بقلم حسين العمامي – تمرّ تونس اليوم بمرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتتراكم فيها الملفات التي تنتظر المعالجة، في وقت تضيق فيه مساحات التواصل بين السلطة وعدد من القوى السياسية والاجتماعية.
ومع تصاعد التوتر حول قضايا عديدة، يزداد المشهد الوطني حاجة إلى إدارة عقلانية للإختلاف، وإلى نقاش جدّي حول المخارج الممكنة، بدل ترك الأزمات تتراكم وتزيد منسوب الاحتقان.
في مثل هذا الوضع، يصبح فتح باب الحوار ضرورة لتفادي اتّساع دائرة التوتّر وتحوّل الخلافات إلى قطيعة. فالقوّة السياسيّة لا تُقاس فقط بالقدرة على اتخاذ القرار، وإنما أيضًا بالقدرة على إدارة الاختلاف، والاستماع إلى وجهات النّظر المختلفة، وتهيئة الظروف التي تسمح بالبحث عن حلول ممكنة.
ولعل تعدّد الدّعوات والمواقف التي برزت خلال الفترة الأخيرة يؤكد أن فكرة الحوار بدأت تستعيد حضورها في النّقاش الوطني. فقد طُرحت دعوة محمد الكيلاني إلى التفكير في مجلس وطني للحوار، كما تقدّمت المنظمات الوطنية الثلاث، الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بمبادرة مشتركة، في حين جاء بيان الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل في سياق اجتماعي ونقابي شديد التوتر. ورغم اختلاف هذه المواقف في منطلقاتها وأهدافها، فإنها تعكس جميعًا، بدرجات مختلفة، حجم الحاجة إلى التّفكير في مستقبل البلاد وفي سبل تجاوز حالة الاحتقان.
لكن هذه الدّعوات لا ينبغي أن تتحوّل إلى منافسة حول من يملك حقّ المبادرة، ولا إلى محاولة لجعل أي طرف مركزًا لمسار وطني يفترض أن يكون أوسع من الجميع. فالمطلوب ليس اختيار مبادرة ضدّ أخرى، وإنّما الاستفادة من مختلف الأفكار المطروحة لبناء تصوّر أكثر شمولًا، يستوعب تعدّد القوى والمواقف، ويضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الظرفيّة.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: من صاحب المبادرة؟ ولا أي طرف ينبغي أن يقودها؟ بل: هل تستطيع تونس أن تجد صيغة لحوار وطني جدّي قبل أن يتحوّل الانسداد إلى قاعدة؟
فالحوار الجدّي لا يمكن أن يكون اجتماعًا شكليّا تتبادل خلاله الأطراف الكلمات، ثم يعود كل طرف إلى موقعه . كما لا ينبغي أن يكون مناسبة لإنتاج توافقات جاهزة قبل مناقشة أسباب الأزمة. الحوار الحقيقي يبدأ بالاعتراف بوجود خلافات عميقة، وبالحاجة إلى إدارة هذه الخلافات داخل فضاء سياسي ومدني يسمح بالنّقاش، ويحول دون انتقال التوتّر من مستوى إلى آخر.
ومن هنا يمكن التفكير في هيئة تحضيريّة تضمّ شخصيّات وأطرافًا تحظى بقدر من الثّقة، تتولّى إعداد الأرضيّة اللًازمة، وتحديد شروط المشاركة، وضبط جدول الأعمال وآليات العمل، قبل الانتقال إلى صيغة أوسع. والأهم أن تكون هذه الهيئة مستقلّة عن التجاذبات، وألّا تتحول إلى بديل عن مؤسّسات الدّولة أو إلى إطار سياسي جديد.
أما حضور السّلطة في هذا الجهد، فهو أمر يصعب تجاوزه إذا كان الهدف بناء حوار وطني حقيقي. فالقول إن السّلطة لا تستمع ليس جوابًا كافيًا، كما أن استبعادها مسبقًا يجعل الحديث عن حوار وطني ناقصًا. وإذا كان الحوار مطلوبًا فعلًا، فلا بد من صيغة تتيح مشاركة مختلف الأطراف، كلٌّ من موقعه، من دون أن تعني المشاركة التخلّي عن المواقف أو التّنازل عن حقّ الاختلاف.
وفي المقابل، فإن حضور السّلطة لا يعني أن النّقاش يجب أن يجري وفق شروطها وحدها، كما أنّ مشاركة المعارضة والمنظّمات لا ينبغي أن تحوّل اللّقاء إلى منصّة لمواجهة السّلطة أو محاكمتها سياسيًا. المطلوب إطار واضح القواعد والأهداف، يضمن لكل طرف حقه في التّعبير، ويجعل الوصول إلى نقاط التّفاهم الممكنة هدفًا أساسيًا.
وقد يكون من الحكمة أن ينطلق النّقاش من الملفّات التي تمسّ حياة التونسيين بصورة مباشرة، بدل محاولة تسوية جميع الخلافات دفعة واحدة. الاقتصاد والمالية العمومية، المؤسسات العمومية، التعليم والصحة، التشغيل والتنمية الجهوية، النقل والخدمات الأساسية، إضافة إلى الحقوق والحريّات والعلاقة بين الدّولة والقوى الاجتماعية والمدنية، كلها ملفّات يمكن أن تشكّل أرضيّة عمليّة للنّقاش.
فالبلاد لا تحتاج إلى حوار يستهلك الوقت في الحديث عن شروط الحوار، وإنما إلى نقاش ينتج أفكارًا واضحة، وأولويات محدّدة، وتفاهمات قابلة للتّنفيذ.
ومن المهمّ كذلك ألا يتحوّل هذا الجهد إلى إعادة إنتاج لتجارب سابقة. فقد عرفت تونس خلال السنوات الماضية مبادرات وحوارات عديدة، ساهم بعضها في تجاوز أزمات ظرفية، بينما انتهى بعضها الآخر إلى توافقات لم تصمد طويلًا. والاستفادة من تلك التجارب تقتضي مراجعة أسباب نجاحها وإخفاقها، لا الاكتفاء باستحضارها كشعارات.
الحوار الوطني الذي تحتاجه تونس اليوم يمكن أن يكون مختلفًا: أقل شعارات وأكثر واقعيّة، أقل اهتمامًا بتوزيع المواقع وأكثر تركيزًا على الأولويات، وأقل بحثًا عن إجماع شامل يصعب تحقيقه وأكثر اهتمامًا بمساحات التوافق الممكنة.
وليس من الضروري أن يجلس الجميع حول الطاولة نفسها منذ اليوم الأول. يمكن أن تبدأ مجموعة من الشخصيات والأطراف التي تتمتّع بقدر من القبول بتهيئة الأرضية، ثم تتوسّع المشاركة تدريجيًا. المهم أن تكون البداية جديّة، وأن تكون قواعد النقاش واضحة، وأن تكون الغاية محددة.
فتونس لا تحتاج إلى من يقنعها بأن الخلافات غير موجودة. ما تحتاجه هو طريقة تجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى قطيعة، وتجعل المعارضة ممكنة دون أن تنتهي إلى انسداد، وتجعل ممارسة السّلطة ممكنة دون أن تعني غياب الإصغاء والتفاعل.
الحوار ليس تنازلًا من السّلطة للمعارضة، ولا انتصارًا للمعارضة على السّلطة، ولا امتيازًا لمنظّمة أو حزب. إنه، قبل كل شيء، وسيلة لإدارة الاختلاف وحماية الدولة والمجتمع من كلفة استمرار القطيعة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: من صاحب مبادرة الحوار؟ وإنما: هل تستطيع مختلف الأطراف التونسية أن تتفق على أن استمرار الوضع على ما هو عليه ليس حلًا، وأن فتح باب النقاش يستحقّ أن يكون محاولة وطنية جديدة؟
إذا كان الجواب نعم، فإن الخطوة التالية واضحة: البحث عن الأطراف القادرة على إطلاق هذا الجهد، تحديد قواعده، وضع جدول أعمال واقعي، ثم توسيع المشاركة تدريجيًا.
فقد لا يكون الحوار قادرًا على حلّ كل مشاكل تونس، لكنه قد يكون قادرًا على منع الخلاف من التحول إلى مأزق دائم.
