جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

كم منا يخاف من يوم التقاعد أكثر مما يخاف من المرض؟

يوم واحد.
هذا كل ما يفصل بين من كان عاملاً أو موظفاً، ومن أصبح متقاعداً. يغلق باب المكتب، يسلّم المفاتيح، يودّع الزملاء… ويظن أن الراحة أخيراً بدأت. لكن سرعان ما يكتشف أن باباً آخر قد فُتح، أثقل بكثير: كيف سيعيش بما تبقّى من دخله؟
في تونس، لا أحد يهيّئك حقاً لهذه اللحظة. التقاعد لا يأتي كامتداد هادئ لمسيرة عمل، بل كقفزة مفاجئة من دخل متحرك إلى دخل جامد، في بلد لا يعرف اقتصاده معنى الثبات.
الأرقام وحدها كفيلة بأن تشرح الكثير. الحد الأدنى لبعض جرايات القطاع الخاص قد يبدأ من حدود 260 دينار تقريباً في الشهر. تُقدَّر شريحة واسعة من المتقاعدين بأنها تعيش بين 300 و600 دينار. أما في القطاع العمومي، فتتراوح جرايات فئة مهمة بين 700 و1200 دينار، حسب الرتبة والمسار المهني. هذه الأرقام تصطدم بواقع لا يرحم: أسعار المواد الأساسية ترتفع كل شهر تقريباً، والدواء يزداد كلفة كلما تقدّم الإنسان في السن، والقدرة الشرائية تتآكل بصمت. باختصار: الدخل ثابت… والحياة، للأسف، ليست كذلك.
الفارق الصادم
وقبل أن يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يبدأ القلق يتسلل إليه من دون استئذان. سؤال بسيط يتكرر في ذهنه أكثر فأكثر: “هل سيكفيني ما سأحصل عليه؟” لم يعد هذا القلق حكراً على فئة معينة، بل أصبح يلاحق حتى من كانوا يظنون أنفسهم في مأمن، خاصة في القطاع الخاص، حيث الفارق بين آخر أجر وأول جراية قد يكون صادماً.
نشأنا جميعاً على فكرة أن التقاعد هو مكافأة العمر: راحة مستحقة بعد سنوات من الجهد. لكن كثيرين يكتشفون عكس ذلك تماماً. ميزانية تُحسب بالمليم، مصاريف صحية تكبر مع تقدّم السن، والتزامات عائلية لا تتوقف لمجرد أن صاحبها توقف عن العمل. وهكذا، بدل أن يكون التقاعد راحة، يتحول إلى سهر يومي على حساب دقيق لموارد لا تكفي.
وحتى من يُقال عنه إنه “محظوظ” بجراية جيدة، لا ينجو من هذا الشعور. لي زميل تقاعد بعد مسار طويل في التعليم العالي، وجرايته تُعتبر من الأفضل مقارنة بغيره. لكنه اعترف لي ذات مرة أن جزءاً كبيراً منها يذهب مباشرة للأدوية والمتابعة الصحية، وجزءاً آخر لمساعدة أبنائه، وما يتبقى لا يمنحه أبداً ذلك الشعور بالأمان المالي الذي كان يحلم به. أحياناً، حتى الجراية “الجيدة” لا تكفي لتبديد الهشاشة.
العبء الدائم
فالصحة، مع تقدّم العمر، تتحول من هَمّ عابر إلى عبء مالي دائم. أدوية مزمنة لا تنتهي، فحوصات دورية لا مفرّ منها، وأحياناً علاج خاص حين تتعطل المنظومة العمومية أو تتأخر. وهكذا يُترك جزء من هذا العبء على كاهل الفرد وحده، رغم أنه من المفترض أن تحميه منظومة اجتماعية كاملة.
وهنا يُطرح السؤال الأعمق: هل تستطيع منظومة الحماية الاجتماعية أصلاً أن ترافق الإنسان بعد نهاية عمله، أم أن دورها يتوقف عند لحظة خروجه من سوق الشغل؟
سؤال أعاده إلى الواجهة الجدل الأخير حول الزيادة في الأجور، بعد أن تبيّن أن بعض الجرايات التي تقل عن الأجر الأدنى المضمون لم تشملها هذه الزيادات. بالنسبة لكثير من المتقاعدين، لم يكن الأمر يتعلق برقم لم يتغيّر بقدر ما كان إحساساً أعمق بأن الفئات الأضعف تُترك دائماً على الهامش كلما اتُّخذ قرار جديد، وكأن من أعطى عمره للعمل أصبح آخر من يُلتفت إليه عند توزيع المكاسب.
فالسؤال لم يعد فقط: كم هي الجراية؟ بل أصبح أعمق من ذلك: هل يستطيع هذا النظام أصلاً أن يضمن لإنسان عمل طوال حياته شيخوخة كريمة؟ لأن المشكلة ليست في رقم واحد، بل في منظومة كاملة تعاني من فجوة بين الجرايات وكلفة الحياة، ومن تفاوت كبير بين الفئات، ومن ضعف واضح في مواكبة التضخم والزيادات حين تُقرَّر.
كم يبقى في اليد؟
في النهاية، لا تُقاس عدالة أي سياسة اجتماعية بما يُعلن عنها في المناسبات، بل بما يتبقى فعلياً في يد المتقاعد آخر الشهر: في قدرته على دفع فاتورة، أو شراء دواء، أو النوم دون قلق دائم من الغد. ولا يبدو التقاعد في تونس مجرد محطة نهاية لمسيرة عمل، بل يبدو أقرب إلى مرآة متأخرة تكشف مدى عدالة نظامنا الاجتماعي بأكمله. فهل المشكلة حقاً في مقدار الجراية فقط؟ أم في نموذج كامل يجعل من نهاية العمل بداية حساب يومي على البقاء، بينما يُترك الأضعف دائماً في آخر القائمة؟
سؤال يبقى معلّقاً… ويزداد إلحاحاً مع كل متقاعد جديد.

مقالات مشابهة

عندما نرفع الورقة الحمراء…

ben salah

حين ترتسم الفرحة على وجوه الملائكة

فريق النشر Echaab News

أحمد التليلي: الصوت الذي صرخ بالخراب قبل أن يبتلع مفاصل الدولة.

ben salah