في الذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية، استعاد حماي ذكريات السنوات الأولى للاستقلال، وتحدث عن بدايات بناء الدولة والمكانة التي احتلها التعليم في مشروعها.
كان يروي تلك المرحلة بحماس لافت، وتلمع عيناه كلما عاد إلى تفاصيل تجربة عاشها وشارك فيها: بناء أول مدرسة عمومية في منطقته، ثم مشاهدة أثرها يمتد في حياة أجيال كاملة.
في ذلك الزمن، لم تكن في المنطقة مدرسة واحدة. وكان مستقبل الأطفال يرتبط، إلى حد بعيد، بما تمارسه عائلاتهم من أعمال. فمن كان والده عاملًا يوميًا، كان يتوقع أن يسلك الطريق نفسه، ومن كان والده خمّاسًا، كان يرى نفسه يعمل مثله في أرض غيره مقابل جزء محدود من المحصول. كانت مهنة الأب والوضع الاجتماعي للأسرة يرسمان للأبناء آفاقًا ضيقة، وكانت فرص تغيير الواقع الصعب الذي تعيشه العائلات محدودة.
كان الطفل يكبر وهو يعرف تقريبًا العمل الذي ينتظره، وكانت الأسرة تدرك أن انتقال أبنائها إلى حياة مختلفة أمر بعيد المنال. تتكرر الظروف ذاتها من جيل إلى آخر، ويواصل الأبناء مسارات آبائهم لغياب طريق آخر يفتح أمامهم إمكانات جديدة.
حتى من أعمارهم اثنتي عشرة سنة
بعد الاستقلال، بدأت الدولة تضع أسس مشروع جديد للبلاد بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة، وجعلت التعليم في صدارة أولوياتها. كان الاعتقاد راسخًا بأن المدرسة قادرة على النهوض بالمجتمع، وأن تعليم أبناء العائلات الفقيرة يفتح أمامهم فرصًا لم يعرفها آباؤهم.
انطلقت الدعوة إلى تسجيل جميع الأطفال، وشملت حتى الذين بلغت أعمارهم اثنتي عشرة سنة، حتى يتداركوا ما فاتهم من تعليم. واتجهت الدولة إلى نشر المدارس في القرى والمناطق النائية، حتى يجد كل طفل مكانًا في القسم مهما كانت سنه أو ظروف أسرته.
عندما وصل هذا التوجه إلى المنطقة، استقبله الأهالي بأمل كبير. كانت المدرسة غائبة تمامًا، فتقرر تشييد أول مدرسة عمومية فيها، وأُسندت الأشغال إلى أحد المقاولين، مع تنظيم مساهمة السكان في عملية البناء.
اجتمع شيوخ المنطقة ووجهاؤها، وقسّموا أيام العمل بين المشيخات. خُصص لكل مشيخة يوم للمشاركة في الأشغال، وكان الرجال يتوجهون منذ الصباح الباكر إلى الشانطي. يحمل بعضهم الحجارة، وينقل آخرون الرمل والماء، ويساعد غيرهم البنّائين في إعداد مواد البناء ورفع الجدران.
فطور الصباح ووجبة منتصف النهار
كانت الإمكانات محدودة والأدوات قليلة، وكان الحماس يزداد كلما ارتفع جدار أو اكتمل جزء من المبنى. تابع الأهالي المدرسة وهي تتشكل أمام أعينهم، وشعروا بأن طريقًا جديدًا يُفتح لأبنائهم. كان كل حجر يوضع في مكانه يقربهم من اليوم الذي يرون فيه أطفالهم داخل الأقسام، يحملون الكتب ويتعلمون القراءة والكتابة.
تحول الشانطي إلى فضاء عامر بالحركة. تعاقبت المشيخات على العمل، وتوزعت المهام بين الرجال، وجمعهم أمل واحد. ومع تقدم الأشغال، أخذت المدرسة شكلها، وبدأت العائلات تنظر إلى مستقبل أبنائها بعين مختلفة. كانت الجدران ترتفع، وكانت معها آمال الناس تتسع.
اكتمل البناء قبل انطلاق السنة الدراسية، فعم الفرح أرجاء المنطقة واحتفل الأهالي بالإنجاز الذي انتظروه طويلًا. أصبح لأبنائهم، للمرة الأولى، مكان يتعلمون فيه، وبداية تختلف عن الحياة التي عرفها من سبقهم.
توافدت العائلات لتسجيل أطفالها. وكانت أغلبها تعيش ظروفًا مادية صعبة، تعجز معها عن شراء الكتب والأدوات المدرسية. وفرت الدولة الكتب للتلاميذ، وخصصت لأبناء العائلات المعوزة فطور الصباح ووجبة منتصف النهار في الكانتينة المدرسية. خفف ذلك أعباء ثقيلة عن الأسر، وساعد أبناءها على المواظبة على الدراسة والتعلم في ظروف أفضل.
مدرسة عمومية صنعت فارقًا حقيقيًا
دخل الأطفال الأقسام للمرة الأولى وهم يحملون كتبهم ودفاترهم، وقد امتزج الفرح بالدهشة على وجوههم. كان كثير منهم أول فرد في عائلته يتعلم القراءة والكتابة، وأول من يحمل كتابًا مدرسيًا، وأول من يكتشف أن مستقبله يمكن أن يتشكل وفق قدراته واجتهاده.
بدأ الواقع يتغير تدريجيًا. أصبح ابن العامل اليومي قادرًا على تصور طريق آخر، ورأى ابن الخمّاس أمامه أفقًا يتجاوز المهنة التي توارثتها أسرته. منحت المدرسة هؤلاء الأطفال فرصة لاكتشاف قدراتهم، ووسعت أمامهم مجالات الاختيار والترقي.
مرت السنوات، وكبر أولئك الأطفال، وواصل عدد منهم تعليمهم إلى مراحل متقدمة. أصبح منهم المعلم والطبيب والمهندس والإداري، وتولى بعضهم مسؤوليات مهمة في مؤسسات الدولة. نقلهم التعليم من مستقبل ترسمه مهنة العائلة وظروفها إلى مستقبل تفتحه المعرفة والكفاءة والاجتهاد.
كان حماس حماي وهو يستعيد تلك التجربة تعبيرًا عن فخره بمساهمته في بناء مدرسة عمومية صنعت فارقًا حقيقيًا في حياة منطقته. فقد رأى أبناء العائلات البسيطة يواصلون تعليمهم، ويحصلون على الشهادات، ويتولون وظائف ومسؤوليات غيرت أوضاعهم وأوضاع أسرهم.
تساؤل مشروع عن جدوى الدراسة
وأنا أستمع إليه، أدركت أن التعليم كان يومها مصعدًا اجتماعيًا حقيقيًا، يمنح ابن الأسرة الفقيرة فرصة للارتقاء، ويفتح أمامه مستقبلًا أوسع من الواقع الذي وُلد فيه.
وأثار حديثه في داخلي تساؤلًا مؤلمًا عن واقعنا اليوم. فبطالة أصحاب الشهادات العليا، وطول انتظار خريجي الجامعات لفرصة عمل تحفظ كرامتهم وتثمّن ما اكتسبوه من معرفة، يبعثان على قلق عميق. ويزداد هذا القلق حين يتحول التعطل إلى سنوات من الانتظار، ويشعر الشاب بأن الدراسة لم تمنحه الأفق الذي وعدته به.
إن استمرار هذا الواقع يهدد الثقة التي بنتها أجيال كاملة في التعليم. فالأسرة التي تتحمل سنوات طويلة من المصاريف والتضحيات، ثم ترى ابنها الجامعي أمام أبواب مغلقة، قد تبدأ في التساؤل عن جدوى الدراسة. والطفل الذي يرى أصحاب الشهادات يعانون البطالة قد يفقد جزءًا من إيمانه بأن الاجتهاد والتعلم قادران على تغيير حياته.
وتكمن الخطورة في أن تتراجع مكانة المدرسة في الوعي الجماعي، وأن يضعف التمسك بالتعليم لدى الفئات التي كان يمثل بالنسبة إليها أقوى طريق للخروج من الفقر والتهميش. فحين يفقد التعليم دوره بوصفه مصعدًا اجتماعيًا، يصبح المجتمع مهددًا بإعادة إنتاج الأوضاع الصعبة نفسها التي سعت الأجيال السابقة إلى تجاوزها.
الاستثمار في الإنسان أولوية ثابتة
حماية الثقة في التعليم تحتاج اليوم إلى رؤية وطنية واضحة تجعل الاستثمار في الإنسان أولوية ثابتة. وتحتاج المدرسة والجامعة إلى جودة حقيقية، وإلى ارتباط أوثق بحاجات المجتمع والاقتصاد، وإلى فرص عمل تستوعب الكفاءات وتحفظ قيمة المعرفة والشهادة.
إن الحفاظ على مكانة التعليم مسؤولية وطنية، لأن الدولة التي تستثمر في عقول أبنائها تمنح المجتمع قدرته على التقدم، وتمنح كل طفل الحق في أن يحلم بمستقبل أوسع من الظروف التي وُلد فيها.
هادية العرفاوي
* العناوين من اقتراح فريق النشر
