35.7 C
تونس
6 أوت، 2026 20:23
جريدة الشعب نيوز
وطني

القيروان تستضيف ندوة الإستثمار للتونسيين بالخارج : هل تنتقل تونس من إستقطاب التحويلات إلى بناء شراكة تنموية ؟

إحتضنت ولاية القيروان اليوم الخميس 6 اوت 2026 الندوة الإقليمية للاستثمار الموجهة للتونسيين بالخارج تحت شعار: ” التونسيون بالخارج : شريك استراتيجي في التنمية و الاستثمار”، و ذلك في اطار سلسلة من الندوات الإقليمية التي ينظمها ديوان التونسيين بالخارج بعدد من الجهات بهدف التعريف بمناخ الاستثمار و الفرص المتاحة و تقديم الإمكانيات الاقتصادية التي تزخر بها مختلف المناطق، و تشجيع الجالية على توجيه جزء من مدخراتها نحو مشاريع منتجة تساهم في الدورة الاقتصادية الوطنية.

غير أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في تنظيم هذه اللقاءات، فهي ليست الأولى من نوعها، بل في السؤال الذي تعيد طرحه حول طبيعة العلاقة بين الدولة و التونسين بالخارج: هل ما زالت الجالية تنظر اليها أساسا كمصدر للتحويلات المالية،ام ان تونس بصدد بناء رؤية جديدة تجعل منها شريكا اقتصاديا و تنمويا؟

مثلت الهجرة لعقود موردا مهما للاقتصاد الوطني، خاصة من خلال التحويلات المالية التي ساهمت في دعم احتياطي العملة الصعبة و تحسين ظروف عيش الاف العائلات. لكن التحدي اليوم لا يتعلق بقدرة التونسيين بالخارج على المساهمة بل بقدرة الدولة على تحويل هذا الرصيد المالي و البشري الى استثمارات منتجة و مستدامة.

فالانتقال من الخطاب الى الفعل يفرض طرح سؤال جوهري: هل تغيرت شروط الاستثمار في تونس بما يكفي حتى يصبح تحويل المدخرات الى مشاريع اقتصادية خيارا عقلانيا بالنسبة للمهاجر التونسي؟ فالتونسي بالخارج يحتاج الى بيئة استثمارية قائمة على الثقة و الوضوح القانوني و سرعة الإجراءات و المرافقة الفعلية.

من تشجيع الاستثمار إلى بناء الثقة

لا تمثل دعوة التونسيين بالخارج للاستثمار توجهًا جديدًا في السياسة العمومية التونسية. فقد أثبتت التجارب السابقة أن توفير الامتيازات الجبائية أو تنظيم اللقاءات التعريفية لا يكفي وحده، إذ بقيت الهوة قائمة بين خطاب التشجيع وواقع الإجراءات، وبين الرغبة في استقطاب المستثمر وخبرة المستثمر مع الإدارة.

لكن تقييم هذه التجارب يطرح سؤالًا أساسيًا: هل نجحت تونس في الانتقال من مرحلة التشجيع إلى مرحلة التعبئة الفعلية؟ فرغم الدور الكبير الذي تلعبه التحويلات المالية، بقي الاستثمار المنتج للجالية دون مستوى الإمكانيات المتاحة. ولا يعود ذلك بالضرورة إلى ضعف رغبة المهاجرين في الاستثمار، بل إلى طبيعة البيئة الاقتصادية والمؤسساتية.

فالمهاجر الذي راكم خبرة مهنية ومدخرات مالية لا يبحث فقط عن امتيازات ظرفية، بل عن منظومة توفر له الثقة والاستقرار والمرافقة. فهو لا ينظر إلى تونس فقط باعتبارها بلدًا للانتماء، بل باعتبارها فضاءً لاتخاذ قرار اقتصادي.

وهنا يكمن التحول المطلوب: الانتقال من استدعاء أموال الجالية إلى استثمار قدراتها المتعددة، بما تحمله من خبرات، وشبكات علاقات دولية، ومعرفة بالأسواق، وقدرة على نقل المعرفة والتكنولوجيا.

التحويلات المالية : قوة اقتصادية لم تتحول بعد إلى استثمار

لا يمكن إنكار الوزن الاقتصادي للتونسيين بالخارج. فحسب معطيات البنك المركزي التونسي، تجاوزت تحويلاتهم 3.669 مليار دينار إلى موفى ماي 2026، لتبقى من أهم مصادر العملة الصعبة ودعم التوازنات المالية.

غير أن المفارقة تتمثل في أن هذا الوزن المالي لا ينعكس بالقدر نفسه على الاستثمار المنتج وخلق الثروة. فجزء مهم من التحويلات يوجه نحو الاستهلاك أو السكن أو تحسين الظروف الاجتماعية، بينما يبقى الاستثمار المنظم محدودًا مقارنة بحجم الإمكانيات.

وهنا تظهر الإشكالية الحقيقية: ليست القضية في قدرة الجالية على تمويل الاقتصاد، بل في قدرة الدولة على تحويل هذه التدفقات إلى مشاريع مستدامة. فاختزال المهاجر في دوره المالي فقط يمثل رؤية ضيقة للهجرة، لأن رأس مال الجالية لا يتمثل في الأموال فقط، بل أيضًا في المعرفة والخبرة والعلاقات الاقتصادية التي يمكن أن تشكل جسورًا بين تونس والأسواق الخارجية.

الجباية والرقابة : كيف نوازن بين حماية الاقتصاد وجاذبية الاستثمار ؟

يطرح الاستثمار القادم من التونسيين بالخارج تحديًا يتعلق بالتوازن بين الرقابة والنجاعة. فمن حق الدولة حماية الاقتصاد الوطني وضمان الشفافية ومقاومة التدفقات غير المشروعة، لكن نجاح السياسة الاستثمارية لا يقوم فقط على وجود القوانين، بل على وضوحها واستقرارها وسهولة تطبيقها.

فالمستثمر لا يخشى القواعد الواضحة، لكنه يتردد أمام الغموض وتعدد الإجراءات وطول المسارات الإدارية. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يكمن فقط في تقديم حوافز جديدة، بل في بناء علاقة مختلفة بين الإدارة والمستثمر تقوم على المرافقة، والسرعة، والشفافية، وتحويل الإدارة من جهاز رقابة فقط إلى شريك في إنجاز المشروع.

أي سياسة جديدة للهجرة والتنمية ؟

تفرض التحولات الحالية إعادة التفكير في موقع الهجرة داخل المشروع التنموي الوطني. فالهجرة لم تعد ملفًا اجتماعيًا أو أمنيًا فقط، بل أصبحت مجالًا اقتصاديًا واستراتيجيًا. لكن نجاح هذه المبادرات لن يقاس بعدد الندوات المنظمة أو الشعارات المرفوعة، بل بقدرتها على خلق مسارات عملية ترافق المستثمر من الفكرة إلى الإنجاز.

فالرهان ليس إقناع التونسي بالخارج بحب وطنه، فهذا الشعور قائم، وإنما بناء دولة تجعله يرى أن الاستثمار في تونس قرار اقتصادي ناجح.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم من الأموال يمكن أن تجلبها الجالية؟ بل: هل تستطيع الدولة بناء المناخ الذي يحول هذه الأموال إلى تنمية، ويحول التونسي بالخارج من ممول للتوازنات المالية إلى شريك في صناعة المستقبل؟

مقالات مشابهة

ميزانية 2027… هل تغيّر الدولة بوصلتها أم تكتفي بتغيير التاريخ ؟

فريق النشر Echaab News

القطاع المالي والبنكي ينمو بنسبة 06 بالمائة : 5.2 مليار دينار من الإيرادات

فريق النشر Echaab News

في جويلية : إرتفاع أسعار لحم الضأن ب16.7 بالمائة و12.5 للحوم الدواجن

فريق النشر Echaab News