جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

حين يُدافع المقهور عمّن قهره : تأصيل معرفي لظاهرة معاداة المُساند وتبرئة المسؤول

بقلم شريف الخرايفي – مدخل: من واقعةٍ إلى ظاهرةٍ

في الأيام الأخيرة التقى أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل بوفد من اتحاد المعطلين (UDC)، معلنًا تضامنه ومساندته لمطالبهم. وهي لقاءات تحدث دوما وباستمرار بين مكونات المشهد المدني والسياسي. ولكن لم يكن أحد يتوقع أن يتحول هذا اللقاء، الذي يفترض أن يكون خطوة في مسار نضالي مشترك، إلى مادة غضب واستنكار من المعطلين أنفسهم. بعضهم اعتبر اللقاء “رُكوبًا” على مطالبهم، وذُهبوا إلى حد القول إن الرئيس “بصدد إنصافهم” وأنهم في غِنًى عن أيّ طرف يساندهم، خشية أن يغضب رئيسًا يرفض أصلًا أيّ وساطة حزبية أو نقابية أو مدنية.

المفارقة هنا صارخة: السلطة، بحكم خياراتها الاقتصادية والسياسية، هي المسؤولة الأولى والرّئيسية عن تفشّي البطالة وعن المماطلة في تنفيذ التشريعات (كقانون 18) التي يفترض أن تحلّ جزءًا من معضلة. ومع ذلك، يتحوّل غضب المعطلين، في لحظة تناقض صارخة، من الجهة المسؤولة فعليًا إلى الجهة التي مدّت يد المساندة. هذا النمط من التفكير/ السلوك ليس تصرّفا فرديًا أو نشازا ولا “تفكيرًا أعرج” معزولاً، بل هو ظاهرة موثّقة ومتكرّرة عبر التاريخ والمجتمعات، رصدها علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والفلسفة، وجسّدها الأدب في صور خالدة.
في هذا النص نحاول تأصيل هذه الظاهرة من هذه الزوايا مجتمعة، وصولًا إلى قراءة تركيبيّة لما يحدث.

✓ أولًا: التفسير النفسي: حين يصبح الخضوع آليّة للنجاة

* تماهي الضحيّة مع الجلاد

طوّرت “آنا فرويد” مفهوم “التماهي مع المعتدي” لتفسير آلية دفاعية عميقة: حين يعجز الفرد عن مواجهة مصدر الأذى الواقع عليه أو التحكّم فيه، فإنه يلجأ (لا شعوريًا في الغالب) إلى تبنّي موقف الطرف القويّ بدل مواجهته. بهذا التماهي يتحوّل الشعور بالعجز والهشاشة إلى شعور زائفٍ بالانتماء والأمان، لأن الفرد يصبح، في خياله، جزءًا من مصدر القوّة لا ضحيّة له. وهذا بالضبط ما يفسّر أن يتحوّل “المُعطّل” (الذي يفترض أن السلطة هي سبب تعطيله) إلى مدافع عنها وعن “حسن نيّتها”، بل ومهاجم لكلّ من يذكّره بأن هناك من يقف إلى جانبه ضدها.

* العجز المتعلّم

يقدّم “مارتن سيليغمان” تفسيرًا مكمّلًا عبر نظرية “العجز المتعلم”: حين تتكرّر تجربة الفشل في تغيير الواقع رغم المحاولات المتعدّدة (مطالبات، احتجاجات، وُعود لم تتحقّق)، يصل الفرد أو الجماعة إلى قناعة راسخة بأن الفعل عديم الجدوى. لكن هذا العجز لا يُترجَم إلى حيادٍ سلبي فحسب، بل غالبًا إلى تعلّق أعمى بأيّ بصيص أمل (ولو كان صادرًا عن الجهة ذاتها المسؤولة عن الأزمة)، لأن الاعتراف بانعدام الأمل كليًا أثقل نفسيًّا من التشبّث بوهم إنصافٍ قادمٍ. وهنا تصبح “ثقة” المعطلين بأن “الرئيس بصدد العمل على إنصافهم” أسهل نفسيًا من مواجهة حقيقة أن لا أحد (بما في ذلك من ينتظرون منه الحل) يعمل فعليًا على حلّ أزمتهم.

* التنافر المعرفي وإعادة كتابة الواقع

يقدّم “ليون فستنغر” مفتاحًا حاسمًا لفهم لحظة الانقلاب على المساند بالذات. حين يجد الفرد نفسه في وضعية متناقضة (أنا معطّل بفعل خيارات السلطة، لكني أعلّق آمالي على نفس السلطة) ينشأ توتّر نفسي (تنافر معرفي) يسعى العقل جاهدًا لتخفيفه. الحلّ الأيسر ليس مواجهة التناقض، بل إعادة تفسير الواقع بما يزيله: “المسؤول ليس الرئيس بل من حوله”، أو “الرئيس يريد الإصلاح لكن يعرقلونه”. في هذه اللحظة، يتحوّل أي طرف ثالث يذكّر بالتناقض الأصلي (كاتحاد الشغل حين يتضامن) إلى مصدر إزعاج يهدّد الاتساق النفسي الذي بناه الفرد بصعوبة، فيُهاجَم لا لأنه مخطئ، بل لأنه يُعيد فتح جرح التناقض الذي حاول العقل إغلاقه.

✓ ثانيًا: التفسير الاجتماعي: حين تصبح التبعية بنية لا شعورًا عابرًا

* الوعي الزائف

يقدّم التراث الماركسي مفهوم “الوعي الزائف” لوصف حالة تبنّي الفئات المتضرّرة من نظام معيّن لتصوّرات هذا النظام عن نفسه وعن مصالحها الحقيقية. فتصبح هذه الفئات (دون وعي منها) مدافعة عمّا يضرّها فعليًا، ومعادية لكل من يفضح هذا الضّرر أو يقف إلى جانبها في مواجهته. المعطّل الذي يرى في اتحاد الشغل “رُكوبًا” على قضيّته، بينما يرى في السلطة التي عطّلته “مُنصفًا محتملًا”، هو تجسيد دقيق لهذا الانقلاب في الوعي: أُعيد ترتيب الأصدقاء والأعداء بما يخدم استمرار المنظومة لا بما يخدم مصلحته الفعلية.

* الزبونية السياسية والأبويّة

حين تُبنى العلاقة بين الحاكم والمحكوم على منطق “الأب الراعي” الذي يمنح ويمنع بيده مباشرة، لا على منطق الحق المؤسّسي والقانون، يصبح أيّ جسم وسيط (نقابة، حزب، جمعية) عنصرًا دخيلًا يُفسِد “العلاقة المباشرة” المتخيَّلة بين الراعي ورعيّته. وأي مساندة من هذا الوسيط تُقرأ لا كدعم، بل كـ”تدخل” قد يُغضِب الأب الراعي ويعطّل مِنّته المُرتقبة. هذا يفسّر حرص المعطلين على ألا “يغضبوا” الرئيس بقبول مساندة يرفضها هو أصلًا لكل الأجسام الوسيطة.

* الهيمنة الثقافية

يذهب “أنطونيو غرامشي” أبعد من ذلك: السلطة لا تحكم بالقمع والقانون فقط، بل بفرض منظومة قِيَمٍ وتصورات تصبح “بديهية” يتبنّاها حتى من يقع عليهم الضّرر منها. وبذلك يصبح الدفاع عن السلطة ومعاداة معارضيها (أو حتى مسانديها) نابعًا من قناعة ذاتية صادقة لا من إكراهٍ مباشر أو خوفٍ واعٍ، وهو ما يجعل هذا النمط من التفكير أشدّ رسوخًا وأصعب تفكيكًا من مجرّد موقف سياسي طارئ.

✓ ثالثًا: التفسير السياسي: حين يصبح الوسيط “عدوًا” للزعيم المتخيَّل

* الشعبوية والزعامة الكاريزمية

يقوم الخطاب الشعبوي، في نسخه المختلفة، على تصوير علاقة مباشرة وغير موسَّطة بين “الزعيم” و”الشعب”، وتصوير كل جسم وسيط (أحزاب، نقابات، منظمات مدنية، إعلام مستقل) باعتباره جزءًا من “المنظومة” أو “النخبة” التي تحول دون تحقق إرادة الشعب. حين يستبطن الأنصار هذا الخطاب، يتحوّل ولاؤهم إلى ولاءٍ شخصي مباشر للزعيم، ويصبح أي وسيط (حتى لو كان يدافع عن مصالحهم المباشرة كاتحاد الشغل في موضوع الحال) هدفًا للعداء، لأن الولاء للشخص يعلو، في هذا التصوّر، على الولاء للمصلحة الموضوعية.

* نزع الطابع السياسي عن المطالب

يرافق هذا الخطاب عادة تحويل قضية بنيوية (كالبطالة الناتجة عن خيارات اقتصادية وسياسية معيّنة) إلى قضية “مِنّة” أو “عناية فردية” من الحاكم، وليس حقًا مكفولًا بقانونٍ أو نتيجة نضال جماعي. وبذلك يصبح أيّ تأطير نقابي أو جماعي للمطلب “تسيِيسًا” مرفوضًا يُفسد صورة “الحل الفردي الكريم” المُرتقب من أعلى، بينما يُعتبر الانتظار السلبي الفردي هو الموقف “الحكيم” و”الواقعي”.

✓ رابعًا: التفسير الفلسفي : جدلية الخضوع الطوعي

* الطاعة الطوعية عند “لابويسي”

طرح “إتيان دو لابويسي” في القرن السادس عشر سؤالًا لا يزال محوريًا: لماذا يخضع كثيرون طواعيّة لمن يضطهدهم، بل يدافعون عنه بحماسة؟ خلاصته أن الاستبداد لا يستمرّ بالقوة وحدها، بل بتواطؤٍ ضمني من المحكومين أنفسهم، عبر شبكة من المصالح الصغرى المتوهَّمة، والعادة، والخوف من فقدان الأمل (مهما كان واهيًا) الذي عُلِّق على شخص الحاكم. هذا “الخضوع الطوعي” ليس ضعفًا ظرفيا، بل بنية نفسية-اجتماعية تُعيد إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل.

* جدلية السّيد والعبد

يقدّم هيغل في جدليته الشّهيرة صورة أعمق: حين يفقد “العبد” الأمل في كسر علاقة التبعية بالمواجهة المباشرة، فإنه يبدأ، بدل رفض هذه العلاقة، في البحث عن معنى وهوية داخلها ذاتها. يصبح “السّيد” مصدر الهويّة الوحيد المتاح، ويتحوّل أي طرف يدعو لكسر هذه العلاقة (كاتحاد الشغل هنا) إلى تهديدٍ لهذه الهوية المستقرّة حديثًا، لا إلى فرصة للتحرّر منها.

✓ خامسًا:في المدوّنة الأدبية: “بوكسر” في “مزرعة الحيوان”

لعلّ أبلغ تجسيدٍ أدبي لهذه الظاهرة هو شخصيّة الحصان “بوكسر” في رواية “جورج أورويل” “مزرعة الحيوان”. بوكسر هو أكثر حيوانات المزرعة إخلاصًا وكدحًا، يعمل من الفجر إلى الغسق من أجل “المزرعة” ومشروعها، ويحمل شعارين لا يتزحزح عنهما: “سأعمل بجهد أكبر” و”نابليون [الخنزير الحاكم] دائمًا على حق”. حين تتوالى الأدلة على استغلال القيادة له ولرفاقه، وحين تُنقض الوعود الواحدة تلو الأخرى، لا يراجع بوكسر ولاءه، بل يُضاعف جهده، مقتنعًا أن أيّ خللٍ مصدره أعداء خارجيّون أو سوء فهمٍ عابر، لا النظام الذي يستنزفه.
والمفارقة المأساوية أن بوكسر ، حين تنهار قواه أخيرًا ، لا يُكافَأ بل يُباع خِفية إلى الجزّار، بينما يُخبَر رفاقه في المزرعة برواية مختلفة تمامًا عن مصيره. لا تعتبروا هذه النهاية قسوة سرديّة، بل تجسيد رمزي دقيق لجوهر الظاهرة: من يتماهى كليًا مع من يستغله، ويرفض كلّ يد تُمدُّ له لتنبيهه أو مساندته، غالبًا ما يكون هو الخاسر الأكبر في النهاية، بينما يبقى النظام الذي دافع عنه بلا خدش.

القيمة الجوهرية لهذا المثال أنه يُظهر أن الظاهرة لا تحتاج قمعًا مباشرًا مستمرًا لتستمر؛ يكفي خطاب مقنع، ووعد متجدّد، وغياب لأيّ رواية بديلة، حتى يتحوّل الاستغلال إلى “واجبٍ” يؤديه المُستغَل بحماسة ورضا ذاتي.
أفليس هذا بالضبط ما يحدث مع معشر المعطلين وهم ينتظرون وعدا تأخّر كثيرا؟

خاتمة

ما يجمع هذه الحقول المعرفية هو أنها تصف، كل من زاويتها، نفس الآلية الأساسية: حين يفقد الفرد أو الجماعة الأمل في تغيير الواقع عبر مواجهة مصدر الضّرر مباشرة، فإنهم يبحثون عن طريق نفسي واجتماعي أقلّ كلفة، وهو إعادة تفسير الواقع بما يُبرّئ مصدر الضّرر ويُحمّل المسؤولية لأطراف أخرى – غالبًا الأطراف التي تحاول فعليًا المساعدة.

ونحن نستعرض هذا النمط من التفكير والسلوك، فنحن ننأى لاعتباره عجزًا فرديًا أو “غباءً” كما قد يُختزل أحيانًا في النقاش العام، بل هو نتاج تراكم لعوامل نفسيّة (التماهي مع المعتدي، التنافر المعرفي)، وبنيوية اجتماعية (الوعي الزائف، الزبونية)، وخطاب سياسي مقصود (الشعبوية، نزع الطابع السياسي عن المطالب)، وجذور فلسفية عميقة (الطاعة الطوعية، جدلية السيد والعبد). وحين يجتمع هذا كله في خطاب إعلامي وسياسي يومي يكرّر أن “الزعيم” هو الحل الوحيد وأن كل وسيط عائق، يصبح من الطبيعي، لا الشاذ، أن يهاجم المعطلون من يساندهم ويدافعوا عمّن عطّلهم.

المفارقة الأخيرة، كما تُظهرها نهاية بوكسر في مزرعة الحيوان، أن هذا النمط من التفكير لا يخدم في النهاية سوى استمرار الوضع القائم ذاته، لأنه يفكّك بالضبط الأداة الوحيدة (التضامن الجماعي المنظَّم) القادرة على إحداث تغيير فعلي في موازين القوى.
من أجل كل ذلك، لنترك الانفعالات جانبا، ونأخذ الوقت الكافي من التأمل والتفكير، من أجل استئناف معركة الحق في الشغل الكريم واللائق بوعي آخر وبروح مقاومة أخرى، خاصة وقد أبدت المعطلات والمعطلين جاهزية كبيرة للنضال والمقاومة..
#تنظموا_وقاوموا

مقالات مشابهة

صيف 2026 تجاوز القبة الحرارية : من إحتجاجات متفرقة إلى غضب يبحث عن عنوان سياسي

فريق النشر Echaab News

إضراب عمال المناجم ينجح… والحكومة تصمّ آذانها : قفصة على أبواب التصعيد

فريق النشر Echaab News

حين تتحول العودة المدرسية إلى سباق إستهلاكي وتخمة تسويقية

فريق النشر Echaab News