جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

إدارة الأزمات بمنطق الطوارئ : موجة الحر تختبر جاهزية الدولة في مواجهة مخاطر مناخية متصاعدة

حرارة قياسية، ضغط على الشبكات، خسائر اقتصادية ومخاطر مهنية… هل انتقلت تونس من إدارة الأزمة إلى بناء سياسة للوقاية؟
لم تكن موجة الحر القياسية التي شهدتها تونس خلال شهر جويلية مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على التعامل مع مخاطر أصبحت أكثر تكرارًا وحدّة وتعقيدًا. فقد بلغت درجات الحرارة في عدد من المناطق الداخلية بين 45 و49 درجة مئوية وفق المعهد الوطني للرصد الجوي، في مؤشرات تؤكد أن التحولات المناخية لم تعد سيناريو مستقبليًا، بل واقعًا يفرض نفسه على الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن السؤال الذي تطرحه هذه الموجة لا يتعلق فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل بكيفية إدارة المخاطر. فالمعطيات العلمية متوفرة، ونشرات الإنذار تصدر بانتظام، والتوقعات المناخية أصبحت أكثر دقة، غير أن التحدي الحقيقي لم يعد معرفة موعد الخطر، بل القدرة على الاستعداد له قبل تحوله إلى أزمة.
غير ان في الوقت الذي أصبح فيه التغير المناخي واقعًا دائمًا، ما تزال السياسات العمومية تتحرك غالبًا بمنطق التدخل الظرفي عند وقوع الأزمة. لذلك كشفت موجة الحر حدود الانتقال من إدارة الطوارئ إلى بناء منظومة استباقية لإدارة المخاطر.
ويتجلى هذا القصور في أبسط مستويات مواجهة الخطر: قدرة المواطن على حماية نفسه. فعندما تغيب الإجراءات الوقائية المنظمة، تنتقل مسؤولية التكيف تدريجيًا من المؤسسات إلى الأفراد.
عندما تصبح الوقاية مسؤولية فردية بدل أن تكون سياسة عمومية خلال أيام الذروة، اختزلت عبارة “ربي يرحمنا …”حالة عامة من القلق أمام ظروف مناخية قاسية . فهي لم تكن مجرد تعبير عن صعوبة الطقس، بل عكست شعورًا بأن مواجهة الخطر أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الأفراد على التكيف والتحمل.
ولا يتعلق الأمر بانتقاد الحملات التحسيسية التي دعت المواطنين إلى تجنب الخروج خلال ساعات الذروة وشرب الماء واتخاذ الاحتياطات اللازمة، فهي إجراءات ضرورية. لكن حدودها تظهر عندما يتعلق الأمر بمن لا يملك خيار تجنب التعرض للحرارة: عامل البناء فوق السقالة، والعاملة الفلاحية في الحقول، وسائق النقل، والحرفي الذي يرتبط دخله اليومي باستمرار العمل.
فالتوعية الفردية لا يمكن أن تعوض غياب إجراءات تنظيمية تحدد كيفية حماية الفئات الأكثر تعرضًا للخطر.
أن الأزمات المناخية لا تختبر فقط قدرة الأفراد على التكيف، بل تختبر أيضًا قدرة المؤسسات على حماية مواطنيها عندما تتجاوز المخاطر إمكاناتهم الشخصية.
وقد زاد من حدة هذا الشعور تزامن الحرارة القياسية مع اضطرابات في التزود بالكهرباء والماء، وهو ما خلق حالة من القلق وعدم اليقين، خاصة لدى الأسر التي تضم أطفالًا أو مسنين أو مرضى يعتمدون على تجهيزات كهربائية.
وإذا كان المواطن قد واجه الحرارة بوسائله الخاصة، فإن أزمة الشبكات كشفت جانبًا آخر من الإشكال: كيف تُدار القرارات التقنية عندما تكون لها آثار اجتماعية واسعة؟
حماية الشبكة… لكن من يتحمل كلفة الأزمة؟
أمام الارتفاع القياسي في الطلب على الكهرباء، والذي تجاوز وفق المعطيات المعلنة 5600 ميغاواط مع توقعات ببلوغ مستويات أعلى، لجأت الدولة إلى القطع الدوري للكهرباء بهدف حماية الشبكة من الانهيار.
من الناحية التقنية، قد يكون هذا القرار مفهومًا في ظل خطر انهيار المنظومة. لكن إدارة المخاطر لا تقاس فقط بقدرة الدولة على حماية الشبكات، بل أيضًا بقدرتها على حماية المجتمع من آثار القرارات التي تتخذها في ظروف “استثنائية”.
فالأزمة لا تختفي بمجرد اتخاذ إجراء تقني، وإنما تنتقل كلفتها إلى أطراف أخرى: المواطن الذي يفقد خدمة أساسية في ظروف حرجة، وصاحب المشروع الصغير الذي يتوقف نشاطه، والمطعم أو الحرفي الذي يتكبد خسائر، والفلاح الذي يتضرر إنتاجه، والمريض الذي يعتمد على تجهيزات كهربائية.
وهنا يطرح سؤال جوهري: عندما تتخذ الدولة إجراءات لحماية منظومة حيوية، هل توجد في المقابل آليات لحماية الفئات التي تتحمل آثار تلك الإجراءات؟
إن إدارة المخاطر لا تعني فقط منع الانهيار، بل تعني أيضًا توقع الآثار الاجتماعية والاقتصادية للقرارات المتخذة، ووضع آليات لحماية الأكثر هشاشة قبل وقوع الضرر.
غير أن كلفة المخاطر لا تتوزع بالتساوي بين الجميع. فهناك فئات لا تملك حتى خيار تقليص تعرضها للخطر، لأن مصدر رزقها مرتبط بالاستمرار في العمل تحت ظروف مناخية قاسية.
عندما تتحول الحرارة إلى خطر مهني
كشفت موجة الحر أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح قضية شغل وصحة وسلامة مهنية.
فوفاة العاملة الفلاحية دليلة بعد تعرضها لضربة شمس أثناء العمل حسب ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد حادثة مؤلمة، بل مؤشرًا على أن منظومة الوقاية المهنية مطالبة بمراجعة أدواتها أمام مخاطر مناخية جديدة.
فالعمال في قطاعات الفلاحة والبناء والأشغال الخارجية يواجهون معادلة صعبة: الالتزام بشروط الوقاية التي تفرض تجنب التعرض للحرارة الشديدة، أو مواصلة العمل حفاظًا على مصدر رزقهم. والعامل الذي يعتمد على أجره اليومي لا يملك دائمًا إمكانية التوقف عن العمل، ما يجعل تغير المناخ عاملًا إضافيًا في هشاشة التشغيل.
وهنا تبرز أسئلة أساسية: هل ما تزال القواعد الحالية للصحة والسلامة المهنية تستجيب لواقع مناخي تغيرت شروطه؟ وهل حان الوقت لإدراج الإجهاد الحراري ضمن مخاطر العمل التي تستوجب بروتوكولات خاصة؟
في هذا السياق، تكتسب الدعوات الأخيرة التي أطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل لمراجعة مجلة الشغل أهمية خاصة، باعتبار أن التحولات التي يعرفها عالم العمل لم تعد تقتصر على أنماط التشغيل والعلاقات المهنية التقليدية، بل أصبحت تشمل مخاطر جديدة فرضتها التحولات المناخية.
فإدراج الإجهاد الحراري ضمن المخاطر المهنية، ووضع آليات واضحة للتعامل مع ظروف العمل القاسية، لم يعد مطلبًا ظرفيًا مرتبطًا بموجة حر عابرة، بل أصبح جزءًا من إعادة التفكير في منظومة الصحة والسلامة المهنية بما يتلاءم مع واقع مناخي جديد.
فكما فرضت التحولات الصناعية سابقًا تطوير قواعد حماية العمال، تفرض التغيرات المناخية اليوم مراجعة أدوات الوقاية، حتى لا يبقى العامل الحلقة الأضعف أمام مخاطر لم يكن طرفًا في إنتاجها.
إن حماية العامل لا يمكن أن تبقى رهينة قدرة الفرد على التحمل أو مبادرات أصحاب العمل، بل تتطلب إجراءات واضحة تشمل تعديل أوقات العمل عند بلوغ درجات حرارة خطرة، وفرض فترات راحة، وتوفير وسائل الوقاية، خاصة في القطاعات الأكثر تعرضًا.
الحرائق… الوقاية قبل الإطفاء
وإذا كان مكان العمل يكشف أثر الحرارة على الإنسان، فإن المجال البيئي يكشف بدوره أثرها على النظم الطبيعية وقدرة الدولة على الوقاية.
فلم تقتصر آثار موجة الحر على الإنسان وشبكات الخدمات، بل امتدت إلى المجال البيئي، حيث كشفت الحرائق المتكررة حدود المقاربة القائمة على التدخل بعد وقوع الكارثة.
فالتحدي لا يكمن فقط في سرعة تدخل فرق الإطفاء، بل في ما يسبق اندلاع الحرائق: صيانة الغابات، إزالة عوامل الخطر، مراقبة المناطق الحساسة، ووضع خطط تتلاءم مع واقع مناخي أصبحت فيه فترات الجفاف والحرارة القصوى أكثر تكرارًا.
فإدارة الكوارث لا تبدأ عند وصول فرق الإنقاذ، وإنما تبدأ قبل ذلك من خلال تقليل احتمالات وقوع الضرر والاستعداد للسيناريوهات الأكثر خطورة.
غير أن نجاح عمليات التدخل لا يلغي سؤالًا أكثر عمقًا: هل ما تزال المقاربة المعتمدة قادرة على التعامل مع مخاطر لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءًا من واقع مناخي متكرر؟
من يدفع كلفة المخاطر المناخية؟
تكشف هذه الأمثلة المختلفة أن المخاطر المناخية لا تتوقف عند لحظة وقوع الضرر، بل تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يتحمل كلفتها الاجتماعية والاقتصادية.
فالأزمات المناخية تكشف حقيقة أساسية: الجميع يتعرض للخطر، لكن الجميع لا يتحمل الكلفة نفسها.
فالمؤسسات الكبرى تملك قدرات أكبر على التكيف، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل والمشاريع الصغرى والمهن الحرة العبء الأكبر. ومع تكرر الأزمات، يبرز غياب آليات واضحة للمرافقة والتعويض باعتباره إحدى نقاط الضعف في إدارة المخاطر.
فعندما تتعطل الخدمات الأساسية، أو يتوقف النشاط الاقتصادي بسبب ظروف استثنائية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية تجاوز الأزمة، بل بمن يتحمل آثارها بعد انتهائها.
لذلك لم يعد التفكير في آليات وطنية لمساندة المتضررين من الكوارث الطبيعية مسألة ثانوية، بل جزءًا من بناء سياسة عمومية قادرة على الانتقال من التعويض بعد الضرر إلى الوقاية وتقليل الخسائر قبل وقوعها.
اختبار الدولة… لا اختبار الطقس
لقد نجحت الدولة في تجنب انهيار الشبكة الكهربائية، لكن حماية المنظومات الحيوية لا تعني بالضرورة حماية المجتمع من آثار الأزمة.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بقدرتها على ضمان استمرار الخدمات الأساسية، بل بقدرتها أيضًا على توزيع أعباء الأزمات بعدالة، وحماية الفئات التي لا تملك وسائل كافية للتكيف.
وتكشف مجمل هذه الوقائع أن التحدي لم يعد مرتبطًا بغياب التحذيرات أو نقص المعلومات، بل بقدرة السياسات العمومية على تحويل هذه المعرفة إلى إجراءات استباقية تحمي الإنسان قبل وقوع الضرر.
فالمشكلة ليست أن الدولة تتدخل، بل أن تدخلها ما يزال في كثير من الأحيان يأتي بعد ظهور الأزمة بدل أن يسبقها.
والسؤال الذي ينبغي أن يفتح النقاش اليوم ليس لماذا ترتفع درجات الحرارة، فهذا أصبح معلومًا، وإنما: لماذا ما زلنا ندير مخاطر أصبحت دائمة بأدوات صُممت أساسًا لمواجهة أزمات مؤقتة؟
إن الدرس الأكبر من موجة الحر ليس فقط أن المناخ أصبح أكثر قسوة، بل أن مفهوم حماية المواطن يجب أن يتغير. فالدولة القادرة على مواجهة المستقبل ليست فقط تلك التي تتدخل بسرعة عند وقوع الأزمة، بل تلك التي تمنع تحول الخطر المتوقع إلى أزمة، وتتوقع آثار قراراتها، وتقلل الخسائر، وتجعل الوقاية مسؤولية مؤسساتية لا عبئًا فرديًا.
في النهاية المواطن لا يجب أن يبقى في مواجهة الخطر مرددًا “ربي يرحمنا…”، بل يجب أن يشعر بأن هناك منظومة تحميه قبل أن يصل إلى مرحلة طلب النجدة.

مقالات مشابهة

السيادة الوطنية خط أحمر

فريق النشر Echaab News

صباح الوفاء لمن آمنوا بأن المدرسة تفتح أبواب المستقبل.

فريق النشر

من الحذر إلى المساءلة: قراءة مقارنة في تطور خطاب أمين عام الاتحاد بين عيدي العمال والجمهورية

فريق النشر