن العامل البلدي ليس مجرد رقم يضاف إلى إحصائيات حوادث الشغل، وأن حماية حياته وسلامته تمثل مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يمكن التهاون فيها. كما اعتبرت أن استمرار سقوط الأعوان أثناء أداء واجبهم المهني يفرض مراجعة عاجلة وشاملة لسياسات الوقاية والسلامة المهنية، إلى جانب فتح تحقيقات جدية وشفافة في الحوادث المتكررة، والعمل على توفير شروط العمل الآمن، وتجديد وسائل التدخل والحماية، ووضع هذا الملف ضمن أولويات السلطات الوطنية والمحلية.
وفي هذا السياق، دقت الجامعة العامة للبلديين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بالنزيف المتواصل لأرواح الأعوان، محذرة من أن مواصلة التعامل مع ملف السلامة المهنية بمنطق التأجيل أو المعالجة الشكلية لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخسائر البشرية. وأكدت أن الحياة الإنسانية لا يمكن اختزالها في اعتبارات الكلفة والميزانيات، وأن السلامة المهنية حق أساسي من حقوق العاملات والعمال وشرط جوهري من شروط العمل اللائق.
كما جددت الجامعة تأكيدها أنها لن تسمح بأن تتحول دماء أعوان البلديات إلى أرقام عابرة في التقارير والإحصائيات، ولن تقبل بأن يصبح الموت أثناء العمل أمراً اعتيادياً يواجه بالصمت أو النسيان. وأعلنت تمسكها بمواصلة الدفاع عن حق الأعوان في العمل الآمن واللائق، ومتابعة كل الإخلالات التي تهدد سلامتهم، مع الاحتفاظ بحقها في خوض مختلف الأشكال النضالية والقانونية المشروعة من أجل فرض احترام معايير الصحة والسلامة المهنية وحماية الأرواح.
وترى الجامعة أن تحول مواقع العمل إلى مصدر خطر دائم يجعل من الدفاع عن الحق في الحياة والسلامة معركة لا تقل أهمية عن الدفاع عن الأجور والحقوق المهنية، مؤكدة تمسكها بمبدأ مفاده أنه لا يمكن الحديث عن خدمة عمومية محترمة دون حماية من يؤمنونها، ولا عن كرامة العامل دون ضمان حقه في العودة سالماً إلى أسرته بعد يوم عمل.
وختمت الجامعة العامة للبلديين موقفها بالتأكيد على أن تكرر الحوادث القاتلة داخل البلديات يستوجب تحركاً عاجلاً قبل أن تتحول مواقع العمل إلى فضاءات مفتوحة للموت والإصابات الخطيرة، مشددة على أن حياة الأعوان تمثل خطاً أحمر لا يقبل التأجيل أو المساومة، وأن العاملين في الشوارع والطرقات والحدائق والمرافق العمومية يستحقون ظروف عمل آمنة تحفظ أرواحهم وتصون كرامتهم أثناء أداء واجبهم اليومي.
