31.9 C
تونس
5 أوت، 2026 23:45
جريدة الشعب نيوز
ثقافي

القراءة ، كما الكتابة ، كما الزراعة كما المقاومة ، حياة ، أرحب من الحياة

بعد عطالة طالت.. تمكنتُ من العودة إلى شغف بالقراءة – قديم – و قرأت اليوم كتاب النقابي و الباحث فوزي الشيباني موسوما ب « دماء على أيدي رواد حانة Le Charentais – اغتيال فرحات حشاد ، الجريمة و الإفلات من العقاب »
و قد قدم له مراد علالة،و قدمته للقراء، و لجمهور من النقابيين و السياسيين ، في حفل توقيع بفندق الحدادين بصفاقس، الأستاذة و النقابية ألفة بودية .
و قد جاء الكتاب في تسع و ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط و شفع بملاحق تضمنت صورا و بيانات و مقالات و وثائق من الصحافة العالمية و من جريدة صوت العمل لسان حال الإتحاد العام التونسي للشغل زمن الشهيد فرحات حشاد، و جريدة الشعب لاحقا ، و وثائق من المخابرات الفرنسية و الأمريكية و من الجامعة الدولية للنقابات الحرة «السيزل» و ثبتا للمراجع و المصادر بعضها حديث الصدور مثل مقالات الشهيد فرحات حشاد في جزئين للأستاذ و الباحث في جامعة سوسة الأسعد الواعر.
بحث مستجيب لمتطلبات البحث العلمي
و أعترف – بداية – أن هذا العمل الذي جاء بحثا و توثيقا لأكبر جرائم الاحتلال الفرنسي بتونس منتصف القرن العشرين و كشفا لخباياها و لحقيقتها و لمقترفيها – أساسا السلطة الاستعمارية بكل مستوياتها السياسية ممثلة في الحكومة الفرنسية و المقيم العام بتونس دو هوت كلوك ، و العسكرية و الاستخبارية و أدواتها كاليد الحمراء..- لم يكن توثيقا صحفيا و تأريخيا ، و لم يكن كتابة عاطفية متداعية حكمتها الصلة الروحية بين الكاتب و الشهيد خاصة و هو يرى شهيد الحركة النقابية و الوطنية « أحب الشخصيات النقابية و الوطنية المناضلة إلى قلبي » بل كان بحثا علميا رصينا و هادئا مستجيبا لمتطلبات البحث العلمي و دقته و تطلبه son exigence، دون أن يمنع ذلك البحث من مساءلة الجريمة و التذكير بها و سبر حقيقتها و المطالبة بكشف الجناة فيها و تقديمهم للعدالة إنصافا للشهيد و لعائلته و إنصافا للإتحاد و للحركة النقابية و الوطنية و حفظا لحق الشعب في اعادة الاعتبار لشهدائه بالقصاص القانوني ممن اعتدى عليه باغتيال رموزه و علاماته و أمله في التحرر و الانعتاق
و قد استنكر الكاتب التقصير الحاصل من الإتحاد و من قياداته و نقابييه و من الدولة التونسية في السعي لاقرار محاسبة الجناة و من خلفهم الدولة الفرنسية و السلطة الاستعمارية القائمة بالاحتلال في تونس، رغم ترسانة القوانين الدولية الضامنة للدول الاختصاص في البحث في الجرائم ضد الانسانية و عدم سقوط جرائم الحرب بالتقادم و منها النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ 08 أوت 1945 و معاهدة الأمم المتحدة المؤرخة في 26 سبتمبر 1968 و اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين زمن الحرب 12 اوت 1949 و معاهدة سترازبورغ و انضمام فرنسا لمحكمة الجنايات الدولية بلاهاي …
محاولتان فقط لملاحقة الجناة
بسعيهما في محاولتين فقط لملاحقة الجناة في جريمة اغتيال الشهيد فرحات حشاد
مرة حين كلف الإتحاد العام التونسي للشغل ممثلا في امينه العام عبد السلام جراد، كلا من المحامي لدى التعقيب بتونس، الاستاذ رشاد مبروك و الأستاذ حسين الباردي المحامي لدى المحاكم الفرنسية يوم 17 مارس 2010 بتقديم شكاية لدى عميد قضاة التحقيق بالمحكمة الجنائية بباريس ضد الجاني انطوان ميليرو من أجل “التباهي بجرائم حرب و هي قضية رفضها قاضي التحقيق شكلا معتبرا أن المنظمة لا تملك الصفة لمقاضاة انطوان ميليرو و شركائه في الجريمة..
و مرة حين تقدم نور الدين حشاد نجل الشهيد فرحات حشاد في نوفمبر 2002 بشكاية لدى القضاء البلجيكي ( للاختصاص العالمي للقضاء البلجيكي بعد انضمام بلجيكا للمعاهدات المنشئة لمحكمة الجنايات الدولية بلاهاي ) و قد تحصل حينها على رد قضاىي ايجابي بتاريخ 08 نوفمبر 2002 ، لكن نور الدين قرر تأجيل تقديم القضية في بروكسيل تقديرا لموقف فرنسا زمن جاك شيراك الرافض للعدوان على العراق عام 2003!
مع أن القضية لم تكن فقط قضية عائلة الشهيد أو قضية الإتحاد بل قضية شعب و دولة في مجابهة جرائم الدولة التي ارتكبتها السلطات الاستعمارية في وجه من تصدوا لمشروعها الاستعماري و مثلوا خطرا على مصالحها .
و كأنني بالباحث فوزي الشيباني يستنهضنا للدفاع عن دم الشهيد كي لا يلفه النسيان و كي لا تذهب جرائم الاحتلال الفرنسي لتونس الى النسيان و لا تكون الجريمة بلا عقاب لأن الجريمة لا تسقط بالتقادم، و لأن حشاد هو الشعب التونسي الذي أحبه الشهيد و الذي دفع من أجله ضريبة الدم واعيا و متوقعا اغتياله و هو القائل :« خير لي أن أموت و دمي يروي تراب الوطن من أن أموت و دمي متجمد في جسدي البالي » و هو الذي لم يفصل الانعتاق الاقتصادي و الاجتماعي عن قضية التحرر الوطني و أسند المقاومة المسلحة و كانت دور الإتحاد منطلقها و لم تنته باغتياله بل اشتدت حتى بادر رفاقه إلى تأسيس كومندوس حشاد ليقوم بأولى عملياته ضد المحتل أياما بعد الجريمة ، و كان أفقه أوسع فأسند نضال شعبنا العربي في المغرب و الجزائر و نضال شعبنا الفلسطيني مبكرا بإقرار اضرابين عامين من أجله: يوم 10 ماي 1946 ضد تقرير اللجنة الأنڨلو أمريكية حول فلسطين أو تقرير لوزان، و أيام 3 -4- 5 ديسمبر 1947 احتجاجا على توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب و اليهود و وصاية دولية على القدس و بيت لحم،
منذ المؤتمر الثاني
و دعا في المؤتمر الثاني للاتحاد بين 19 و 21 ديسمبر 1947 إلى ” توجيه كل الدعم لعمال و شعب فلسطين في كفاحهم القوي و جهادهم المتواصل في سبيل الحرية و الاستقلال “
و دعا في 20 مارس47 إلى المشاركة في عيد العروبة و أسس في 19 ماي 1948- أربعة أيام بعد النكبة – اللجنة العليا لإنقاذ فلسطين بمقر الانحاد العام التونسي للشغل بمشاركة عدد من القوى الوطنية و المنظمات و جهز المتطوعين لقتال الصهاينة ..
و لم يتنكر حشاد لمعلمه محمد علي الحامي الذي كان يسميه “أب الحركة النقابية ” و كان يحفظ له الفضل في بعث أول نقابة تونسية و هو الذي ألهمه تأسيس نقابات الجنوب و نقابات الشمال ثم توحيد النقابات في الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 20 جانفي 1946
و هو الذي انتصر للمسحوقين من أبناء وطنه و دعاهم إلى الانتفاض على مستغليهم فانتفضوا و نجحت حركتهم في اقتلاع حقوقهم من المعمرين الفرنسيين، و لعل اضراب عمال الفلاحة في هنشير النفيضة و الذي قمعه المستعمر بالرصاص و ارتقى فيه شهداء يوم 21 نوفمبر1950 لتعرف تونس اضرابا عاما شاملا يوم 23 نوفمبر، هو الذي جعل حشاد يلقي كلمته المأثورة أحبك يا شعب !
و هو الذي جعل من انخراطات العمال المباشرة نصيبا لطلبة شمال افريقيا الدارسين بفرنسا استنهاضا للشباب و ايمانا بما للعلم من أهمية في بناء الانسان و إسناد مشروع التحرر و هو الذي آمن بالمدرسة الشعبية حين رفع شعار ” فلنشيد بأنفسنا مدارسنا القومية الشعبية ” فأبان عن حس وطني تأكد في انحيازه لباي الشعب المبعد المنصف باي و إشرافه بنفسه على موكب دفنه بعد إعادته من منفاه.
أول امرأة نقابية في سابقة عربية و افريقية
و قد حفل الكتاب بسير نقابيين سبقوا حشاد و آخرين رافقوه و ساروا على دربه و منهم محمد علي الحامي و بلقاسم القناوي و عبد العزيز بوراوي و أحمد التليلي و أحمد بن صالح و محمود المسعدي و الحبيب عاشور و شريفة المسعدي التي كانت أول امرأة نقابية في سابقة عربية و افريقية تولت القيادة و لم يسجل بعدها وصول امرأة الى المكتب التنفيذي إلا بعد سبعين عاما عام 2017 بتوصية و عن طريق الكوتا و هو ما أكد فهما مبكرا لمفهوم المساواة لدى فرحات حشاد و فهما للتطور جعله يختار النقابات الحرة و ينظم للسيزل مقابل النقابات الشيوعية التي لم تعترف حينها بحق الشعوب في تقرير مصيرها و كانت ترفض فكرة الإستقلال .
الكتاب حجر آخر يضاف في بناء أدب الحركة النقابية و الوطنية و أراه كتابا أساسا في مكتبة كل نقابي و كل سياسي و كل مؤمن بدوري الإتحاد النقابي و الوطني و هو ليس كغيره من الكتب طرافة و جدة و صدقا في المنطلق و الغاية – و ليس ذلك غريبا عن رجل امتدت تجربته النقابية خمسا و ثلاثين سنة بداية من 1977 ، عرف فيها السجون في مناسبتين دفاعا عن الحق النقابي و رفض بعد الثورة تعويضا ماديا عن الضريبة التي دفع لقاء قناعاته- و جدية في الطرح لا تتأتى إلا لمن تشبع بالقيم و المبادىء التي بعث من أجلها فرحات حشاد و رفاقه الإتحاد العام التونسي للشغل
و هو دعوة للتمسك بالإتحاد العام التونسي للشغل منظمة نقابية وطنية بدوريها الاجتماعي و الوطني ، مستقلة و مناضلة و منحازة ، في وجه مشاريع التفريط و التراجع عن المكتسبات و مشاريع الإلحاق و التذيل و التفريط في الاستقلالية و الدوس على القوانين.
وفاء الدولة لتاريخ حركتها النقابية و الوطنية يبقى قائما
و هي رسالة للدولة التونسية أن وفاءها لتاريخ حركتها النقابية و الوطنية يبقى قائما و أنه لا يسقط – بدوره – بالتقادم ، و أن دماء الشهداء عهد و أمانة و مسؤولية ، و أن محاسبة الجناة و مطالبة فرنسا – وريثة فرنسا الإستعمارية طيلة قرنين – بالإعتراف و الإعتذار إذا شاءت حقا أن تتصالح مع قيم التنوير و الحداثة و حقوق الإنسان التي بنت على أسسها ثورتها لسنة 1789 و جمهوريتها الخامسة في 4 أكتوبر 1958.
ذي دعوة للقراءة و لعل كثيرين إذا قرأوا كتاب فوزي الشيباني : دماء على أيدي رواد حانة le Charentais : اغتيال فرحات حشاد، الجريمة و الإفلات من العقاب” ينتبهون إلى ضرورة إنقاذ الإتحاد وفاءا لرواد الحركة النقابية و الوطنية و وفاء لمبادىء الإتحاد و سيرا على درب الشهيد فرحات حشاد الذي صرخ صادقا :« أحبك يا شعب » فأحبه الشعب و ظل يذكره بعد أربع و سبعين سنة على اغتياله…، و استرجاعا للقيم و المبادىء التي بنيت عليها منظمة العمال كي لا يغتال الشهيد مرة ثانية.
فلنقرأ.
المنجي سليماني

مقالات مشابهة

مهرجان بلاريجيا الدولي : وليد الصالحي سهرة الإبداع و الإقناع

فريق النشر Echaab News

بثينة نابولي : في لباس شبابي خالف الموجة … ونحتت طريقها

فريق النشر

مهرجان عمّان السينمائي : تتويج آية بلاغة بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم “وين ياخذنا الريح”

فريق النشر Echaab News