الشعب نيوز/ وسائط – عن السؤال المطروح في العنوان، يجيب الاخ محمود الجلاصي، عبر صفحة الفرع الجامعي للكهرباء والغاز بالمنستير، بالتفصيل العلمي والتقني وحتى “بالفلاقي” كما نقول في تونس.
عملية طرح الأحمال الوقائية (Délestage) ليست مجرد خيار تشغيلي عابر، بل هي خط الدفاع الأخير والضروري لحماية المنظومة الكهربائية من الانهيار الكامل.
بشهادة جميع مهندسي العالم وخبراء الطاقة، فإن غياب هذه العملية عند حدوث عجز في التوليد يؤدي حتمًا إلى كارثة تقنية واقتصادية كبرى تُعرف بالانهيار الشامل للشبكة (Blackout).
إليك بالتفصيل العلمي والتقني ماذا يحدث للشبكة إذا لم يتم التدخل بعملية الـ Délestage، ولماذا يعتبرها الخبراء إجراءً حتميًا وواجبًا:
1. ماذا يحدث في الشبكة فورًا عند غياب الـ Délestage؟
تعتمد الشبكة الكهربائية على توازن فيزيائي لحظي وحساس جدًا بين الطاقة المنتجة والطاقة المستهلكة. إذا زاد الطلب فجأة (أو انخفض الإنتاج بسبب خروج محطة توليد عن الخدمة) دون موازنة سريعة، تبدأ سلسلة من التفاعلات المتتالية:
أ. الهبوط الحاد في التردد (Chute de Fréquence)
التردد المستهدف (مثلاً 50 هرتز) هو مؤشر دقات قلب الشبكة.
عند حدوث عجز في الإنتاج، تبدأ المولدات الضخمة في محطات التوليد بالتباطؤ ميكانيكيًا نتيجة الحمل الزائد، مما يؤدي إلى هبوط التردد تحت الحد المسموح به (مثلاً دون 49.5 هرتز).
ب. تفعيل الحماية الذاتية للمولدات (Déclenchement des Groupes)
لحماية التوربينات والمولدات الضخمة المكلفة جدًا من التلف الميكانيكي والحراري بسبب التردد المنخفض، تتدخل أجهزة الحماية التلقائية وتقوم بفصل المولدات عن الشبكة لحماية نفسها.
ج. تأثير الدومينو والانهيار المتتالي (Effet Domino)
خروج المولد الأول بسبب انخفاض التردد يزيد من حجم العجز على المولدات المتبقية في الشبكة.
ينتقل العجز فورًا إلى بقية المحطات، فتخرج تلو الأخرى في غضون ثوانٍ معدودة.
د. الإظلام التام (Blackout Total)
النتيجة الحتمية هي الانهيار الشامل وانقطاع الكهرباء عن الدولة أو الإقليم بالكامل، لتتحول الشبكة الحية إلى شبكة ميتة تمامًا.
2. هل الانهيار الشامل (Blackout) كارثة كبرى؟
نعم، بكل المقاييس التقنية والاقتصادية والأمنية. الفارق بين انقطاع الكهرباء عبر Délestage وبين الـ Blackout هو فارق جوهري:
صعوبة إعادة التشغيل (Reconstitution du Réseau): عندما تموت الشبكة بالكامل، لا يمكن إعادة تشغيل المحطات بـ “ضغط زر”. تحتاج المحطات الكبيرة إلى طاقة خارجية لتبدأ بالعمل مجددًا (ما يُعرف بالـ Black Start). عملية إعادة بناء الشبكة تدريجيًا وربط المحطات ومزامنتها (Synchronisation) قد تستغرق ساعات طويلة وأحيانًا أيامًا من العمل التقني المعقد والحذر لمنع انهيارها مجددًا أثناء البناء.
الأضرار المادية الجسيمة: التغيرات المفاجئة والعنيفة في الجهد والتيار أثناء الانهيار قد تتسبب في احتراق محولات ضخمة (Transformateurs de puissance) وتلف معدات الربط والتوزيع العالي والمتوسط والمنخفض (HTA/BT)، وهي معدات باهظة الثمن ويستغرق استبدالها أشهرًا.
شلل المرافق الحيوية: تنقطع الكهرباء حتى عن المستشفيات، ومحطات ضخ المياه، والاتصالات، ومحطات التطهير، مما يهدد الأمن القومي مباشرة.
3. لماذا يعتبر الخبراء الـ Délestage “عملية واجبة ومقدسة”؟
في هندسة تشغيل الشبكات، يُصنف الـ Délestage كأهم أداة في مخطط حماية الشبكة (Plan de sauvegarde du réseau). يتفق مهندسو العالم على النقاط التالية:
مبدأ “بتر عضو لإنقاذ الجسد”: يرى الخبراء أن قطع الكهرباء بشكل مبرمج ومؤقت عن منطقة أو بضعة خطوط تزويد (Depart) لمدة ساعة أو ساعتين، هو تضحية تقنية ذكية وضرورية لضمان استمرار عمل الـ 90% المتبقية من الشبكة وحماية المحطات من التوقف والانهيار.
الأتمتة الذكية (Délestage Fréquencemétrique): لحماية الشبكة من الانهيارات السريعة جدًا التي لا تترك وقتًا للتدخل البشري، تُثبّت على مستوى محطات التحويل والربط ريليات خاصة (Relais de délestage) تقوم بفصل أحمال معينة آليًا وبأجزاء من الثانية بمجرد هبوط التردد إلى مستويات حرجة (مثل 49.0 هرتز).
إجراء معتمد عالميًا: لا توجد شبكة كهربائية في العالم (سواء في أمريكا، أوروبا، أو إفريقيا) لا تحتوي على نظام طرح أحمال وقائي. إنه المعيار الذهبي المعتمد لدى جميع مشغلي شبكات نقل الكهرباء (TSO) لضمان استقرار واستمرارية المنظومة الكهربائية.
