بقلم هادي راشد حشوش – العودة المدرسية (1/2): حين يصبح العلم في الكرّاس لا في الرّاس
” أَنْجَحْ بدينار.. قَرِّي ولدك بدينار يامادام.. القْراية بدينار”، هكذا يصيح البائع المنتصب وسط نهج إسبانيا يوم الأحد صباحا، عارضًا مئات السّلع مجهولة المصدر من أقلام وأغلفة وملفات شفّافة.. شعَار تسويقي طريف سرعان ما يصطدِم بقوائم مدرسية تتطلب الكثير والكثير من “الدينار” نفسه. هذا الهاجس الحالي لجل العائلات التونسية المرهقة من صائفة صعبة على جميع الأصعدة، إذ مع كل عودة مدرسية تجد نفسها أمام معادلة تزداد تعقيدًا: كلفة التّمدرس لا تقتصر على ما يُدفَع للمؤسسة التعليمية، سواء تعلق الأمر بمصاريف التسجيل والترسيم والخدمات المرافقة في التعليم الخاص، أو بما تتحمله الأسرة بصورة غير مباشرة في التعليم العمومي كالدروس الخصوصية والحضانة، بل تشمل أيضًا كلفة اللوازم المدرسية والكتب والملابس والنقل وغيرها من المصاريف التي تجعل من التمدرس عبئًا ماليًا متواصلًا على الأسرة طوال السنة.
ولأن هذه الكلفة تتوزّع بين مسارين مختلفين، سنحاول تناولها في مقالين متتاليين نستهلّها بالجزء الذي يبدو، ظاهريًا، الأقل تعقيدًا: مستلزمات العودة المدرسية. وهو سوق يكشف كل سنة عن تفاوت كبير في الأسعار، وعن فوضى في العرض، وعن سوق شديدة التقلب يصعب على العائلة توقع كلفتها أو التحكم فيها، إلى حد دفع كثير من الأسر إلى البحث عن بدائل في السوق الموازية.
لكن المسألة لا تتعلق بالسوق وحده. فهناك أيضًا ممارسات لبعض المؤسسات التعليمية، أساسا في القطاع الخاص، تطرح أسئلة جدية حول العلاقة بين ما يُطلب من التلميذ وما يحتاجه فعلًا في العملية البيداغوجية: قوائم مستلزمات تتضخم من سنة إلى أخرى، وأدوات متخصصة أو غريبة أو سريعة التقادم، وأحيانًا متطلبات يصعب تبريرها تربويًا. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أين تنتهي الحاجة البيداغوجية وتبدأ لغة التسويق والاستهلاك؟
هذا ما سنحاول تفكيكه في هذا الجزء الأول، قبل الانتقال في المقال الثاني إلى كلفة التمدرس نفسها، ومصاريف التسجيل والخدمات، والهجرة المتزايدة نحو التعليم الخاص.
حُمّى المستلزمات وحيرة الأسر
تمثل العودة المدرسية في تونس، قبل كل شيء، لحظة استهلاكية استثنائية مكثفة شأنها شأن شهر رمضان والأعياد الدينية. فمَعَ أكثر من 2.3 مليون تلميذ في التعليم بين المستوى قبل المدرسي (تحضيري) والأساسي والإعدادي والثانوي خلال السنة الدراسية 2025-2026، نحن إزاء سوق ذات قاعدة طلب واسعة ومحدودة زمنياً في شهر سبتمبر فقط، أي أسبوعين قبيل وبعيد تاريخ العودة، وتتجمع فيها في فترة قصيرة حاجيات ملايين التلاميذ إلى الكتب والكراسات والمحافظ والأقلام والأدوات الهندسية وحفظ الوثائق ووسائل الرسم والتلوين وغيرها من المستلزمات المرتبطة مباشرة بالعملية التعليمية.
غير أن حجم هذه السوق يصعب قياسه بدقة، في ظل محدودية المعطيات المنشورة حول رقم معاملاتها وحجم مبيعاتها وتوزيعها بين مختلف قنوات التوزيع. وتزداد صعوبة التمرين مع تعدد المنتجات والفئات والأسعار، وتداخل التجارة المنظمة مع التجارة الموازية، فضلاً عن توسّع البيع عبر الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي في السنوات الأخيرة. لذلك، من الأدق التعامل معها كيفيا كسوق كبيرة وموسمية وشديدة التشتت، أكثر من اعتبارها سوقاً يمكن اختزالها كمّيا بسهولة في رقم واحد أو بعض الأرقام متوسطة الحجم (mésoéconomiques ). تكشف هذه السوق أيضاً عن تفاوت لافت في أسعار العرض نفسها، فقد يصل ثمن المحفظة، مثلا، بحسب الجودة والعلامة التجارية ومسلك التوزيع، إلى مستويات تفوق بكثير ما تحتاجه الأسرة فعلياً؛ إذ أشار رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، لطفي الرياحي، إلى أن سعرها يمكن أن يتراوح بين 35 و400 دينار. كما تعرِض بعض شبكات التوزيع الحديثة منتجات ذات علامات تجارية عالمية بأسعار تتجاوز 600 دينار للمحفظة.
ولا يقتصر التفاوت على المحافظ. فحتى الأدوات البسيطة مثل الأقلام والمقالم والأقلام الملونة واللّبَديّة والأدوات الهندسية، تعرف فروقاً كبيرة بحسب المصدر والعلامة التجارية. وهو ما يجعل عائل الأسرة يَدخل السوق بقائمة محددة، لكنه لا يدخلها بالضرورة بقدرة متكافئة على الاختيار مقارنة ببقية الأسر: السعر والجودة والعلامة التجارية ومسلك التوزيع كلها عوامل تُحدد الكلفة النهائية.
وفي هذا السياق، يبرز السوق الموازي كأحد أهم مظاهر اختلال سوق اللوازم المدرسية. فقد أصبحت الأرصفة والأسواق الشعبية وجهة فعليّة لعدد من الأسر الباحثة عن أسعار أقل، لا بالضرورة لأنها تفضّل المنتجات غير المنظمة، وإنما لأن ضغط الأسعار يدفعها إلى البحث عن بدائل أرخص. وتشير تقديرات منشورة في 2025 إلى أن أكثر من 30% من مشتريات اللوازم المدرسية تتمّ عبر مسالك غير رسمية، وإن كانت هذه النسبة تحتاج إلى مزيد من التحقق المنهجي. لكن انخفاض السعر هنا قد تكون له كلفة أخرى. فقد حذّرت السلطات ومنظمات حماية المستهلك من منتجات مجهولة المصدر أو غير مطابقة للمواصفات، ومن مخاطر بعض المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة الموجودة في عدد من الأدوات الموجهة للأطفال. وفي 2025، حذرت وزارة الصحة تحديداً من بعض أنواع الغراء والأقلام والمواد الملونة والممحاة والمبراة المعطرة أو الملونة. وفي 2026، أعلنت السلطات عن حجز أو إتلاف وإعادة تصدير عشرات الآلاف من المستلزمات غير المطابقة، بينها منتجات تحتوي على معادن ثقيلة.
وفي المقابل، تشهد السوق المنظمة نفسها تحولات مهمة: فقد أصبح البيع الإلكتروني قناة إضافية للوصول إلى المستهلك، مع عروض وحزم وقوائم جاهزة مسبقا حسب القسم والمؤسسة، وخيارات متعددة للعلامات التجارية المحلية والعالمية، بما يجعل شراء اللوازم أكثر سهولة، لكنه يوسّع أيضاً مساحة المقارنة (benchmarking) والمنافسة والتسويق.
وفي النهاية، فإن سوق اللوازم المدرسية تبدو محكومة بثلاث قوى متناقضة: حاجة تعليمية أساسية، وضغط اقتصادي متزايد على الأسر، ومنظومة تجارية وتسويقية تتوسع وتبدع (innovante) وتتغير باستمرار. لكن السؤال الأكثر مباشرة بالنسبة إلى الأسرة يبقى أبسط من ذلك: كم تُكلّف العودة المدرسية فعلياً في سنة 2026؟
جذاذة تقنية
اعتمدنا في تقدير كلفة العودة المدرسية على المعطيات الواردة في دراسة “المنتدى” بعنوان «إنفاق المجتمع على التعليم: بين وهم المجانية والإرهاق المادي للعائلة»، التي أنجزها الأستاذ منير حسين في سبتمبر 2023. وتتميز هذه الدراسة بتفصيلها لمختلف مكونات التكلفة، من الكراسات والكتب إلى الأدوات المدرسية والمواد الاختيارية، ثم احتسابها للكلفة الإجمالية لمستلزمات العودة حسب كل مستوى دراسي. ولغرض تقريب هذه الأرقام من واقع سنة 2026، قمنا بتطبيق عامل زيادة موحد قدره 20% على الأسعار الواردة في الدراسة، باعتباره فرضية تحديث محافظة وليست تقديرًا دقيقًا للتضخم الفعلي لكل منتج. وهذا يعني، مثلًا، أن كلفة مائة دينار وفق أسعار الدراسة الأصلية تُقدّر اليوم بنحو 120 دينارًا. أما الوصول إلى تقدير أكثر دقة، فيتطلب توفر سلاسل زمنية (time series)أطول وأكثر تفصيلًا وبيانات أكثر تجزئة حسب نوع المنتج والمستوى الدراسي ومسالك التوزيع، إضافة إلى مؤشرات تضخم أكثر دقة وانتظامًا وقابلية للتثبت والاختبار. لذلك ينبغي التعامل مع الأرقام المحيّنة هنا باعتبارها تقديرات تقريبية وليست مسحًا سعريًا جديدً. وقد اخترنا هذا الأسلوب البسيط والمتجانس حتى نحافظ على قابلية المقارنة بين مختلف المستويات والمواد. كما لا يحتسب أثر تراجع قيمة الدينار على بعض المنتجات المستوردة، ولا تغير نوعية أو كمية المستلزمات التي أصبحت تطلبها بعض المؤسسات الخاصة. لذلك فإن الأرقام التي سنقدمها ينبغي النظر إليها باعتبارها حدًا أدنى تقديريًا للكلفة الحالية، ومن المرجح أن تكون الكلفة الفعلية التي تتحملها العديد من الأسر أعلى من ذلك بكثير.
الكرّاس المدعّم: الحل الموجود على الورق
التقديرات التي أعددناها انطلاقاً من بيانات دراسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مع تحديث أسعار المستلزمات كما تُبينه الجذاذة التقنية، تضع كلفة الكتب والكراسات وبقية الأدوات والمحفظة في حدود 327 ديناراً في السنة الأولى ابتدائي، وقد تتجاوز 700 دينار في بعض مستويات التعليم الثانوي. وتكشف الدراسة أن أسعار عدد من أنواع الكراسات غير المدعمة ارتفعت بنسب كبيرة جداً؛ فالكراس عدد 48 غير المدعم ارتفع من 2.040 دينار إلى 3.400 دينار، والكراس عدد 72 غير المدعم من 3.020 إلى 5 دنانير، بينما بلغَت بعض الكراسات ذات الأحجام الكبيرة أو المخصصة للأعمال التطبيقية أسعاراً أعلى بكثير. لكن اللافت أكثر هو التفاوت بين الكراس المدعم والكراس التجاري.
من حيث السعر الرسمي تبدو المعادلة بسيطة للغاية. في 2026 بَقيَ سعر الكراس المدعم عدد 24 في حدود 430 مليماً، وعدد 48 في 950 مليماً، وعدد 72 في 1.400 دينار. كما أن الدولة تتحمل الفرق بين كلفة الإنتاج وسعر البيع، وقُدّرت كلفة الدعم لموسم 2026-2027 من 10 إلى 11 مليون دينار.
نظريا: لو تتوفر هذه المادة بالكمية المطلوبة وفي الوقت المناسب، لكن أثرها على ميزانية الأسرة مهماً جداً. وهنا تظهر المفارقة: الكراس الأرخص سعرا هو أيضاً الكراس الذي تصبح إمكانية اقتناءه رحلة متاعب لأن التوزيع يتم تدريجياً، وقد تختلف الكميات المتوفرة من مكتبة إلى أخرى ومن يوم إلى آخر. وفي أوت 2026، كان المصنعون يتحدثون عن إنتاج يتراوح بين 20 و22 مليون كراس، مع توقع توفير نحو 60% فقط في السوق بحلول 15 سبتمبر. كذلك لم تصل أول شحنة من الورق المدعم إلا في 5 أوت، في حين يحتاج تحويل الكميات المطلوبة إلى ما لا يقل عن شهرين.
وهكذا يجد عائل الأسرة نفسه أمام مفارقة عجيبة، حيث أنه هناك كراس مدعم بسعر أقل من دينار أو دينار ونصف لكنّه غير متوفر بالكميات الكافية، بينما الكراس غير المدعم موجود على الرفوف وبكميات كبيرة وبطبيعة الحال بأسعار عالية لا يقدر عليها متوسط الدخل. وهنا يجب التمييز جيدا بين وجود الكراس المدعم نظريا وبين إمكانية الحصول عليه فعلياً ثم الحصول على كميات كافية منه. هذا وقد أعلنت السلطات عن آليات لمراقبة التصنيع والتوزيع والفوترة، كما أكدت على أن الكراس المدعم يجب أن يحمل بوضوح سعره الرسمي ولا يجوز بيعه بسعر مخالف لتسعيرته الحقيقية. لكن الواقع، كما هو الشأن لجل المواد المدعمة، أكثر تعقيداً. حيث أشارت تقارير صحفية في عودة 2025 إلى أن الأولياء يبحثون عن الكراسات المدعمة من مكتبة إلى أخرى دون الحصول على ما يحتاجونه، خاصة و أن بعض المكتبات تواجه تفاوتاً في حصص التزويد. وفي هذا السياق تبرز شكاوى الأولياء من البيع المشروط المتمثل في الحصول على عدد محدود من الكراسات المدعمة مقابل شراء كراسات غير مدعمة أو منتجات أخرى من نفس الكتبية. وهذه الممارسة، إن ثبتت في الحالات المعنية، فهي تفرغ سياسة الدعم من مضمونها. حيث أن الدولة تدعم الكراس حتى يصل إلى الأسرة بسعر منخفض، لكن الأسرة تجد نفسها مضطرة إلى شراء منتجات أغلى وغير مدعمة حتى تتمكن من الحصول على جزء من الكمية المدعمة التي تحتاج إليها.
المعضلة هنا لا تتعلّق فقط بسعر الكراس الواحد، وإنما أيضاً بنوع الكراس الذي أصبح يُطلب من التلميذ. فالفارق بين كراس مدعم بـ950 مليماً وكراس تجاري يمكن أن يصل إلى عدة دنانير ليس تفصيلاً صغيراً عندما يحتاج التلميذ إلى عشرة أو خمسة عشر أو عشرين كراساً. وفي بعض المستويات لا تتوقف القائمة عند كراسات 48 و72 صفحة، بل تشمل كراسات الأعمال التطبيقية، والكراسات الكبيرة، والكراسات ذات الغلاف المقوى أو اللولبي وغيرها. وهنا تتضاعف الكلفة بطريقتين: ارتفاع سعر الوحدة وتحويل جزء متزايد من قائمة اللوازم من كراس عادي إلى كراس “خاص” أو “ممتاز”. وهذا مهم لأن الأسرة لا تستطيع دائماً التعويض (substitution) بين المنتجات. إذا طلبت المؤسسة أو المدرّس نوعاً معيناً من الكراسات، يصبح هامش الاختيار أمام الولي محدوداً جداً.
تباعا، قائمة الأدوات التي اعتمدتها دراسة المنتدى تشمل أقلام الحبر والرصاص، الممحاة، المبراة، الألوان، أدوات الهندسة، البركار، المقص، الغراء، الأقلام اللبدية والشمعية، الملفات، حافظات الأوراق، أوراق التصوير وغيرها. وبعض هذه المنتجات سَجّلَ بدوره زيادات كبيرة في السنوات الأخيرة. وفي الواقع الحالي يمكن أن تضاف إلى القائمة منتجات أخرى أصبحت شائعة في بعض المؤسسات: رزم الورق، حافظات بلاستيكية ذات 200 جيب أو أكثر، ملفات خاصة بكل مادة، وأدوات تنظيم وحفظ الوثائق. كل منتج منفرد قد يبدو بسيطاً. لكن المشكلة هي التراكم: ديناران هنا، خمسة دنانير هناك، ثم عشرة دنانير لملف، وعشرة أخرى لمجموعة أدوات، إلى أن تتحول “المصاريف الصغيرة” إلى مئات الدنانير.
وكل هذه الحسابات تخص أساساً التلميذ في التعليم العمومي. لكن المشهد يصبح أكثر تعقيداً عندما ننتقل إلى التعليم الخاص. دون الخوض في معاليم الترسيم، وهو الموضوع محور المقال القادم، لا تتوقف الفاتورة بالضرورة عند الكتب المدرسية الرسمية الصادرة عن المركز الوطني البيداغوجي. ففي بعض المؤسسات، وخاصة في التعليم قبل المدرسي والسنوات الأولى من الابتدائي، يُطلب من الأولياء اقتناء كتب إضافية أو مناهج موازية للغات. يمكن أن تكون هذه الكتب مستوردة من فرنسا بالنسبة للفرنسية، أو من المملكة المتحدة بالنسبة للإنجليزية، أو أحيانا من أسواق مشرقية بالنسبة للعربية. وفي بعض الحالات يصل سعر الكتاب الواحد إلى عشرات الدنانير، 70 ديناراً لكتاب فرنسية في مستوى ما قبل المدرسة أو السنوات الأولى.
في النهاية نُلاحظ أنه إلى جانب الأسعار وتضخم قوائم المستلزمات، تغيّر أيضاً ما يُعتبر ضرورياً في نظر الطفل والولي. وهنا تبدأ الحدود في التلاشي بين الحاجة البيداغوجية والرغبة الاستهلاكية، لتتحول العودة المدرسية تدريجياً إلى موسم شرائي بامتياز، تغذّيه العلامات التجارية والإعلانات وآليات التسويق الموجهة للأطفال.
التلوث الشرائي
في قلب هذه اللحظة الاستهلاكية المكثّفة التي ترافق كل عودة مدرسية، تتسلل “غزوة التسويق” بدهاء لتطمس الحد الفاصل بين ما هو بيداغوجي تعليمي بحت وما هو استهلاكي مظهري. فالأدوات هي أساسا مجرد وسيلة تُيسّر فعل التعلّم وتحصيل المعارف، لكن المعادلة انقلبت منذ سنوات إذ أضحت الأداة في حد ذاتها غاية وموضوعاً للمفاخرة والتميّز (distinction). تعتمد الشركات الاستراتيجية التسويقية الموجهة للأطفال عبر استغلال ثغراتهم النفسية والإدراكية كالتوظيف المكثف لـ”عامل الإلحاح” (nag factor): تتجاوز الإعلانات الأسر (المسؤولة على فعل الشراء) لتستهدف الأطفال مباشرة (أي المستهلك)، خالقة حالة من الضغط المتكرر و الدائم أحيانا الذي يؤدي في النهاية إلى إنهاك مقاومة الوالدين وتوجيه قرار الشراء.
كما يلعب “الامتياز” التجاري (franchise) دوراً محورياً عبر ربط الأدوات المدرسية بشخصيات الكرتون والسينما والفرق الرياضية الشهيرة، مما يخلق ارتباطاً عاطفياً سريعاً بالمنتج خاصة مع غلافَات وعلب تثير دفعات الدوبامين لدى الطفل، فضلاً عن إقحام المحفزات الحسية (صوت الومضات، ألوان جذابة، أشكال مطاطية) التي تُحول الأدوات التعليمية من مجرد وسيلة وظائفية إلى لعبة ترفيهية. وتكتمل هذه الحلقة عبر منظومة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث توثق الدراسات النفسية والسلوكية أن الأطفال يتأثرون بشدة بمقاطع “فتح العلب” (unboxing) وفيديوهات “مشتريات العودة المدرسية” (Back to School) على تيك توك وإنستغرام وفايسبوك، والتي تقدمها شبكات “المؤثرين الصغار” (kidfluencers) الذين يتعامل معهم الطفل كأصدقاء موثوقين لا كمروجين تجاريين خالصي الأجر، مما يجعل امتلاك نمط بصري معين شرطاً ومهماً للقبول الاجتماعي بين زملائه.
علمياً، تشير الأبحاث السلوكية حول الإعلانات الموجهة للأطفال إلى أنه رغم بدء إدراك الأطفال فوق سن العاشرة للطبيعة الإقناعية للإعلام وتراجع نسبة تصديقهم المطلق للإعلانات إلى نحو 25% فقط، إلا أن المقارنة المستمرة بين ما يعرِضه الإعلان وبين واقع الحياة اليومية تؤدي في الغالب إلى حالة شمولية من عدم الرضا والجحود النفسي لدى الطفل. وينعكس هذا الضغط النفسي مباشرة على ميزانية العائلات، حيث ترتفع أسعار المستلزمات ذات العلامات التجارية والشخصيات الشهيرة إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف سعر المنتج العادي المماثل له في الجودة، مما يجعل العديد من الأسر يخضعون للضغط العاطفي ويسجّلون تجاوزات كبيرة في ميزانياتهم المحدودة. والأخطر من كل ذلك هو غرس “المادية المبكرة” في نفوس الناشئة، وتثبيت عادات وأنماط استهلاكية تقدر قيمة الطفل الذاتية بما يمتلكه من سلع ومظاهر. إن فرض علامات تجارية بعينها أو مجاراة هذه الحمّى التي امتدت من المدارس الخاصة إلى أروقة المدرسة العمومية، يجرّد الفعل التربوي في تونس من أدبياته القائمة على البساطة وتكافؤ الفرص، ويستبدل الروح التعليمية والثقافية بـ”فيتيشية سلعوية” (fétichisme de la marchandise)، حيث يُقاس الاستحقاق المدرسي بنوعية الغلاف وسعر المحفظة لا بالفضول والشغف بالمعرفة وحب الإطلاع.
وهنا لا يعود الأمر مجرد مسؤولية الأسرة في حسن الاختيار أو ترشيد الإنفاق، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور الدولة في حماية الطفل والأسرة من هذا الضغط الاستهلاكي وتنظيم السوق المدرسية. فكيف يمكن إعادة الاعتبار للبعد التربوي للوازم المدرسية، وضمان أن تكون الحاجة التعليمية هي التي تحدد الكلفة، لا منطق السوق والتسويق؟
سلعنة التعليم والتعليم الديمقراطي
إذا كانت كلفة اللوازم المدرسية قد أصبحت عبئاً متزايداً على الأسر، فإن مسؤولية الدّولة لا يمكن أن تقتصر على الإعلان عن أسعار مدعمة أو نشر قوائم موحدة، بل يجب أن تمتد إلى ضمان وصول هذه الإجراءات فعلياً إلى الأسر والتلميذ وتنزيلها على أرض الواقع، وهو ما يفرض تشديد الرقابة على مسالك توزيع الكراس المدعم، وتسريع التدخل ضد كل أشكال البيع المشروط والمضاربة والاحتكار. وتبدأ مسؤولية الدولة أيضاً من المدرسة نفسها. فالقائمة الوطنية الموحدة التي نشرتها وزارة التربية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى رقابة فعلية، حتى لا تتحول القوائم إلى باب خلفي لتضخيم الفاتورة مع تحديد ما هو ضروري فعلاً، ومنع المؤسسات أو المدرسين من فرض علامة تجارية بعينها. فالمدرس الذي يطلب منتجاً باسم علامة تجارية لا يمارس خياراً بيداغوجياً بالضرورة، بل قد يتحول -ولو بصورة غير مباشرة- إلى قناة إعلانية داخل المدرسة.
وفي التعليم الخاص، تصبح الحاجة إلى الشفافية أكبر، خصوصاً عندما تُضَاف إلى الكتب الرسمية كتب ومراجع أجنبية باهظة الثمن، أو قوائم من اللوازم لا تبدو دائماً متناسبة مع الحاجة التعليمية الفعلية.
أما السوق الموازية، فلا يكفي التعامل معها بمنطق المطاردة والعقاب فقط. فاللجوء إليها هو، في جانب منه، نتيجة مباشرة لضغط الأسعار. لكن ذلك لا يلغي المخاطر الصحية المرتبطة بمنتجات مجهولة المصدر، خصوصاً بالنسبة للأطفال. لذلك يجب تكثيف الرقابة الصحية والفنية على هذه المنتجات ومصادر توريدها، بالتوازي مع توفير بدائل منظمة وبأسعار مقبولة؛ إذ يصعب بل يستحيل مطالبة أسرة محدودة الدخل بالامتناع عن شراء منتج أرخص دون معالجة السبب الذي دفعها للجوء إليه أصلاً.
وتتحمّل الدولة كذلك مسؤولية أكبر في التواصل. فالقائمة الرسمية الموحدة ينبغي ألا تبقى منشورة على موقع الوزارة وصفحتها على الفايسبوك فقط، بل يجب تحويلها إلى حملة توعوية متواصلة طوال فترة العودة المدرسية، عبر التلفزيون والإذاعة ومواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة المنصات التي تستخدمها الأسر والتلاميذ. كما يمكن إطلاق برامج لجمع الكتب المستعملة وإعادة توزيعها، وتشجيع تبادلها بين الأسر، وإعادة استعمال الورق والكراسات، بل وحتى مراجعة بعض الممارسات البيداغوجية بما يسمح، حيثما كان ذلك ممكناً، باستعمال الكراس نفسه لأكثر من مادة بدل تضخيم عدد الكراسات.
وفي النهاية، ينبغي أن يعود النقاش إلى السؤال الأساسي: ما الذي نريد أن نشتريه عندما نشتري لوازم مدرسية؟ كراساً بـ25 ديناراً لدرس يستعمل كتاباً لا يتجاوز سعره بضعة دنانير؟ محفظة بـ400 دينار؟ أم أداة تساعد الطفل على القراءة والكتابة والحساب واكتساب اللغات والمعارف والمهارات؟ فالمستلزمات المدرسية، نكررها، وسيلة وليست غاية، ولا ينبغي أن تتحوّل العودة المدرسية إلى مسابقة استهلاكية وتخمة تسويقية تقيس قدرة الأسرة على الإنفاق بدل أن تقيس قدرة المدرسة على التعليم والتلقين. ويجب أن يكون دور الدولة في النهاية هو ضمان أن تكون كلفة التعلم مرتبطة بالحاجة البيداغوجية، لا بالقدرة الشرائية للأسرة ولا بقوة العلامة التجارية.
إذن، تكشف قراءة كلفة اللوازم المدرسية من زواياها المختلفة كما بيننا أن المسألة لم تعد مجرد ارتفاع في أسعار بعض الأدوات، بل أصبحت جزءاً من منظومة استهلاكية موسميّة تتحمّل الأسر تبعاتها، ما يجعل عائل الأسرة أمام كلفة لا يَملك دائماً القدرة على التحكم فيها أو حتى تفسيرها. ويزداد الأمر إشكالاً عندما يتحول بعض ما يُقدّم باعتباره حاجة تعليمية إلى ممارسة أقرب إلى التسويق والاستهلاك منها إلى الضرورة البيداغوجية. وكل ذلك يطرح مفارقة أساسية: كيف نتحدث عن مجانية التعليم، وهي مبدأ دستوري راسخ في الفصل 57 تحديدا، بينما تتزايد الكلفة الفعلية للتمدرس التي تتحملها الأسرة؟ فالمجانية لا تُقاس فقط بغياب معلوم التسجيل، بل أيضاً بمدى قدرة الأسرة على تحمل مستلزمات المدرسة دون أن تتحول إلى عِبْء اقتصادي.
لكن اللوازم ليست سوى جزء صغير من الصورة. ففي المقال القادم سننتقل إلى كلفة التمدرس نفسها: ما يدفعه الأولياء في التعليم العمومي، بما في ذلك النفقات غير المباشرة والخفية، ثم الكلفة المتصاعدة للتعليم الخاص، لنطرح السؤال الأوسع: أين تنتهي مجانية التعليم قانوناً، وأين تبدأ كلفته الحقيقية اجتماعيّا؟
