لم يُؤذن لأيام العيد أن تنتهي بعد في ذلك المنزل الذي نأى بنفسه عن جلبة المدن وصخب سكانها.
في “الفيراندا” الخلفية الملاصقة للمطبخ، مازالت الحبال مشدودة تحت ثقل ما تحمله من شرائح لحم اختيرت بعناية وقُطعت بأسلوب يناسب استعمالها لاحقًا، إلى جانب بعض الأمعاء والقلب والمنديل وجزء من اللية. مكونات متبّلة ومعلقة بعناية تكاد تكون طقسًا مستقلاً بذاته.
هنا لا يُقاس انقضاء العيد بعدد الأيام التي مرت منذ الذبح، بل بما تبقى على الحبال. ففي ثالث أيام التشريق ينطلق موسم آخر. موسم القديد.
ولعل التسمية نفسها تحمل أثر هذا الطقس القديم. ففي “لسان العرب” يورد ابن منظور أن التشريق مشتق من قولهم “شرّق اللحم” إذا بُسط في الشمس ليجف ويحفظ، وأن أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر، وسُمّيت بذلك لأن الناس كانوا يشرّقون فيها لحوم أضاحيهم، أي ينشرونها تحت الشمس حتى لا تفسد. هكذا احتفظت اللغة بذاكرة عادة غذائية سبقت بقرون ظهور وسائل التبريد الحديثة.
لكن القديد في جزيرتنا الهادئة (قرقنة) لا يُنشر في الشمس كما جرت العادة في مناطق أخرى، بل يُعلّق في الظل، بعيدًا عن الرطوبة، وتُراقب حالته يومًا بعد يوم بعين خبيرة تعرف متى يجف ومتى يحتاج إلى مزيد من الوقت.
حين يصبح العيد مشروعًا ماليًا
تحدثني والدتي، وهي الحافظة لوصفة عائلية توارثتها النساء جيلاً بعد جيل، عن زمن سبق اختراع الثلاجة ووسائل التبريد الحديثة. زمن لم يكن فيه حفظ الطعام مسألة رفاه أو اختيار، بل ضرورة حياة.
لم يعد الخروف اليوم مجرد أضحية. بالنسبة إلى كثير من الموظفين والأجراء والمتقاعدين، أصبح مشروعًا ماليًا صغيرًا يبدأ قبل العيد بأشهر. فثمن الأضحية لم يعد تفصيلاً عابرًا في ميزانية الأسرة، بل بندًا استثنائيًا يفرض الادخار المسبق وإعادة ترتيب الأولويات.
لذلك لا تبدو طقوس القدّيد والقلاية والملفوف مجرد عادات موروثة، بل تعبيرًا عن ثقافة كاملة في تدبير الموارد والاستفادة من كل ما تمنحه الأضحية. فحين ترتفع الكلفة، يصبح للهدر ثمن أكبر أيضًا.
لا شيء يُهدر
في ذلك الزمن لم تكن الأضحية تستهلك في أيام قليلة. كان الخروف يُقسّم بعناية وفق منطق اقتصادي وغذائي دقيق. جزء منه للشواء يوم العيد، حيث تتصدر الأضلاع والفخذ والكبد موائد الاحتفال. وجزء آخر يُخزّن في أكياس مختلفة تحمل أسماء أكلات تونسية راسخة: الكسكسي، المقرونة، المصلي، الشربة. أما الرأس والسيقان فلهما مواعيد أخرى مع أطباق الشتاء الدسمة.
كانت الأكياس تُكتب عليها أسماء الأكلات قبل أن تُرتّب داخل المجمدات اليوم، أو تحفظ في أوعية خاصة قديمًا. لكل قطعة لحم مصير معلوم، ولكل وجبة موعد مؤجل مع الشتاء أو مع مناسبة عائلية قادمة. لم يكن شيء يترك للصدفة، ولم يكن شيء يُهدر.
ثم تأتي القلاية، وهي واحدة من أكثر طرق الحفظ قدرة على مقاومة الزمن. مكعبات صغيرة من اللحم والكبد والكلى وخصيتي الخروف تُملح وتُتبّل بالفلفل الأحمر وكثير من الثوم، ثم تُطهى في الزيت حتى تصبح مؤونة جاهزة لأشهر طويلة. تختلف وصفاتها من جهة إلى أخرى، لكنها تشترك جميعًا في فكرة واحدة: تأجيل الاستهلاك وتأمين الغذاء لأيام قادمة.
أما الدوارة والعصبان، أو الأمعاء المحشية، فلها بدورها مكان محفوظ في الذاكرة الغذائية التونسية، سواء في الكسكسي أو في مرقة البطاطا أو في أطباق الأرز. وهي أطباق تختزل فلسفة كاملة تقوم على الاستفادة من الأضحية كاملة دون استثناء.
ولم تكن فلسفة الاستفادة الكاملة تتوقف عند اللحم والأحشاء. فحتى جلد الخروف كان يجد له حياة أخرى داخل البيوت. يُنظف ويُجفف ويُحفظ ليصبح معطفًا للبرد أو فراشًا للأيام الباردة، وكأن الأضحية تواصل مرافقة أصحابها طويلًا بعد انتهاء العيد.
مؤونة الشتاء
ويبقى الجزء الأخير هو الأكثر ارتباطًا بفكرة الحفظ نفسها: القديد والملفوف.
فالملفوف، الذي يتكون من الرئة والقلب والأمعاء والمنديل والكرشة وبعض قطع اللحم، يكاد يختفي اليوم من كثير من البيوت، شأنه شأن العديد من تقاليد الحفظ القديمة التي تراجعت أمام هيمنة الثلاجات والمجمدات، وتقلص انتقال الوصفات التقليدية بين الأجيال، وضيق الوقت الذي تتطلبه طقوس إعدادها.
أما إعداده فيتطلب صبرًا ومهارة، ويحتاج إلى أيام من التنظيف والتتبيل والتجفيف قبل أن يصبح جاهزًا للاستهلاك أو التخزين.
ومع ذلك مازالت والدتي ترى أن بعض الأكلات التونسية تفقد جزءًا من روحها في غياب هذه المؤونة القديمة. تقول إن الكسكسي بالبسباس والقرنيط، وهو من الأطباق التي تكاد تقتصر على موائد الجزيرة، لا يستقيم إلا بالقديد، وإن الشكشوكة ترتقي بنكهتها إلى مرتبة أخرى عندما يحضر الملفوف.
ثم تضيف مبتسمة أن الأطباء قد لا يوافقونها الرأي كله، فهذه الأكلات ورثت عن زمن كان الملح فيه وسيلة للحفظ قبل أن يكون مصدر قلق صحي. بين حكمة الجدات ونصائح الأطباء اليوم، مازالت تلك الوصفات تحتفظ بمكانها على الموائد، ولو على فترات متباعدة.
أكثر من وسيلة للحفظ
غير أن القديد مازال صامدًا. وربما تكمن خصوصيته في أنه لم يعد مجرد وسيلة لحفظ اللحم. فالثلاجات الحديثة قادرة اليوم على أداء هذه المهمة بكفاءة أكبر. ومع ذلك مازالت عائلات كثيرة تصر على إعداد القديد عامًا بعد عام.
السبب لا يتعلق بالحاجة وحدها، بل بالذاكرة أيضًا. فالقدّيد يحمل في داخله حكاية مجتمع عرف قيمة المواسم، وخبِر تقلبات الطبيعة، وتعلم كيف يؤجل جزءًا من الوفرة إلى زمن الندرة. وهو شاهد على اقتصاد منزلي كامل كانت النساء فيه خبيرات في التدبير والتخزين والحفاظ على الغذاء، وكانت وصفاتهن تمنح الطعام نكهة يصعب أن تعيد إنتاجها المقادير وحدها.
منظومة متكاملة
كانت الحبال المعلقة في الفيراندا جزءًا من منظومة متكاملة لحفظ الحياة اليومية، تمامًا كما كانت الجرار تحفظ الزيت، والمطامير تحفظ الحبوب، والصناديق الخشبية تحفظ المؤونة.
وكانت النساء، دون كتب طبخ أو أجهزة قياس أو دورات تكوين، يمتلكن معرفة دقيقة بدرجات الملح، وكمية التوابل، وحركة الرياح، ومخاطر الرطوبة، وموعد إنزال اللحم.
واليوم، ورغم تغير أنماط العيش، مازالت بعض تلك الحبال تقاوم. ومازال جزء من العيد يرفض أن ينتهي بانتهاء أيامه الثلاثة.
فالقديد ليس مجرد لحم مجفف، بل طريقة أخرى لتمديد العيد وتأجيله قليلًا، حتى يحضر من جديد في طبق كسكسي شتوي أو في شربة ساخنة أو في رائحة تتسلل من المطبخ وتستدعي مواسم كاملة من الذاكرة.
وإذا كانت اللغة قد حفظت في عبارة “أيام التشريق” أثر عادة قديمة لتجفيف اللحم، فإن القديد مازال يحفظ إلى اليوم أثر مجتمع كامل؛ مجتمع عرف كيف يُحوّل مناسبة عابرة إلى مؤونة، والوفرة إلى تدبير، والطعام إلى ذاكرة، والعيد إلى فصل يمتد طويلًا بعد انقضاء أيامه.
