ممتعة كانت سهرة الاختتام التي شهدها فضاء مسارات للفنون ليلة الجمعة 07 اوت بتاثيث من فرقة عيون الكلام للفنان خميس البحري وصديق الفضاء الفنان اللبناني خالد الهبر.
ممتعة بحميميتها وعفويتها وانسياب المشاعر فيها دون كلفة او تكلف أو بهرج زائد. سهرة في البطحاء منسابة كالماء الرقراق ذكرتنا بأيام زمان لما كانت عربات العرض السينمائي تجوب القرى والارياف وتقدم للناس في “بطاحي” الاسواق وملاعب الارض الصلبة من الافلام ما لم يروه قبل ذلك. لا قاعات العرض متوفرة ولا وجود للتلفزيون حتى في بدايته. يقول عنها جهابذة اليوم – من باب التقليل من الوقع – “سينما في حيط”.
اجتمع الكبار والصغار، الشيب والشباب، النساء والرجال، من “الحومة” التي آمن أهلوها ان المشروع مشروعهم الخاص وان واجبهم يفرض المحافظة عليه وحمايته من اي تجاوز ممكن، من “الحوم” القريبة وحتى البعيدة وشعار الجميع ان اي مستحيل ممكن.
سهرة في جزئين
ممتعة بشكل خاص بمحتواها الدسم الذي يرتقي بالذائقة الفكرية أولا وبالذائقة الفنية ثانيا من خلال تطرق ما قدم خلاله الى المبادئ السامية والمشاعر الانسانية التي تفيض رقة وبهاء، وخاصة الى مخاطبة العقل الواعي ودفعه الى الاستزادة.
الجزء الاول من السهرة أثثته فرقة عيون الكلام بقيادة الشاب على الدوام خميس البحري. زاد عدد أفرادها في مجال الآلات والعزف وزاد الجهد واضحا في الاداء والاسجام، فأخرجت افضل ما يمكن ان يشنف الاذان من طرب – او تطريب – وايقاع، حلاّهما – من الحلاوة – مخزون الاصوات العذبة لمجموعة الغناء والكورال وكلهن آنسات وسيدات شديدات الاتقان لكل مايقدمن للناس.
اللافت أن أعلب الحاضرين – كما في المهرجانات الاخرى – يحفظون كلمات الاغاني التي تقدم لهم وكانوا يرددونها مع الفرقة باتقان وحماس وتفاعل شديد. بعضهم وهن رقصوا ورقصن بأناقة وتوظيف لا مزيد عليه.
وحتى لما جاء دور اللبناني خالد الهبر في الجزء الثاني من السهرة، فان التفاعل كان في نفس المستوى باعتبار معرفة اغلب الحاضرين باغانيه ومحتواها فضلا عن حسن اداء الفرقة للاغاني التي قدمها مع اضافة واحدة وهي ألة البيانو الكهربائي التي عزف عليها ريان الهبر ابن خالد الذي لفت الانتباه باكثر من عنوان منها ” نحن في غزة بخير طمنونا عنكم” و”انتخبوني رئيسا”.
افتحوا الطريق.
لا اعلم لماذا لا يقع تسجيل مثل هذه الحفلات وتقديمها لاوسع فئات المجتمع حتى يكتشفوها كجزء من الانتاج الفكري والابداع الموسيقي الذي صنعه ويصنعه يوميا ابناء شعبهم ممن لا تطالهم كاميرات “النجوم” ولا تذهب لهم القنوات الربحية. ان المسؤولية ملقاة بالدرجة الاولى على التلفزة الوطنية (اين القناة الوثائقية او التوثيقية؟) التي نسجل عليها انها مقصرة في هذا الباب وبالدرجة الثانية على وزارة الثقافة التي يفرض عليها الواجب – بكل جوانبه – ان تفتح طريق المهرجانات الكبرى أمام “عيون الكلام” ومثيلاتها من الفرق الملتزمة وغير النمطية.
في زمن ما ، لا يريد بعضهم ان نعود اليه، فتح مهرجان قرطاج أبوابه أمام الفن الشعبي فاكتشفنا مخزونا عظيما من الاغاني والمغنين والراقصين، نعيش اليوم على زخمه ولا نكاد نحيا الا به باعتبار تصالح الشعب مع موروثه الثقافي، وقبله فتح ذراعيه لكوكبة من الشعراء الشعبيين الذين أبدعوا فأقنعوا وانتعشوا حتى ان أحدهم افلت من عقاله، في ذلك الزمن، فردد دون خوف ” دخل قصره، نسي عصره”.
أخيرا، شكرا صالح حمودة، أنت تعرف ان شهادتنا فيك مجروحة باعتبارك ابن منظمة حشاد العظيم، نشطت في صلبها، وأمنت بأدورها المتعددة ومنها الدور الثقافي بابعاده الهادفة وأحدها ثقافة القرب.
ام خلدون
