31.6 C
تونس
2 أوت، 2026 23:36
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

السيادة لا يحميها الصمت… بل تحميها الدولة

السيادة الوطنية ليست شعارا يُرفع عند الحاجة ، ولا خطابا يُستدعى في المناسبات ، بل هي أحد الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة ، وتتجسد في استقلال القرار الوطني ووضوح مؤسسات الدولة وثقة المواطنين في أن دولتهم قادرة على حمايتهم والتحدث باسمهم في كل ما يمس مصالح البلاد العليا.
لقد أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري بشأن أمن تونس نقاشا واسعا داخل الرأي العام ، وتعددت بشأنها القراءات والتأويلات . وبغض النظر عن اختلاف المواقف منها ، فإن ما يهم في تقديري ليس الانجرار إلى السجال ولا توظيف الحدث في معارك سياسية ظرفية ، وإنما العودة إلى المبادئ التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين الدول وإلى الدور الذي يفترض أن تؤديه مؤسسات الدولة التونسية في مثل هذه المحطات .
إن تونس والجزائر تجمعهما روابط تاريخية عميقة ، وجغرافيا مشتركة ، ومصالح استراتيجية متداخلة ، كما يجمعهما تاريخ طويل من التعاون في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتحديات الإقليمية . وهذه العلاقات تمثل مكسبا للشعبين ويجب المحافظة عليها وتعزيزها باستمرار .
غير أن قوة العلاقات الأخوية لا تعني أبدا تراجع مبدأ السيادة ، بل على العكس ، فالعلاقات الأكثر متانة هي تلك التي تقوم على الاحترام المتبادل ، والمساواة الكاملة بين الدول ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، وهي مبادئ راسخة في ميثاق الأمم المتحدة وفي الأعراف الدبلوماسية التي تنظم العلاقات الدولية .
وفي مثل هذه الحالات ، فإن ما تحتاجه الدولة ليس الصمت وإنما الوضوح . فمن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تقرأ مؤسساتهم الرسمية التصريحات التي تثير هذا القدر من الجدل وما هو الموقف الرسمي منها . فالدولة الحديثة لا تكتفي بإدارة الملفات بل تدير أيضا المعلومة ، وتتواصل مع مواطنيها ، وتغلق الباب أمام الإشاعات والتأويلات التي تنشأ عادة عندما يغيب الخطاب الرسمي .
إن التواصل الرسمي ليس ترفا سياسيا ولا منة من السلطة على المواطنين بل هو جزء من مقتضيات الحوكمة الرشيدة، ومن متطلبات الشفافية ، ومن عناصر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع . فكلما كانت الدولة حاضرة بخطاب واضح ، تقلصت مساحة الإشاعات وازدادت قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والتأويل .
كما أن الدفاع عن السيادة لا يكون بردود الفعل الانفعالية ولا بالشعارات ، وإنما بترسيخ مؤسسات قوية ، ودبلوماسية محترفة وخطاب رسمي متزن ، قادر على طمأنة الداخل وإيصال الرسائل الواضحة إلى الخارج ، بما يحفظ مصالح تونس ويصون مكانتها .
إن تونس دولة ذات سيادة كاملة ، وجيشها الوطني ، وقواتها الأمنية ، ومؤسساتها الجمهورية ، هي وحدها صاحبة الاختصاص في حماية ترابها الوطني وصون أمنها القومي والدفاع عن شعبها ، وفقا للقانون الوطني وفي إطار احترام قواعد القانون الدولي والتزاماتها الدولية . وهذا لا يتعارض مع التعاون الأمني والعسكري المشروع مع الدول الشقيقة والصديقة ، لأن التعاون بين الدول ذات السيادة يختلف جوهريا عن أي تصور يمكن أن يُفهم منه انتقاص من استقلال القرار الوطني .
واليوم ، وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها بلادنا ، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى دولة تتواصل مع مواطنيها وتوضح مواقفها وتدير علاقاتها الخارجية بمنطق المؤسسات ، لا بمنطق الفراغ الاتصالي . فالصمت في القضايا السيادية لا يملأه إلا التأويل ، والتأويل لا يصنع ثقة ولا يعزز هيبة الدولة .
إن الدفاع عن السيادة الوطنية يبدأ أولا من الداخل ، من دولة قوية بمؤسساتها ، واثقة من نفسها ، حاضرة في الفضاء العام ، تحترم حق مواطنيها في المعلومة ، وتخاطبهم بوضوح ومسؤولية . كما يبدأ من التمسك بعلاقات أخوية ومتوازنة مع جميع الدول ، وفي مقدمتها الجزائر ، على قاعدة الاحترام المتبادل ، والتعاون ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية .
فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها بل أيضا بقدرتها على حماية استقلال قرارها ، وإدارة علاقاتها الخارجية بحكمة ومخاطبة شعبها بثقة ووضوح . تلك هي السيادة في معناها الحقيقي ، وتلك هي الدولة التي يستحقها التونسيون .

مقالات مشابهة

»هل استباح الرئيس الجزائري حقّا “السيادة الوطنية”…؟

فريق النشر

السباحة نحو سبتة…أو “سوسيولوجيا الانفصال عن الوطن”

فريق النشر

النظام يعادي الصحافيين وحرية الصحافة

فريق النشر Echaab News