مع اقتراب صدور نتائج التوجيه الجامعي للسنة الجامعية 2026-2027، تستعد تونس لتوجيه دفعة جديدة من الناجحين في الباكالوريا نحو مؤسسات التعليم العالي. وقد بلغت نسبة النجاح النهائية في دورة الباكالوريا 2026، بعد استكمال نتائج دورة التدارك، 50.72%.
لكن خلف لحظة التوجيه الجامعي، التي تُقدَّم عادة باعتبارها محطة أكاديمية لاختيار الاختصاصات والمسارات، يبرز سؤال سياسي واجتماعي أعمق: هل نجحت الدولة في بناء العلاقة بين التعليم العالي والتنمية، أم أنها اكتفت بإدارة تدفق الطلبة نحو الجامعة دون بناء مسار واضح لما بعد التخرج؟
لقد نجحت الدولة في ضمان الحق في الولوج إلى التعليم العالي وتوفير طاقة استيعاب كافية للناجحين الجدد، لكن الإشكال لم يعد في عدد المقاعد الجامعية، بل في قدرة الاقتصاد على استقبال الكفاءات التي تنتجها الجامعة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: تونس تواصل الاستثمار في رأس المال البشري، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء نموذج اقتصادي قادر على تحويل هذا الرصيد المعرفي إلى إنتاج وفرص عمل واستقرار اجتماعي.
من أزمة الشهادة إلى أزمة النموذج التنموي
تكتسب هذه المفارقة معناها عند قراءة مؤشرات سوق الشغل. فقد بلغت نسبة بطالة حاملي الشهادات العليا 24.2% خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء مقابل معدل بطالة عام في حدود 15% خلال الفترة نفسها.
لكن اختزال هذه الأرقام في كونها مجرد مشكلة تشغيل للخريجين يقود إلى قراءة ناقصة. فبطالة أصحاب الشهادات العليا ليست فقط نتيجة عدم توافق بين التكوين وحاجيات السوق، بل هي أيضًا نتيجة محدودية قدرة الاقتصاد على خلق وظائف تستوعب الكفاءات.
لقد أصبح الخطاب العمومي يميل إلى تحميل الجامعة مسؤولية الفجوة بين التكوين والتشغيل، عبر الدعوة المستمرة إلى مراجعة الاختصاصات، وتعزيز المهارات الرقمية، وربط التكوين بحاجيات المؤسسات. وهي إجراءات ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال المركزي: ماذا عن طبيعة الاقتصاد الذي يفترض أن يستقبل هذه الكفاءات؟
فلا يمكن إصلاح مخرجات الجامعة دون إصلاح البيئة الاقتصادية التي تتحرك داخلها. فالجامعة لا تخلق الاستثمار، ولا تحدد السياسة الصناعية، ولا تصنع القطاعات القادرة على إنتاج مواطن الشغل.
جامعة تتغير… واقتصاد لا يزال يبحث عن اتجاه
تتجه إصلاحات التعليم العالي للسنة الجامعية 2026-2027 نحو إعادة هيكلة الاختصاصات وإحداث عروض تكوين جديدة مرتبطة بالمجالات الواعدة. ويتضمن دليل التوجيه الجامعي لسنة 2026 حوالي 1204 عرض تكوين جديدًا أو محينًا، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، والعلوم الصحية.
ولا شك أن هذه التحولات ضرورية لمواكبة الاقتصاد العالمي. لكن الإشكال ليس فقط في ما تدرّسه الجامعة، بل في ما يحيط بها من سياسات عمومية.
فحين يصبح إصلاح الجامعة أسرع من إصلاح الاقتصاد، تتحول عملية تحديث الاختصاصات إلى محاولة لمعالجة أزمة لا توجد أسبابها داخل الجامعة فقط.
إن المشكلة ليست في غياب الإصلاحات التقنية، بل في اختزال أزمة التعليم العالي في بعدها البيداغوجي، مع فصلها عن الخيارات الاقتصادية الكبرى. فتغيير الإجازات وتحديث الاختصاصات، مهما كانت أهميتهما، لا يمكن أن يعوضا غياب سياسة صناعية واستثمارية قادرة على خلق وظائف نوعية واستيعاب الكفاءات المنتجة.
إن الخطر هو أن تتحول مفاهيم مثل “قابلية التشغيل” و”ملاءمة التكوين مع السوق” إلى تحميل الفرد مسؤولية أزمة جماعية. فالطالب قد يطور مهاراته، لكن ذلك لا يكفي إذا بقي الاستثمار محدودًا، وإذا لم تتوفر قطاعات إنتاجية قادرة على تثمين المعرفة.
احتجاج المعطلين : عندما تفقد الشهادة وعدها الاجتماعي
في هذا السياق، لا يمكن قراءة بيان اتحاد أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل باعتباره مجرد مطلب تشغيلي. فدعوة الاتحاد إلى مواصلة التحركات الاحتجاجية تعكس استمرار أزمة ثقة بين جيل استثمر سنوات في التعليم وبين واقع مهني لا يوفر له آفاق الإدماج.
فالقضية ليست فقط الحصول على وظيفة، بل انهيار جزء من الوعد الاجتماعي الذي ارتبط بالتعليم في تونس: أن الدراسة والاجتهاد يمكن أن يكونا طريقًا للترقي الاجتماعي وتحسين الموقع داخل المجتمع.
وعندما تصبح الشهادة الجامعية لا تضمن سوى الانتظار، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالمسار الفردي للخريج فقط، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على معنى التعليم كاستثمار جماعي.
من أزمة التشغيل إلى سؤال الدولة
لقد وضع بيان قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل حول “تونس أمام مفترق الطرق” هذه الأزمة في إطار أوسع، حين ربط بين ضعف النمو، وتراجع الاستثمار، وهجرة الكفاءات، والحاجة إلى رؤية اقتصادية بعيدة المدى تربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل النقاش من سؤال تقني حول الاختصاصات الجامعية إلى سؤال سياسي حول النموذج التنموي.
فالمعضلة ليست فقط في كيفية تكييف الجامعة مع الاقتصاد القائم، بل في التساؤل حول طبيعة الاقتصاد الذي تريد الدولة بناءه، وهل المطلوب من الجامعة أن تتبع السوق أم أن تكون جزءًا من مشروع تنموي يعيد تشكيل هذا السوق..
غير أن بناء هذه الرؤية لا يمكن أن يكون قرارًا تقنيًا منفردًا، بل يحتاج إلى نقاش جماعي حول أولويات التنمية ودور مختلف الفاعلين في صياغة مستقبل التعليم والعمل.
هل تحتاج تونس إلى عقد اجتماعي جديد؟
إن التحدي الحقيقي أمام الدولة لا يكمن فقط في إصلاح الجامعة أو في تحسين فرص تشغيل الخريجين، بل في إعادة بناء العلاقة بين التعليم والتنمية والمجتمع.
فالدولة التي تضمن للناجح مقعدًا في الجامعة مطالبة أيضًا بضمان شروط تجعل سنوات التكوين استثمارًا له عائد اجتماعي واقتصادي.
والجامعة التي تنتج المعرفة تحتاج إلى اقتصاد يثمّنها، كما يحتاج الاقتصاد إلى دولة تجعل من الكفاءات عنصرًا مركزيًا في مشروعها التنموي.
لذلك فإن السؤال الذي تطرحه لحظة التوجيه الجامعي ليس: كم عدد المقاعد المتوفرة؟ ولا فقط: ما هي الاختصاصات الجديدة؟ بل: أي مستقبل تعده الدولة للكفاءات التي تنتجها؟
فأزمة التعليم العالي في تونس ليست أزمة جامعة فقط، بل أزمة علاقة بين الدولة والمعرفة والعمل. ومن هنا يصبح بناء عقد اجتماعي جديد ليس خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل شرطًا لإعادة الثقة في معنى التعليم وفي مستقبل الأجيال القادمة.
