بقلم طارق السعيدي – تعاقبت على تونس منذ الاستقلال، حكومات وأنظمة سياسية مختلفة وقد رفعت بدرجات متفاوتة، شعار العدالة الاجتماعية بإعتباره رسالة طمأنة للفئات الهشة بأن لهم حليف قوي يحميهم من تقلبات السوق.
وبالتالي فقد مثل الشعار على مدى عقود الية تحشيد شعبي وسياسي بدل من ان يكون عنوانا لبرنامج اقتصادي.
وقد مثلت غلبة السوق و تراجع تدخل الدولة إضافة الى انعدام التشاركية اهم عوامل إفقاد العدالة الاجتماعية قدرتها على ان تكون اطارا عاما لتحسين ظروف العيش ولبناء اقتصاد بنمو مستدام .
شعارات بلا سياسات
مع مرور أكثر من 22 رئيس حكومة على القصبة بما في ذلك الحبيب بورقيبة نفسه، فإن يظل الفارق بين الخطاب والممارسة واضحاً.
فكل الحكومات تقريباً تحدثت عن العدالة الاجتماعية، لكنها لم تنجح في بناء نموذج اقتصادي واجتماعي قادر على الحد من التفاوت.
وبعد أكثر من عقد ونصف على الثورة، ما تزال تونس تواجه مؤشرات تدل بوضوح على استمرار الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
ووفق أحدث الأرقام الرسمية، بلغ معدل البطالة نحو 15.1، فيما بلغ التضخم 5.4 بالمائة خلال السنة نفسها، بعد أن كان قد وصل إلى مستويات أعلى بكثير في السنوات السابقة.
كما ظل الدين العمومي مرتفعاً، إذ تشير التقديرات الى تجاوز نسبة 85 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مقابل 67.8 بالمائة سنة 2019.
كما تشير الأرقام الى ان النمو الاقتصادي، بقي محدوداً بعد بلغ نحو 2.4 بالمائة في 2025.
وبالتالي ، فإن الاستنتاج الأبرز يتمثل في ان طرح العدالة الاجتماعية لم يتحول الى سياسات كفيلة بتحسين ظروف عيش الناس بل ظل حبيس الخطاب السياسي وهو ما يعني ان طرح الشعار وحده لا يكفي بل انه يتحول الى شعار اجوف إذا لم ترافقه سياسات واقعية تجسده.
النقاش المتجدد
قد يكون من المهم التوقف لحظة لحسم مسالة مهمة وهو القول ان الدولة الاجتماعية لم تعد موضة العصر وان ذاك زمان غير زماننا هذا.
ويكتسي هذا القول أهميته في تونس نظرا لشعبيته خاصة ضمن جمهور من مارسوا السلطة خلال الفترة ما قبل 2011 فضلا عن تبنيه من قبل طيف واسع من جمهور السلطة ما بعد 2011. مع كل ازمة اقتصادية تشهدها بلادنا يتجدد النقاش الاقتصادي حول دور الدولة. ويصبح النقاش أكثر كثافة في الأوساط الأكاديمية وفي الفضاء العام على محدودية المشاركة فيه، إثر كل بروز لخطابات سياسية تطرح فكرة العدالة الاجتماعية.
فهذه الفكرة على بريقها تطرح الكثير من التساؤلات، كيف يمكن ان نبلغ العدالة الاجتماعية، أي طريق علينا ان نسلك كيف يجب علينا ان نختار السياسات؟
ان السؤال أيهما أفيد للاقتصاد والمجتمع:’ اقتصاد السوق ام تدخل الدولة؟ يتخذ في كثير من الأحيان الطابع الأيديولوجي وهو ما يزود الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين على وجه الخصوص بشحنة إضافية من التشنج عند الانحياز الى طرح دون الاخر.
والحقيقة ان التشنج لا يبدو مبررا فقد طرح فافيدرو باريتو في أبرز إسهاماته في الاقتصاد السياسي فكرة مهمة حول هذا النقاش عندما قال ان “النظرية الاقتصادية الخالصة لا تقدم لنا معيارًا قاطعًا يمكن الاعتماد عليه للمفاضلة بين نظام اجتماعي قائم على الملكية الخاصة ونظام اشتراكي”، (أسس الاقتصاد السياسي 1906).
وبالتالي فان محاولة الايهام بوجود خيار واضح من وجهة نظر اقتصادية يبدو غير وجيه. وللخروج من هذه المأزق سيكون علينا ان نحول السؤال الى أسئلة علم اجتماعية سياسية اقتصادية مباشرة: من يحمي المجتمع عندما يعجز السوق عن تحقيق العدالة؟ ومن يضمن الخدمات الأساسية عندما تتحول بعض القطاعات الحيوية إلى مجالات للربح بدل أن تكون حقاً عاماً؟ ومن يتدخل عندما تصبح الدولة نفسها عاجزة عن حماية الفئات الضعيفة؟
وتمثل الموجة الرابعة من التدخل التي يشهدها العالم أكبر دليل على انه لا يمكن ان نحسم الامر نهائيا في اتجاه اقتصاد السوق وان تدخل الدولة يظل خيارا علميا وواقعيا. ان العالم الليبرالي يشهد الان عودة قوية نحو دولة التدخل. وبعد عقود من الخطاب الاقتصادي والسياسي عن أهمية الليبرالية ودور الدولة المعطل للتوازن الاقتصادي وجدت اغلب الحكومات الغربية نفسها في مواجهة عودة حتمية الى تدخل الدولة.
وعادت حكومات ليبرالية إلى تبني سياسات تدخلية في اقتصاداتها، مقدمة نموذجا مختلفا تماما عن النموذج النيوليبرالي الذي طالما روجته. فالولايات المتحدة، التي كانت رائدة في سياسات التحرير والخوصصة، شهدت منذ ازمة الكورونا عودة ملحوظة للتدخل الحكومي في قطاع الطاقة، والنقل والموانئ. وفي أوروبا، لم تقف الأمور عند حدود الدعم، بل تعدتها إلى سياسة التأمين.
فقد استحوذت فرنسا وألمانيا على شركات كبرى في قطاعي المرافق والكهرباء، وأخضعت فرنسا أكبر ترسانة لبناء السفن في أوروبا لسيطرة الحكومة، بينما أممت المملكة المتحدة السكك الحديدية وصناعة الصلب (صندوق النقد الدولي).
وبالتالي فان حماية الفئات الهشة وضمان الخدمات الأساسية المجانية يبقى مسؤولية الدولة ويستوجب تدخلها في السوق.
التشاركية العلمية
ومنذ 25 جويلية 2021، رُفع خطاب سياسي واضح حول استعادة دور الدولة، ومحاربة الفساد، وإعادة توزيع الثروة، وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن السنوات اللاحقة لم تُفضِ بعد إلى تغيير جذري في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية. فاستمرار البطالة المرتفعة، وضعف النمو، وتواصل الضغوط على المالية العمومية، وارتفاع كلفة المعيشة، كلها تؤكد أن مجرد استعادة الدولة لبعض وظائفها التنظيمية لا يكفي لتحقيق العدالة الاجتماعية.
لقد اعتادت السلطة السياسية، بمختلف مراحلها، أن تضع برامجها الكبرى من أعلى إلى أسفل، ثم تبحث لاحقاً عن قبول اجتماعي أو سياسي لها. وحتى عندما كانت هناك آليات للحوار، فإنها لم تكن دائماً ضمن عملية صناعة القرار الاقتصادي بل كانت الخيارات تناقش بعد ان تتخذها الحكومات.
وقد كان لذلك كلفة كبرى اما من خلال الفشل الذريع عند التنفيذ او من خلال التوترات التي تخلقها الخيارات المسقطة. ومن هذا المنطلق فان الفاعل القادر على دعم الدولة عندما تعجز ماليا واقتصاديا على توفير الخدمات وتقديم الرعاية الاجتماعية هو قوى المجتمع الحية.
فالدولة التي تعجز في لحظة تاريخية نتيجة ازمة اقتصادية لا يكون بديلها المباشر اقتصاد السوق بل حالة التوافقات الكبرى التي تستطيع ان تنشئها مع المجتمع والافراد. وهذا الامر لا يكون الا من خلال التشاركية الدائمة والحوار الفعلي.
ان اهم ما يمكن استنتاجه من التجربة التونسية الى حدود هذه اللحظة هو ان العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تُبنى من داخل مكاتب الحكومة وحدها.
فهي تحتاج إلى حوار حقيقي مع الاتحاد العام التونسي للشغل باعتباره أحد أهم الفاعلين الاجتماعيين، ومع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية باعتباره ممثلاً للقطاع الخاص والمؤسسات، ومع الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري باعتباره ممثلاً للقطاع الزراعي والفلاحي، فضلاً عن المنظمات والهيئات المهنية، مثل عمادة المهندسين والهيئة الوطنية للمحامين ونقابة الصحفيين وغيرها من الهيئات والمنظمات التي تمثل قطاعات واسعة من المجتمع.
ولا تعني التشاركية أن تتنازل الدولة عن مسؤوليتها أو أن يصبح القرار الاقتصادي رهينة للتجاذبات بين المنظمات. بل تعني أن الدولة تستمع، وتفاوض، وتشرح، وتبحث عن نقاط الالتقاء، ثم تتخذ القرار على أساس رؤية وطنية واضحة.
فالحكومات التي تفرض السياسات الاقتصادية دون حوار قد تنجح في تمرير القرار، لكنها كثيراً ما تفشل في تحقيق النتائج.
أما السياسات التي تُبنى على المشاركة، فإنها تكون أكثر قابلية للتنفيذ والاستمرار، لأنها تقوم على قدر من التوافق الاجتماعي.
خلال فترة طويلة من الزمن تم اختزال مفهوم التشاركية في بعده السياسي أو الديمقراطي، وقدمت على انها آلية لإشراك المواطنين والقوى الاجتماعية في النقاش العمومي، غير أن هذا الاختزال يحجب بعدها الاقتصادي العميق.
فالتشاركية ليست ترفاً ديمقراطياً يمكن للدولة أن تختار الأخذ به أو التخلي عنه، وإنما هي شرط من شروط النجاعة الاقتصادية، لأن السياسات العمومية لا تنجح بمجرد صياغتها، بل تنجح عندما تتوفر القدرة على التفعيل داخل الواقع، وعلى حشد الفاعلين القادرين على تنفيذها وتحمل كلفتها.
إن ما أريد قوله بكل وضوح ان العدالة الاجتماعية في تونس تستوجب الحوار المسبق وتفهم حاجيات الافراد والمجتمع.
كما لا يمكن ان تتحقق العدالة من خلال عودة الدولة إلى التدخل في الاقتصاد فقط بل بل تحتاج إلى إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع.
فالدولة المتدخلة في الاقتصاد يجب أن تكون أيضاً دولة متحاورة، لأن التنمية لا تُفرض على المجتمع، وإنما تُبنى معه.
