جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

صيف 2026 تجاوز القبة الحرارية : من إحتجاجات متفرقة إلى غضب يبحث عن عنوان سياسي

لم يكن صيف 2026 ساخنًا بالمعنى المناخي فقط ، فقد شهدت تونس خلال تسعين يومًا تأججًا واضحًا في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، واتسعت دائرة الاحتجاج من الماء والكهرباء والتشغيل والتنمية وظروف العمل والحقوق، لتصل إلى النفط والفسفاط والملاحة والنقل والتزويد. ولم يعد الاحتجاج حبيس قطاع أو جهة أو مطلب واحد، بل أخذ يتمدد أفقيًا، من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن إلى القطاعات التي تمسك بجزء من الدورة الاقتصادية وتؤمّن استمرارها.

الأرقام وحدها تكشف حجم التحول. فقد سجل شهر جويلية 2026، 1101 تحرك احتجاجي، وفق تقرير المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهي الحصيلة الأعلى لشهر جويلية خلال عشر سنوات، بزيادة تقارب 27 بالمائة مقارنة بجوان و168 بالمائة مقارنة بماي.

لكن الرقم، مهما كان لافتًا، ليس القصة كاملة. الأهم هو من يحتج، ولماذا، وأين تبدأ المطالب المختلفة في الالتقاء؟

فقد قاد أهالي الجهات والمناطق 746 تحركًا، مقابل 75 تحركًا لأصحاب الشهائد المعطلين عن العمل، و50 تحركًا للعمال، و39 للموظفين، و35 للنقابات، إضافة إلى تحركات لسائقي النقل الخاص وفئات مهنية واجتماعية أخرى.

وهنا تظهر إحدى أهم دلالات صيف 2026: قاعدة الاحتجاج تتوسع خارج الأطر النقابية والمهنية التقليدية. الأهالي أصبحوا فاعلًا مباشرًا في الاحتجاج، بالتوازي مع استمرار حضور العمال والمعطلين والنقابيين. أي أن مصادر الغضب تتعدد، وحامليه يتنوعون، والاحتجاج لم يعد يتحرك داخل المجال الاجتماعي التقليدي وحده.

والأكثر دلالة أن 678 تحركًا من أصل 1101 ارتبطت بالماء والكهرباء: 373 احتجاجًا بسبب اضطرابات التزود بالماء و305 بسبب انقطاعات الكهرباء. أي أن أكثر من 60 بالمائة من احتجاجات جويلية ارتبطت بخدمتين أساسيتين تمسان الحياة اليومية مباشرة.

الماء والكهرباء هنا ليسا مجرد ملفين تقنيين. عندما يصبح الوصول إلى الماء أو الكهرباء مناسبة متكررة للاحتجاج، فإن المسألة تتجاوز عطبًا في شبكة أو تأخرًا في التدخل. إنها تمس العلاقة اليومية بين المواطن والدولة: هل تستطيع الدولة تأمين أبسط شروط الحياة؟ وهل تستطيع الاستجابة قبل أن يتحول الانتظار إلى غضب؟

ومن الخدمات الأساسية ينتقل الاحتجاج إلى سؤال أكثر عمقًا: المستقبل.

فـخمسة و سبعون تحركًا للمعطلين عن العمل ليست مجرد رقم إضافي في جدول الاحتجاجات. إنها تعبير عن جيل يواجه انتظارًا مفتوحًا، حيث يتحول الحق في العمل إلى سنوات من التأجيل، ويتداخل ملف التشغيل مع العدالة الجهوية والتنمية وتكافؤ الفرص ومعنى المستقبل داخل البلاد.

وفي الجهات الحدودية، تأخذ الأزمة شكلًا أكثر حدة. في بنقردان، لم يكن اضطراب معبر رأس جدير مجرد مشكلة عبور حدودي. فالاقتصاد المحلي مرتبط بدرجة كبيرة بحركة الحدود، وعندما تتعطل الحركة يتعطل معها جزء من مورد الرزق. لذلك يصبح السؤال بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الأهالي مباشرًا وقاسيًا: ماذا يبقى عندما يتوقف المعبر الذي تعيش منه المنطقة؟

ثم جاءت مأساة غرق مركب الهجرة لتكشف الوجه الأكثر قسوة لهذا الانسداد. فقد تحولت حادثة وفاة مهاجرين في عرض البحر إلى مناسبة للاحتجاج والمطالبة بمعالجة أسباب الهجرة والتنمية في المنطقة، في وقت كان فيه الحضور الرسمي، وفق ما عكسته الاحتجاجات، مرتبطًا أساسًا بالتعامل مع تبعات الكارثة وحصر الضحايا.

وبغض النظر عن اختلاف المعطيات المتداولة حول العدد النهائي للضحايا، فإن الدلالة الاجتماعية للحادثة كانت واضحة: البحر لم يعد فقط حدودًا أمنية، بل أصبح مرآة لأزمة اجتماعية تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بالحياة بحثًا عن أفق آخر.

لكن صيف 2026 لم يبق عند حدود الخدمات أو البطالة أو الجهات. فقد بدأت القطاعات التي تمسك بمفاصل الاقتصاد نفسه تدخل دائرة التوتر.

في قطاع الفسفاط، أعلنت شركة فسفاط قفصة إضرابًا عامًا أيام 1 و2 و3 سبتمبر، على خلفية مطالب تتعلق بتطبيق الاتفاقات ومحاضر الجلسات والزيادات والمنح وتسوية عدد من الملفات المهنية.

وفي قطاع النقل البحري، تحرك أعوان الشركة التونسية للملاحة في أوت احتجاجًا على ملفات اجتماعية ومهنية، من بينها التغطية الصحية وظروف العمل والأجور وتطبيق الاتفاقات، بما أدى إلى تأخير رحلة السفينة «قرطاج».

أما قطاع نقل المحروقات، فقد قدم أوضح مثال على انتقال الاحتجاج من المطالبة المهنية إلى التأثير المباشر في دورة التزويد. ففي 20 أوت، دخل سائقو شاحنات نقل المحروقات في تحرك فجئي شمل منطقتي رادس والصخيرة، ما أدى إلى تعطيل خروج الشاحنات الموجهة لتزويد محطات الوقود.

انتهى التحرك بعد تدخلات واتصالات، لكن التوتر لم ينتهِ. فقد تواصلت المفاوضات، قبل أن تعلن الجامعة العامة للنفط لاحقًا عن إضراب مبرمج في قطاع نقل المحروقات يومي 23 و24 سبتمبر، بسبب تعطل المفاوضات وبقاء ملفات عالقة هنا تتغير طبيعة المشهد.

عندما يتحرك النفط والفسفاط والملاحة والنقل، وعندما يصل الاحتجاج إلى سائقي الشاحنات الذين يؤمّنون التزويد، فإن الاحتقان لا يبقى خارج الاقتصاد؛ بل يبدأ بملامسة شرايينه.

احتجاج الماء يضغط على الحياة اليومية، واحتجاج التشغيل يضغط على المستقبل، واحتجاج الجهات يضغط على سؤال التنمية، والاحتجاج العمالي يضغط على علاقة الأجير بالمؤسسة، أما احتجاج القطاعات الحيوية فيبدأ بالضغط على استمرارية الدورة الاقتصادية نفسها.

ومع ذلك، فإن هذه الاحتجاجات لا تتطابق. لكل قطاع مطالبه، ولكل جهة خصوصيتها، ولكل فئة حساباتها وأدواتها. لكن خلف هذا التعدد تظهر فجوة مشتركة: الفارق بين ما يُطلب وما يُنفذ، وبين ما يُعلن وما يصل فعليًا إلى الناس.

العامل لا يحتج فقط على الأجر، بل على اتفاق لم يُطبق أو ملف ظل عالقًا. والمعطل لا يحتج فقط على البطالة، بل على مستقبل مؤجل. والأهالي لا يحتجون فقط على انقطاع الماء أو الكهرباء، بل على شعور بأن أبسط الخدمات أصبحت تحتاج إلى احتجاج حتى تصل. وسائق الشاحنة لا يتحرك فقط بسبب مطلب مهني، بل نتيجة تراكم ملفات وظروف عمل ومفاوضات لم تصل إلى حلول.

حتى في الجهات الحدودية، لا يتوقف السؤال عند المعبر. إنه يمتد إلى نموذج التنمية نفسه: ماذا قدمت الدولة لهذه المناطق ولشبابها حتى لا يصبح الرحيل خيارًا؟

وفي هذا السياق، لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة لنقل صور الاحتجاج. أكثر من نصف احتجاجات جويلية وصلت إلى المجال الإعلامي أو شبكات التواصل، بما يجعل الفضاء الرقمي جزءًا من البنية الجديدة للاحتجاج: ينقل الحدث، يوسع مداه، يراكم الغضب، ويمنح احتجاجًا محليًا إمكانية تجاوز حدوده الجغرافية.

ثم جاء 20 أوت ليضيف طبقة حقوقية وسياسية إلى المشهد. فقد جمع حراك «نَفَس» في تونس بين الدفاع عن الحقوق والحريات والاحتجاج على الأوضاع المعيشية والاقتصادية والسياسية. وهنا لم يعد الخط الفاصل بين الاجتماعي والسياسي واضحًا كما كان؛ فالمطالب المتعلقة بالعيش والحقوق بدأت تتقاطع داخل فضاء احتجاجي واحد.

وفي الجهة المقابلة، كان تلويح الاتحاد العام التونسي للشغل بالإضراب العام، بالتوازي مع الاتصالات واللقاءات مع منظمات وفعاليات حقوقية ومدنية، مؤشرًا على أن التوتر الاجتماعي بدأ يدفع نحو أشكال أوسع من التنسيق والتعبئة.

لكن التحول الأبرز جاء في 3 سبتمبر 2026.

ففي بيان مشترك حمل عنوان «تونس أولاً والشعب فوق كل اعتبار»، أعلنت ثلاثة مكونات ذات وزن تاريخي في المشهد الوطني — الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان — إطلاق «إطار تنسيقي مشترك من أجل تونس والتونسيين».

أهمية الخطوة لا تكمن فقط في هوية الموقعين، بل في أن البيان جمع، داخل تشخيص وطني واحد، ملفات بدت طوال الصيف موزعة بين احتجاجات منفصلة: تراجع القدرة الشرائية، الفقر والبطالة والهشاشة، أزمات الماء والكهرباء والدواء والمواد الأساسية وارتفاع الأسعار، إلى جانب الحقوق والحريات، واستقلال القضاء، وحقوق الدفاع، وأوضاع السجون، وحرية الإعلام والعمل السياسي والنقابي والمدني.

ما ظهر في الشارع كأزمات متعددة بدأ، في خطاب القوى الموقعة على البيان، يُقرأ ضمن أزمة وطنية واحدة متعددة الأوجه.

وهنا تحديدًا تتغير قراءة صيف 2026.

فحتى 3 سبتمبر، كان من الممكن القول إن الاحتجاجات تتقاطع موضوعيًا من دون أن يجمعها إطار مشترك. أما الآن، فقد ظهر إطار تنسيقي معلن، وإن كان من المبكر جدًا اعتباره جبهة سياسية أو ائتلافًا موحدًا وهذا التمييز ضروري .

فلا تزال المطالب الاجتماعية والمهنية والجهوية متعددة، ولا تزال القوى التي يمكن أن تدخل في هذا المسار مختلفة في مرجعياتها وأولوياتها وحساباتها وأدواتها. كما أن الإعلان عن إطار تنسيقي لا يعني تلقائيًا امتلاكه قدرة تعبئة واسعة أو برنامجًا سياسيًا متكاملًا.

لكن تجاهل دلالة الخطوة سيكون أكثر خطورة من المبالغة فيها.

لأن ما حدث خلال الصيف لم يعد مجرد تراكم في عدد الاحتجاجات، بل بدأ يتحول إلى تراكم في الوعي بالمشترك بينها.

الماء والكهرباء والتشغيل والاتفاقات المهنية والتنمية الجهوية والحدود والهجرة والحقوق والحريات، ثم القطاعات الاستراتيجية مثل الفسفاط والنفط والنقل والملاحة والتزويد؛ ملفات لا تتطابق، لكنها بدأت تلتقي حول أسئلة تتجاوز كل ملف منفرد: كيف تُدار الدولة؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟ وما قدرة النظام السياسي والاجتماعي القائم على إنتاج حلول قابلة للاستمرار؟

وهنا تصبح «الفجوة بين المطالب والاستجابة» مسألة سياسية بامتياز.

فالعامل لا يسأل فقط عن أجره، بل عن جدوى الاتفاقات إذا بقي تنفيذها معلقًا. والمعطل لا يسأل فقط عن فرصة عمل، بل عن موقعه في مشروع البلاد. والأهالي لا يحتجون فقط على انقطاع الماء أو الكهرباء، بل على علاقتهم بدولة يشعرون أنها لا تصل إليهم إلا بعد الاحتجاج. وسكان المناطق الحدودية لا يطرحون فقط مشكلة المعبر، بل يسألون عن نموذج تنمية يجعل مورد رزق منطقة كاملة مرتبطًا بحركة حدودية هشة.

أما تحرك القطاعات الاستراتيجية، فيكشف أن الأزمة تستطيع الانتقال من المجتمع إلى الدورة الاقتصادية نفسها.

وحين تتقاطع هذه الدائرة الاقتصادية مع الاحتجاج الاجتماعي، ومع خطاب الحقوق والحريات، يصبح المشهد أكثر من مجرد سلسلة مطالب منفصلة.

بيان 3 سبتمبر لم يصنع هذا التراكم من الصفر، لكنه أعطاه لغة تنسيق مشتركة وهذه هي النقطة الفاصلة.

فالمسألة لم تعد فقط أن فئات مختلفة غاضبة، بل أن قوى ذات وزن نقابي وحقوقي ومهني بدأت تقول علنًا إن هذه الأزمات يمكن أن تُقرأ داخل إطار وطني واحد، وإن مواجهتها تحتاج إلى تنسيق يتجاوز إدارة كل ملف على حدة لكن نجاح هذا المسار ليس مضمونًا.

فالفارق كبير بين إعلان إطار تنسيقي وبين تحويله إلى قوة اجتماعية قادرة على جمع المطالب، وصياغة البدائل، وتنظيم الضغط، والحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة بين قوى مختلفة في المرجعيات والأولويات وهنا سيكون الخريف أهم من الصيف.

فإذا بقيت الاحتجاجات موزعة بين الجهات والقطاعات، يمكن الاستمرار في إدارتها ملفًا بملف ومطلبًا بمطلب. أما إذا تحول التنسيق المعلن إلى فعل جماعي، وإذا نجحت القوى الاجتماعية والحقوقية والمدنية في تحويل هذا التراكم إلى مطالب مشتركة وبدائل واضحة وأشكال ضغط منظمة، فإن المشهد سيدخل مرحلة مختلفة.

عندها لن يكون السؤال عن عدد الاحتجاجات، بل عن اللحظة التي تتحول فيها المطالب المتفرقة إلى عنوان سياسي واجتماعي واحد.

صيف 2026 لم ينتج بعد جبهة موحدة، لكنه أنتج ما يسبق الجبهات عادة: أسبابًا مشتركة للغضب، وتجارب متشابهة من الانتظار، وقطاعات حيوية بدأت تتحرك، وفئات اجتماعية خرجت من الأطر التقليدية للاحتجاج، وقوى وطنية أعلنت بدء التنسيق ومن هنا تبدأ السياسة .

ليس عندما يصطف الجميع خلف شعار واحد، بل عندما يكتشف المتفرقون أن أسباب احتجاجهم المختلفة قد تكون، في النهاية، أعراضًا لأزمة وطنية واحدة.

ولهذا فإن السؤال الذي يتركه صيف 2026 ليس فقط: كم احتجاجًا شهدت تونس؟

بل: هل بدأ صيف الاحتجاجات يتحول إلى خريف التنسيق؟

فإذا كان الصيف قد كشف حجم الغضب، فإن الخريف سيكشف ما إذا كان هذا الغضب قادرًا على إنتاج قوة اجتماعية وسياسية تتجاوز الاحتجاج إلى الفعل.

مقالات مشابهة

إضراب عمال المناجم ينجح… والحكومة تصمّ آذانها : قفصة على أبواب التصعيد

فريق النشر Echaab News

حين تتحول العودة المدرسية إلى سباق إستهلاكي وتخمة تسويقية

فريق النشر Echaab News

حين تصنع فاجعة بن قردان لذّة المعارضة في تونس

فريق النشر Echaab News